السنة التاسعة - العدد۲۴۶۱- - السبت۱۰صفر۱۴۲۷ -۱۱/۳/۲۰۰۶
قضايا و آراء
Ara.gif
بحث متقدم
PDF Edition
أولي
تفاصيل اخبار الاولي
محليات
عربيات
دوليات
ثقافة
من الصحافة العربية
قضايا و آراء
استراحة
اقتصاد
رياضة
الاسرة
منوعات
الأرشيف
RSS
الملف النووي الايراني بين ازدواجية المعايير
وخيارات التسوية
لعبت الضغوط والدعاية الاعلامية والسياسية المبرمجة من قبل الادارة الاميركية دورا كبيرا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبالخصوص لحرف اتجاه المواقف لعدد من الدول الاعضاء في مجلس حكام الوكالة الدولية وكذلك مدراء المنظمة الدولية وذلك للانجراف وراء اغراضها السياسية من خلال اتخاذ المواقف الانفعالية وغير الناضجة للتعامل مع جزئيات الملف النووي الايراني تمهيدا لتفويت الفرصة على ايران وللحيلولة دون تحقيق مآربها واغراضها المشروعة في صناعة التكنولوجيا النووية لاستخدامها في المجالات الحياتية والمدنية العامة.
وقد خيّر ممثلي الولايات المتحدة الاميركية وعدد من الدول الاوروبية بعض الدول الاعضاء في مجلس حكام الوكالة بين الالتحاق بالركب الذي يحول دون تحقيق ايران لاهدافها او التصويت لمصلحة الملف النووي الايراني بما فيه حقها في تخصيب اليورانيوم، وعلى الرغم من الشفافية المطلوبة والجهود التي بذلتها ايران من اجل اطلاع الراي العام العالمي وكذلك مع الوكالة الدولية طيلة الاعوام الثلاث الماضية، لاسيما عندما فتحت ابواب منشآتها النووية بشكل طوعي لفرق التفتيش الدولية والتي قامت بحوالي «۲۰۰۰» مهمة لغرض التحقيق والتفتيش ومن ضمنها مراجعة وزيارة «۲۷» مرة للمؤسسات والاجهزة العسكرية.
مقابل ذلك فان موقف الدول الاوروبية الثلاث «المانيا وفرنسا وبريطانيا» لم يتغير نحو الافضل تجاه الملف النووي الايراني، خاصة بعد وصول المفاوضات الى طريق مسدود، ولم تطرح الدول الاوروبية خيارات وبدائل واقعية بل واصلت اسلوب التهديد والترهيب لاجبار ايران على التخلي عن برنامجها النووي والذي يخالف تعهدها السابق الى طهران باغلاق مناقشة الملف النووي الايراني عندما تنتسب ايران الى البروتوكول الملحق وفسح المجال الى ايران لمواصلة نشاطها النووي وفقا لقوانين الوكالة الدولية للطاقة.
وقد مارست دول الترويكا اسلوب المماطلة والمناورة لكسب الوقت تمهيدا لتبني موقفا مغايرا في فترة لاحقة وذلك بالتشاور مع واشنطن لحث طهران على تقديم المزيد من التنازلات السياسية بصفة رئيسية.
وقد افتعل الغرب ضجة واسعة في اعقاب طلب طهران رسميا من الوكالة الدولية باستئناف الابحاث النووية ورفع الاختام عن بعض منشآتها النووية في الشهر الماضي بعد ان سأمت من اطالة امد المفاوضات مع الترويكا الاوروبية والتي لم تسفر عن نتائج ملموسة حيث ادى الطلب الايراني الى انبثاق حالة من الهيجان والانفعال لم يسبق له مثيل، الامر الذي حمل الجانب الاوروبي الى اتخاذ خطوات عاجلة لمواجهة الطلب الايراني، وتوقفت المحادثات بين الطرفين من جانب واحد، ووظفت الادارة الاميركية ودول الاتحاد الاوروبي هذا التحدي الايراني الجديد لاستثماره سياسيا، فقد مارس الغرب سياسة تركز على جذب واقناع كلاً من روسيا والصين لاتخاذ مواقف تقترب من موقفهما تجاه ايران. ويعتقد ان الدول الغربية قد لمحت الى الصين بعدد من الامتيازات مقابل تنصلها عن دعم الموقف الايراني في الوكالة الدولية وذلك لتطمين كلاً من الصين التي ابرمت عقود خدمية وتجارية مع ايران والتي تناهز ۱۰۰ مليارد دولار، علاوة على اعتماد الصين على ما نسبته ۱۵ بالمائة من النفط الايراني حيث كشف النقاب مؤخرا عن تقديم عروض اميركية لسد حاجة بكين من النفط اذا تم قطع الامدادات من النفط الايراني.
اما الروس الذين يلعبون دورا مشبوها وماكرا للتمويه عن موقفهم الحقيقي وما يدور بالكواليس بينهم وبين قادة البيت الابيض والحكومة الاسرائيلية، اتضح هذه المرة انسياقهم ورضوخهم للضغوط الاميركية والاسرائيلية، مما ادى الى انسجام موقفهم الاخير مع مواقف اوروبا والولايات المتحدة ويعتبر هذا التوجه مغايرا لمواقفهم السابقة المعلنة والتي كانت تتفادى الاستجابة للضغوط الاميركية والصهيونية.
الكيان الصهيوني الذي يمتلك ترسانة نووية هائلة علاوة على توفر اسلحة الدمار الشامل والاسلحة التقليدية العالية التدمير والتي تشكل تهديدا للمنطقة. ولم يذعن للقوانين الدولية ويضرب مقررات المجتمع الدولي عرض الحائط ولم يلبي نداءات الوكالة الدولية للطاقة الذرية من اجل التوقيع على وثيقة الحد من انتشار الاسلحة النووية المحظورة، في ظل تغاضي غربي ودفاع اميركي على حيازة الكيان الصهيوني للاسلحة النووية والاسلحة التقليدية الفتاكة، ولا يزال الغرب يرفض وضع اية قيود او اصدار اية مقررات تجاه اسرائيل، لم يطلب من تل ابيب ان تسمح لفرق التفتيش الدولية بالاطلاع على منشآتها النووية السرية، وتعتبر الادارة الاميركية ان اسرائيل نموذج يجب ان يحتذى به، و ان الستراتيجية الاميركية والغربية تقر بمبدأ التفاضل بين الدول على اساس سياسي وحضاري وتسير وفق نظرية الحفاظ على امن الكيان الصهيوني ولتكريس التفوق العسكري لصالح الكيان، ويجب ترجيح كفة الميزان بين دول المنطقة، والالتزام بقرار سري يفرض عدم اتاحة الفرصة لأية دولة في المنطقة بتطوير صناعاتها النووية حتى السلمية خشية من الهواجس من امكانية تطويرها للتكنولوجيا النووية لتكون عسكرية مستقبلا.
في الوقت الذي يسعى الغرب الى اتباع نهج التمييز بالتعامل مع ايران والدعوة الى تفكيك مشروعها النووي السلمي لتطوير بحوثها النووية ولانتاج الطاقة والكهرباء، يغمض عيونه ويغلق اسماعه امام التهديد والخطر الذي يمكن ان تواجهه المنطقة من الاسلحة النووية والصناعية النووية المتطورة الاسرائيلية، بل اتيحت الفرصة لتل ابيب انطلاقا من التحالف مع الغرب لكي تقوم بأداء ادوارا منها تزييف الحقائق ووضع خططا استخباراتية لاقناع عدد من الدول من ضمنها الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن الدولي لاخافتها من شبح التكنولوجيا النووية الايرانية، لا سيما بطرحها لفرضيات غير حقيقية ولا تمت للواقع بصلة والتي تزعم عن امكانية تطوير ايران لاسلحة نووية في مراحل لاحقة.
ازدواجية المعايير انسحبت على دول اخرى، فعلى الرغم من اعتراف كوريا الشمالية بامتلاكها للاسلحة النووية الا ان ملفها النووي لم ينتقل الى مجلس الامن الدولي على الرغم من عدم انضمامها الى معاهدة البروتوكول الملحق، بل كان الموقف الاميركي والاوروبي يتوخى الحذر الشديد في التعامل مع الملف الكوري، ولم يتدخل الغرب في جزئيات الملفين النووين لكل من الهند والباكستان كما ان الادارة الاميركية فتحت نطاقا واسعا في التعاون في المجال النووي مع الهند على الرغم من المخاطر والاجواء الساخنة بين كلاً من الهند والباكستان. بصرف النظر عن الضغوط والاغراءات التي وجهت نحو عدد من دول عدم الانحياز في الوكالة الدولية من اجل حملها على التصويت لصالح القرار الاميركي - الاوروبي لاحالة الملف النووي الايراني الى مجلس الامن الدولي، فان نقل الملف لا يجدي نفعا ويكلف الغرب ثمنا باهضا، وقد افصحت عن ذلك وزيرة الخارجية الاميركية قبل عدة ايام، واعتبرت ان قرار العقوبات لا يحقق المطلوب نظرا لتشابك المصالح بين كلاً من ايران وروسيا والصين وتوخيها لخيارات اخرى.
من الخيارات المطروحة، مشروع تخصيب اليورانيوم الايراني في روسيا والذي اشترطت فيه طهران الى اجراء تعديلات عليه بحيث يشمل كذلك اجراء عمليات للتخصيب فوق الاراضي الايرانية وكذلك تدريب عدد من الخبراء الايرانيين والمشاركة فيه، الروس يساهمون في احتواء الازمة ولكن بأجندة غربية، حيث دعى وزير الخارجية الروسية الى توقف ايران في برنامجها لتخصيب اليورانيوم، الامر الذي ستواجه تلك التصريحات رفضا ايرانيا باعتباره حقا سياديا لايران لا يمكن التخلي عنه.
واشنطن وحلفائها الاوروبيين سوف يواجهون صعوبة كبيرة في اقناع المجتمع الدولي وكذلك مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذي عقد اجتماعا له في ۶ مارس/آذار الحالي لمناقشة الملف الايراني والشروط والمطلوبة لرفعه الى مجلس الامن الدولي لمناقشته وذلك للأسباب التالية:
۱- ضعف الادلة والوثائق الغربية التي تثبت صحة ادعاءاتهم حول اخفاء ايران برنامجاً سريا لصناعة الاسلحة النووية، والتي لم تجد له اثرا فرق التفتيش الدولية.
۲- المصالح الاقتصادية والسياسية المتطورة التي تربط بين كلاً من ايران والصين وروسيا تحبط أية قرارات حساسة سواء في الوكالة الدولية او في مجلس الامن الدولي في الظرف الحالي تتجه نحو نسف تلك المصالح المشتركة.
۳- ادراك معظم دول العالم خلفية هذه المواجهة لاسيما بين الدوافع الاميركية للهيمنة والتي تنطلق من ابعاد سياسية بالدرجة الاولى والتي تعود للمجابهة مع ايران منذ عام ۱۹۷۹ «انتصار الثورة الايرانية» والمواقف الايرانية من عملية التسوية ودعم المقاومة الفلسطينية.
۴- ليس هنالك تناقض بين قوانين ومقررات الوكالة الدولية والنشاطات النووية الايرانية حيث ابدت ايران تعاونا واسعا بشفافية متميزة.
اسئلة تطرح نفسها وتتحدث عن كيفية تعامل المجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية مع الملف النووي الايراني بعيدا عن المراوغة والمعايير المزدوجة الغربية، وما مدى مصداقية الوكالة الدولية في التعامل مع ملف ايران بصورة غير انتقائية وبدون الخلفيات السياسية وعدم فسح المجال امام العوامل السياسية لكي تفسد نزاهة ومصداقية الوكالة الدولية.
محمد القزويني
عودة الى «أسطورة النفوذ الصهيوني»
أعاد حدثان مهمان جريا اخيراً الى التداول اسطورة النفوذ الصهيوني الذي لا يقف عند حد، أولهما الحكم على المؤرخ البريطاني ديفيد ايرفينغ بالسجن ثلاث سنوات امام احدى المحاكم النمساوية بسبب إنكاره حجم ارقام الضحايا في جريمة «الهولوكوست» في ألمانيا النازية، والحدث الثاني وقف رئيس بلدية لندن كين ليفنغستون عن العمل أربعة اسابيع لتشبيهه صحافياً يهودياً بحارس نازي.
في الحدث الأول لم يغفر للمؤرخ الكبير تراجعه عن أقواله واعترافه بخطئه في تجنيبه الحكم بالسجن. لم ينكر ايرفينغ «الهولوكوست» أو «المحرقة»، لكنه أنكر المبالغة في تعداد اليهود الذين اضطُهدوا وعذبوا فيها.
وفي الحدث الثاني كانت جريمة رئيس البلدية البريطانية انه سأل صحافياً «يهوديا» انتهك خصوصيته عما اذا كان مجرم حرب ألمانياً في أي وقت من الأوقات. وتعمدت بعض وسائل إعلام بريطانية إبراز «يهودية» الصحافي المذكور مع انه مواطن بريطاني. ولم يشفع لرئيس البلدية انه لم يقصد إهانة الطائفة اليهودية.
اسرائيل تستمد قوتها من هذا «النفوذ الصهيوني الأسطوري» الذي يهيمن على إرادة الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي وقراراتهما. هكذا ببساطة يريدوننا ان نصدق وتصدق شعوبهما ان النفوذ الصهيوني قوة لا تُغلب!.
لا يزال كثير من المفكرين العرب وغير العرب يؤمنون بأسطورة النفوذ الصهيوني «الخرافي»، ومع انهم لو تأملوا جيداً في طبيعة العلاقات الأميركية - الإسرائيلية في شكل خاص، والعلاقات الأوروبية - الإسرائيلية عموماً لوجدوا ان «النفوذ الصهيوني» يراد له ان يبدو اكبر بكثير مما هو في حقيقة الأمر. وفي واقع الحال تجسد العلاقات الأميركية - الإسرائيلية ظاهرة فريدة من نوعها، اذ ترتبط قوة عالمية كبرى بدولة صغيرة ارتباطاً لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات الدولية، وهي تتميز على الصعيد الاستراتيجي بتوافق كامل في المصالح يتجسد في اسس عدة، اهمها تفوق عسكري اسرائيلي دائم لا يحقق لإسرائيل الدفاع عن نفسها فقط، او ان تهدد جيرانها، بل الدفاع عن المصالح الأميركية في المنطقة، وتكريس حال الانقسام في العالم العربي، وتهديد امن الدول العربية «ضرب المفاعل النووي العراقي، اجتياح لبنان، اجتياح الأجواء السورية، من وقت الى آخر».
استلزمت مجموعة المصالح الأميركية نوعاً من «العلاقة الخاصة»، وارتضت اسرائيل بنوع من التبعية للولايات المتحدة - وليس العكس كما روج بعض الكتّاب - نظراً الى حاجتها الماسة الى مساعداتها الاقتصادية والعسكرية ودعمها الدولي في مقابل ان تقدم لها «خدمات متنوعة» ترتبط بصورة مباشرة او غير مباشرة بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. ويردد المسؤولون الإسرائيليون دوماً القول: «ان اسرائيل ورقة استراتيجية في يد الولايات المتحدة»، في حين يردد الأميركيون ان اسرائيل «حليف استراتيجي».
مع هذا لا تزال هذه «العلاقة الخاصة» بفرادتها موضع جدل في جوهرها. فهناك من يصفها بأنها «علاقة فريدة او متميزة». ومثل هذا الوصف على صحته لا يفيد كثيراً في تحليل هذه العلاقة. وهناك من يصفها بأنها علاقات هيمنة من قبل جماعات الضغط الصهيونية في اوساط صناعة القرار الأميركي. ويشتط بعضهم في هذا الاتجاه فيقول ان اسرائيل هي التي ترسم سياسة الولايات المتحدة الخارجية في المنطقة! ويسلك فريق ثالث مسلكاً وسطاً في شرح فلسفة «العلاقة الخاصة» بين البلدين فيرى ان اسرائيل مهمة بالنسبة الى الولايات المتحدة بحيث لا تستطيع الاستغناء عنها، كما ان حبل السرّة الأميركي حيوي جداً لإسرائيل بحيث لا تستطيع ان تقطعه. ومع ان التحليل الأخير قد يبدو الأقرب الى الواقعية إلا ان طبيعة العلاقات بين البلدين والتي توصف بحق انها «فريدة» و «خاصة» و «متميزة» أعقد وأكثر تشابكاً من ان توصف بكلمات قليلة.
اين موقع هذه العلاقات اذاً بين هذه التصنيفات والتحليلات، والتي كثيراً ما تراوح بين التهويل والتقليل؟!.
قبل الإجابة عن السؤال ثمة دراسة اميركية رسمية ترى ان «اسرائيل مؤسسة عسكرية متطورة ومتقدمة، وقدرة امنية جيدة، إضافة الى موقعها الاستراتيجي، ما يسهم في تحقيق الأهداف الأميركية في المنطقة. وهي ذخر وسند استراتيجي لأميركا». ويرى بعض الاستراتيجيين الأميركيين ان اسرائيل بسجلها الحافل بالانتصارات العسكرية، وجيشها المدرب. والمسلح جيداً حليف قوي، كما تقدم استخباراتها مصدراً موثوقاً فيه للمعلومات.