السنة التاسعة - العدد۲۴۸۱- - الثلاثاء۱۹ربيع الاول۱۴۲۷ -۱۸/۴/۲۰۰۶
قضايا و آراء
Ara.gif
بحث متقدم
PDF Edition
أولي
تفاصيل اخبار الاولي
محليات
عربيات
دوليات
ثقافة
من الصحافة العربية
قضايا و آراء
استراحة
اقتصاد
رياضة
الاسرة
منوعات
الأرشيف
RSS
الحكاية العراقية: مجرم بقميص بطل!
الحكاية العراقية ما مثلها حكاية! نهايتها لا تنتهي وبدايتها حطب وكلام. حطب يوجع النار لذلك يبقى رماد الحكاية حاراً يكوي القلوب. الحكاية العراقية لا تنتهي لأن الرواة كثيرون والجمهور يخفض يداً ويرفع رأساً ولا يفهم شيئاً لكثرة الرواة والوجوه والأصوات.
كيف تنتهي الحكاية والأوراق تتطاير على قبور مجهولة. قبور كثيرة في طول البلاد وعرض التاريخ لكن الشهود لا يعرفون أسماء القتلى والقتلى لا يعرفون وجوه القتلة. القتلى كثيرون يريدون الخروج من القتل، من حكاية الموت ووحشة القبور. قبور كثيرة يوجعها حطب القضاة وكلام المحامين.
الحكاية العراقية لا تنتهي فالشهود غائبون، أصابهم الخرس والحراب وغصوا بالماء المر، ماء الحكاية ذاتها، بينما وجوه القتلة تظهر على شاشات التلفزيون ببدلات أنيقة ووجوه مكفهرة، محللون سياسيون ومسؤولون سابقون، ارهابيو سياسة يُهزمون في الحروب فيظهرون منتصرين في الهزائم.
لقد سقطت اللغة تحت أقدامهم، سحقوا على رؤوس الكلمات وتركوها ترفس في بيداء المعنى، لذلك تبقى الحكاية تدور حول نفسها. لقد هربوا وتركوا الحكاية تدور حول نفسها .. تدور حول القبور والهزائم والخيانات.
كيف تبدأ الحكاية وفرسانها قتلى ينهضون من موتهم يتعثرون بظلالهم يفتشون عن أسمائهم فيسقطون في هاوية الفراغ.. كيف تبدأ الحكاية وكيف تنتهي إذن؟!.
الحكاية العراقية لا تنتهي: سورة ماء في نهر الزمن الراكد. النهر راكد لكن السورة تدور بوجوه الغرقى، وفجأة ينهض المجرم من الأوحال، ينهض صدام من أوحال التاريخ على حصان كالح، مجرم بقميص بطل، يصهل به حصان كالح يضرب سياج المحكمة بحوافره فيخرج منتصراً إلى شوارع بغداد لكن حصانه أعمى يظل يتعثر به، يرتطم بالناس والبيوت، يضرب هذا العمود أو تلك الشجرة فيسقط على بقايا سيارة منفجرة، فيقهقه للأشلاء المتناثرة: هذه هي دلائل قادسية جديدة فكيف يقول الأعداء بأننا هُزمنا!، إذن ما هذا العويل ولماذا يتراكض العراقيون فارين لا يلوون على شيء؟!، اليست هذه دلائل أنتصار جديد؟!، لكن حصانه يسقط به إلى حفرة الذنوب فيستيقظ مرعوباً ليجد نفسه مخلوع الروح ناشف الريق وحيداً بين جماعته وسط قفص الإتهام.
قفص المحكمة ضيق لكن الحكاية فضفاضة ولا تريد أن تنتهي. المجرم يضحك يقهقه فقد خلع عليه المحامون العرب قميص البطل. مجرم بقميص بطل يشتم ضحاياه ويتهم القاضي. ممثل في أدوار لا تنتهي، يؤدي الدور ونقيضه في نفس اللحظة. مكياجه سميك كي لا تظهر عليه علامات الخوف أو الارتباك. كيف يخاف المجرم وقميص البطل يغطي عاهاته وخطاياه وأصوات المحامين العرب تدور حوله بلهجات مصرية ولبنانية وقطرية واردنية، أصواتهم تدور حوله كما تدور صورة أوحال في مستنقع تاريخ راكد؟!.
القتلى يتنفسون الصعداء. رنين أجراس يأتي من بعيد، رنين أجراس مبلل بالليل والنجوم والأحزان... كيف تنفلق الحجارة عن عشب وأزهار برية ويعبق الهواء برائحة الربيع وبقايا قطرات المطر، ولا تنفلق قبورنا لنخرج مهرولين إلى أمهاتنا وبيوتنا وجيراننا كي نخبرهم أين قُتلنا وكيف دُفنّا على بعضنا وصرخنا واختنقت صرخاتنا. نخبرهم الحكاية كي نتنفس وننتهي .. ليصنعوا لنا قبوراً ويضعوا أسماءنا على القبور التي لا نريد أن نعود إليها أبداً. نريد أن نرى أسماءنا على قبورنا دون أن نعود إليها فقد متنا كثيراً وأكلت الوحشة حياتنا. نريد أن نحيا كما تحيا الأمطار والأزهار والأعشاب.. وإلا كيف نبقى مجهولين إلى هذا الحد وتكون لنا حكاية وتكون لحكايتنا فرحة وغصة، أو بداية أمل وآثار بهجة على الطريق كما يحدث لجميع الشهداء؟!.
ألا يحق لكل إنسان أن يكون له أسم، يعيش به .. يحب ويكره يسافر بأسمه يتكاثر ويفرح يُنادى ويُسجَل فيجد أسمه في سجلات المدارس والدوائر والنوادي أو السجون. ليكون لكل إسم حكاية وبيت يضع أسمه على بابه وحين يموت ينقشون أسمه على قبره.
لقد قتلونا لكننا لم نمت بعد، الوجع ولعلعة الرصاص، الخناجر والجروح، ضجيج الشفلات وهي تحفر قبرنا الواسع لا تتركنا نموت .. إننا نسمع القاتل يقهقه في قفص الإتهام، يقهقه في تلفزيونات العالم فتتردد أصداء قهقهته في البيوت والمقاهي والشوارع .. بينما نصرخ نحن ولا يسمعنا العراق، لا تسمعنا المساجد ولا الجامعات ولا المقاهي ولا أشجار الرصيف .. ينسانا القاضي وهو يحدق في وجوه المتهمين، ينسانا المدعي العام وهو يرتب الأوراق والأدلة، ينسانا العراقيون وهم يحملقون في التلفزيونات بعيون مضطربة! أليست أسماؤنا الممحوة وجروح وجوهنا ومقابرنا الجماعية أدلة إثبات وإدانة؟! إذا كان المحامون العرب يشكّون بالتهم الموجهة لصدام وعواد البندر وبرزان التكريتي بمجزرة الدجيل، فهل سيصدقون بموتنا؟! وإذا كانت الأرض ما زالت تئن من جراحنا، فمن قتلنا إذن؟!.
إذا كان القاضي لا يعرف من قتلنا وغير متأكد من الأدلة لحد الآن والشهود غائبون أو خائفون! فكيف ستبدأ حكايتنا وإلى أين ستنتهي؟!.
هل هذه محكمة؟! أم أن هذا السؤال ثقيل، وإذا كان ثقيلاً؟! هل هو أثقل من أطنان التراب والأوجاع والنسيان الذي أهيل علينا، وما زلنا نئن مختنقين نصرخ ولا يسمعنا أحد؟! هل هذه محكمة؟! وهل الحق بحاجة إلى هكذا محكمة؟! لماذا لا تأتون بهياكلنا العظمية وجماجمنا تحيطون بها قفص الإتهام وتسألون المتهمين: من قتل هؤلاء؟! نحن مئات الآلاف، مئات الآلاف من الأرواح المختنقة. لماذا لا تأخذون جماجمنا وهياكلنا العظمية إلى شوارع القاهرة وعمان والدوحة وبيروت كي نصرخ هناك: من قتلنا يا عربان؟! كيف نُدفن أحياءً وأنتم لا تعلمون؟! كيف ندفن دون أسماء وعناوين؟! أجيبونا قبل أن تذهبوا إلى المساجد والجامعات والأسواق. أجيبونا قبل أن تذهبوا لزيارة موتاكم.
أجيبونا كي تبدأ الحكاية وكي نعرف لماذا لا تنتهي. أجيبونا كي نعرف كيف تعيش أمة العرب وتدعي المجد والسؤدد ومحاموها أنيابهم طويلة وضمائرهم ميتة ومنخورة؟! أية أمة هذه وأية حكاية مريرة حقاً؟! أيةُ هزيمةٍ هذه، أيةُ هزيمة؟!
كريم عبد
حلوة الحلوات
أخطأ الرئيس المصري حسني مبارك في حديثه مع الاعلامية المتألقة جيزيل خوري عندما اتهم الشيعة العراقيين بأن ولاءهم لايران، وهو رأي يمكن أن نتقبله من كاتب صحفي أو في دردشة في مقهى لكنه «زلة لسان» لا تليق برئيس دولة، وهو اتهام جارح للكثير من الشيعة العراقيين.
لكن «الريّس» بالمقابل لم يكذب كثيرا حين تحدث عن رضاه عن أدائه وأن المواطن المصري يقدر بالفعل ما قدمه وما يسعى لتقديمه لمصر، فهناك محبة حقيقية من المواطن المصري البسيط نحو حسني مبارك ولكل أسبابه، أحدهم قال لي: «بحبه لأني بحس انه مصري زيّي وقلبه على البلد «شوقي السائق القبطي يحب مبارك لأنه «في عهده شيد أكبر عدد من الكنائس في مصر، فبعد أن كان بناء كنيسة يحتاج الى اذن من رئيس الجمهورية في عهد السادات، تغير القانون وأصبح في يد المحافظ وهناك من يقول لك أنه جدد العهد لمبارك لأنه «اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش» أو «ناس شبعت ولا ناس لسة جاية عايزة تشبع» لكن يظل هناك محبة للريس باختلاف الأسباب وهناك أيضا من يتمنى أن يتولى جمال مبارك الحكم بعد والده؟على أية حال ما المانع اذا تم ذلك وفق انتخابات حرة؟ألم ينتقل الحكم من بوش الأب الى بوش الابن بعد ثمان سنوات فاصلة هي عهد كلينتون المسالم طيب الذكر؟ القاهرة والتي يحب أن يدللها العقيد معمر القذافي في واحدة من شطحاته «بالمقهورة»، بينما يحب أن يسميها أهلها «المحروسة» والقاهرة يمكن أن تعدد عيوبها حتى الصباح لكنها بالتأكيد ليست مقهورة في تعاملها مع الاستعمار والاحتلال المتعاقب الذي قاومته بالقوة والمقاومة حينا وبمعاهدات السلام حينا كما تقاوم اليوم الكوارث وانفلونزا الطيور والأزمة الاقتصادية الطاحنة بخفة الظل وروح النكتة وكثيرا ما تنتصر عليها بالضربة القاضية.
في الأهرام يذهلك هذا التناقض الكبير بين أعجوبة بناء الأهرام التي حيرت العالم، والتي قيلت فيها نظريات كثيرة كاستخدام الأرجوحة أو استخدام المغناطيس أو بناء جبال رملية حول الأهرام لنقل الصخور بل ذهب برنامج أميركي على قناة ديسكوفري أنه يرجح أن ثمة مخلوقات فضائية ساعدت المصريين القدماء في تشييدها، لكن الدهشة الحقيقيقة تغمرك بين عبقرية من بنى الأهرام التي يحج اليها الناس من شتى أنحاء العالم وبين عجز أحفادهم عن بناء كشك تذاكر مقبول للتكسب من هذه الأهرام وعجزهم عن بناء رصيف يسمح لك أن تسير باطمئنان دون أن تؤذي قدمك. غياب الحس الجمالي له حضور طاغي في القاهرة، وبعد عودتي الى الرياض أحسست أن الرياض هادئة، والازدحام الذي كنت أتذمر منه قبل أسبوع فقط لا وجود له، غياب الحس الجمالي في القاهرة يحتاج الى تدخل حكومي صارم، فالى جوار المباني الخرافية التي شيدت في العشرينات والثلاثينات والمذهلة في تفاصيلها، تجد عشرات البنايات المسكونة دون أن تكتمل فتعلم أن السكان يمرون من داخل الاسمنت في تمرين يومي على البشاعة والقبح،جمال القاهرة يحتاج الى قوانين صارمة، في الرياض فرضت غرامة مئتي ريال لمن يرمي بمنديل وفي لندن منعت صديقتي من قطع شجرة داخل بيتها، مما جعلها تتحايل على القانون بقتل الشجرة قتلا بطيئا بالابر حتى ماتت وسمح لها بقطعها والتنازل عن جمال شجرة وارفة في مدينة الضباب.
قال لي صديق: «لا بد أن المصريين عباقرة لأنهم نجحوا في تدمير هذه الحضارة» قلت: «كلنا في الهوا سوا والعرب بلا استثناء أتقنوا التطور العكسي الى التخلف، لكن لا ننسى أن النوبليين العرب الذين نجحوا في الحصول على هذه الجائزة هم أربعة وجميعهم ممن أنبتتهم هذه الأرض».
لكن تظل القاهرة كما قال الشاعر: اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني/عشان كدة انت يا مصر حلوة الحلوات.
وتظل بكل تناقضاتها وتاريخها وطرافتها وثراءها وازدحامها المدينة التي تتربع على عرش قلب الانسان العربي بلا منازع.
ريم الصالح
مشكلات العالم الاسلامي وعلاجها في ظل العولمة «۳-۳»
حالة الأمة اليوم:

لقد نفضت الامة الاسلامية اليوم او تكاد غبار معركة طويلة دامت عشرات السنين وربما امكن التعبير عنها بقرون. ذلك ان بعض انماط الاحتلال الغربي دامت اكثر من ثلاثة قرون كما في الحالة الاندونيسية. وقد لاقت فيها الكثير من العذاب والهزائم والنهب وطبقت عليها مخططات التخلف بشتى جوانبه، والتمزق الجغرافي والتاريخي واللغوي وغيره، والابتعاد عن الهداية الدينية والعلمانية العدائية وغير ذلك خرجت في نهاية القرن العشرين مثخنة بالجراح نتيجة الغفلة والخيانة وعدم التخطيط. وهي مع ذلك تواجه تخطيطا اكبر واخطر يستهدف اليوم استئصال وجودها الثقافي والحضاري كله فماذا هي فاعلة؟.
اننا نعتقد اننا نعيش الى حد كبير الحالة التي عاشها المسلمون بعد هزيمتهم في معركة أحد حيث الجراح والتمزق والنفاق والتشكيك يعصف بهم لتأتيهم انباء عن تخطيط شيطاني حرك قريشا على معاودة الكرة وأنبها على عدم استثمارها الكامل لنصرها فيعرف القائد الخبر ويعد المسلمين الذين اشتركوا في احد من جديد ليخرجوا كالاسود الضارية فتسمع قريش وتهاب الانطلاقة فتتراجع عن التخطيط.
ان علينا ان ندرس تلك الحالة ومخططات الرسول القائد «ص» وتعليمات القرآن للمسلمين آنذاك ونسقطها على واقعنا اليوم.
لقد انزل الله تعالى ستين آية من آل عمران في يوم احد كما يقول ابن هشام في سيرته «فيها صفة ما كان في يومهم ذلك ومعاتبة من عاتب منهم». فبعد ان حذر الله المسلمين من تخطيط اعدائهم «الآيات ۱۱۸ - ۱۲۰» مر على الدروس والوقائع في معركة «أُحد» على النحو التالي:
- انطلاق اشاعات الاعداء والرسول يهييء المسلمين للقتال مما أدى الى ان تتناسى طائفتان من المؤمنين خلفياتهما العقائدية وعنصر التوكل على الله العزيز القدير، فتهمان بالفشل فيعود بها وعد الرسول الى الرشد.
- ثم تأتي التعليمات القرآنية التي تحدد الخصائص الايمانية للامة فاذا تمسكت بها انتصرت باعتبارها من سنن التاريخ «الآية ۱۳۷».
- ثم تأتي مسألة تقوية المعنويات، وان المؤمن يدرك انه المنتصر وانه الأعلى رغم الجراح فهي جراح متبادلة يصاب بها العدو ايضا وان النصر والهزيمة بيد الله تعالى فلن تقهره قوة وهي بالنسبة للمؤمنين امتحان وتمحيص وللكافرين محق وانهيار «۱۳۹ - .۱۴۰
- ويأتي التعرض الى النظرة الخاطئة لنوعية الارتباط بالنبي «ص» حيث يتم تعليق الثبات على حياة القائد فما ان تنتشر شائعة قتله حتى يتخاذل المؤمنون فيتم التأكيد على ضرورة حمل الرسالة والثبات عليها وهو مقتضى شكر نعمة الرسالة «۱۴۴».
- كما يجب الاحتفاظ بالحماسة والأمل والثبات على الخط وانتظار الوعد الالهي، والحذر من وعود العدو «۱۴۶-۱۵۱».
- وان الوعد الالهي وعد حقيقي رآه المسلمون بام اعينهم حين التزموا بخطه وعندما فقدوا الصبر والتقوى فقدوا شرط النصر فمروا بامتحان الهزيمة «۱۵۲».
- ان الهزيمة كانت نتيجة حيرة البعض وعدم تجاوز الهموم الضيقة والتشكيك في تخطيط القيادة، والخوف من الموت، والاستماع للوساوس الشيطانية ولذلك يعيد القرآن تذكيرهم بالتصورات الاصيلة عن القوة الالهية ووعود النصر، ومعنى الموت والأجل، وينهاهم عن التخيلات الجاهلية «۱۵۵-۱۵۸».
- ثم تأتي الدعوة للملمة الوضع واعادة التركيبة الطبيعية للعلاقة بين القائد والامة في اطار اللين والرحمة ونشر الشورى وتحمل المسؤولية المشتركة مع احتفاظ القيادة بالمضي في تنفيذ خططها في اطار التوكل على الله «۱۵۹».
- ثم تأتي الخطوة الحماسية الكبرى حيث يأمر الرسول المسلمين وبالخصوص اولئك الذين اشتركوا في احد ان يتجهزوا رغم جراحهم لمواجهة العدو المصمم على اجتثاث الوجود الاسلامي في ما سمي بواقعة «حمراء الاسد» لتدرك قريش مدى عزيمة القائد وتتراجع عن الهجوم بعد ان علمت ان المسلمين حولوا التهديد الى فرصة «۱۷۲ - .۱۷۴
وهكذا تستمر الدروس التاريخية التي يجب ان يستفيد منها المسلمون على مر العصور، ونستفيد منها نحن في مواجهة هجمة العولمة المتوحشة والاستئصالية.

موقف الأمة والخطوات العملية التي يجب ان تتخذها اتجاه العولمة

وقبل بيان هذه الخطوات نؤكد بأن الرفض الانفعالي للعولمة بكل صورها لن يؤدي الى نتيجة لأنها في بعض صورها حالات طبيعية وتقدمية، وانما يجب التأمل واتخاذ الخطوات العملية المدروسة للوقوف بوجه هذا الغزو العالمي الكبير، فيجب علينا في هذا المجال:
أن نقوم بوضع استراتيجية عملية وواضحة وشاملة، يتعاون الجميع على وضعها أولاً، وعلى تنفيذها ثانياً، كما يجب علينا ان نقوم بفضح النظريات التي مهدت لمثل هذه النظرة التخريبية.
وبالنسبة للاستراتيجية نطرح بعض الخطوات التي نراها مهمة في هذا المجال:

عالمياً:

۱- يجب علينا أن نعري الجانب الايديولوجي للهيمنة الأمريكية والمقصود الحقيقي من مقولات هذا الجانب «القرية الصغيرة، حرية السوق، حرية التدخل وفتح الحدود وأمثال ذلك».
۲- يجب علينا التخطيط الجاد لمنع و حذف هيمنة السوق على الجانب السياسي بكل مظاهرها.
۳- يجب العمل على تعميق قيم الانسان الفطرية مع عرض نظرية الفطرة الاسلامية.
۴- يجب توسيع لغة الحوار بين الأديان.
۵- يجب التأكيد على الهويات الاقليمية وهويات الشعوب وتوعية الشعوب للاحتفاظ بهوياتها وثقافاتها.
۶- يجب الارتقاء بالقدرة العلمية والتنموية للشعوب.
۷- يجب العمل على اعطاء الحريات والحقوق الاصيلة للشعوب.
۸- يجب تقوية المؤسسات الدولية وتعميق استقلالها.
۹- يجب تعميق الثروة الثقافية المتنوعة.

وفي الاطار الاسلامي يجب علينا بالاضافة لما سبق:

۱- أن نعمق الحوار بين المذاهب اتجاها لتكوين الوحدة في الموقف الاسلامي.
۲- يجب العمل على تقوية المؤسسات الشمولية الاسلامية وتفعيلها في الجانب السياسي والاقتصادي والثقافي.
۳- يجب ان نطور دراساتنا الاقليمية والعالمية ونحقق الانفتاح على التاريخ.
۴- علينا ان نقوي كل عوامل الصمود والتعاون والوحدة، كمسألة اللغة العربية وتعميقها، كما يجب علينا ان نحيي معاني الامل في النفوس وهي المائز بيننا وبين اعدائنا: يقول تعالى في سورة النساء الآية ۱۰۴ «ولاتهنوا في ابتغاء القوم ان تكونوا تألمون فانهم يالمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون وكان الله عليما حكيما».
۵- علينا أن نعيد الحالة الطبيعية للقيادة الاسلامية ومدى واسلوب تعاملها مع الأمة في اطار «اللين والحب».
۶- علينا ان نعيد تعميق المفاهيم في قلوب امتنا عن الحياة والموت والحضارة ونوع المساهمة الحضارية ونوع الارتباط بالله تعالى والايمان بقدرته والتوكل عليه دون التواكل وبالتالي علينا ان نصبغ قلوبنا ووعينا ومشاعرنا بالقرآن الكريم وآياته ومنها آيات آل عمران الآنفة ، دونما تأثر بالتخطيط العولمي للتعليم وبعيدا ايضا عن التطرف السطحي القشري التكفيري المتهور.
ان الوسطية الاسلامية تعبير دقيق عن التوازن الاسلامي الحكيم فيجب اكتشافه اولا وتعميقه في النفوس.
۷- علينا ان نشيع روح الشورى في مجتمعنا بكل معانيه.
۸- علينا ان نطبق مواد الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان بكل دقة.
۹- يجب القيام بكل ما من شأنه تحويل انماط التهديدات الى فرص كما رأينا في آيات آل عمران السابقة وبالخصوص في قوله تعالى «الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل».
۱۰- علينا ان نجمع بين الأصالة والمعاصرة في الدراسات الدينية ونروج للاجتهاد الجماعي، وغير ذلك مما يؤدي للوقوف أمام هذا الهجوم العالمي الكبير.
۱۱- علينا ان ندعم قضية الصحوة الاسلامية.
واخيراً فان علينا ان لاننسى ان عولمة كبرى موازية قد امتدت ايجابيا وهي الاتجاه العالمي لنمو المعنويات وروح التدين لدى الشعوب والتفاهم بين القادة الدينيين وخصوصاً في العالم الاسلامي حيث الفهم الشمولي للاسلام فهماً يجعله امل هذه الامة في احتلال موقعها الحضاري المطلوب.
واننا لنعتقد ان مظاهر هذا الاتجاه العالمي تتجذر يوماً بعد يوم حيث نشهد مثلاً:
أ- اتجاه الجماهير في العالم الاسلامي نحو الدين بشغف ومطالبة العلماء بالتدخل المباشر في الحياة العامة وابداء الرأي في القضايا الملحة.
ب- تحكيم دور الكنيسة السياسي والاجتماعي في العالم المسيحي وخصوصاً في الدول التي تشكلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حرر قوة البوذية المعنوية في صياغة القرارات الاجتماعية في جنوب آسيا.
د- ازدياد الاقبال على النظريات والمؤلفات الدينية.
ج - اتجاه الامم المتحدة الاخير نحو القادة الدينيين كما في مؤتمري نيويورك وبانكوك.
وه- اتساع نطاق الحوار الديني بين الاديان المختلفة فيجب ان يقوم رجال هذه الاديان بواجبهم في دعم المسيرة المعنوية الصاعدة.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته\
المولد النبوي الشريف ولادة أمة حرة كريمة
كانت ولادة الرسول الكريم ولادة امة بكاملها لها مقومات الحياة، ومرتكزات الوجود الحقيقي، كانت الثورة البيضاء الصالحة على المعتقدات والقيم السائدة والمعاملات التي تفوح منها رائحة الجاهلية والحرام، لقد تحرر الانسان من العبودية الطاغية لاصنام البشر والحجر، والتي افرغت في فكره وتصوراته الخنوع والولاء لغير الله، حتى اصبح بكمال عبوديته لخالقه عز وجل عقيدة وعبادة وخلقا وسلوكا، استقى هذا الانسان المتحرر من نبع النور الجديد معاني الكرامة والعزة والانسانية والنبل، حتى غدا شبح الماضي المظلم وكأنه سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه، عرف الانسان ان كرامته لا يساوم عليها لانها رأس ماله الحقيقي، وان افكاره المستمدة من النور الجديد لا تباع في اسواق التبعية الرخيصة، لان الفكر الرخيص الممسوخ المأجور قد ولت ايامه الى غير رجعة، تنزل الوحي الآلهي لارساء مبادىء العدل والعدالة، والمساواة الانسانية، واحقاق الحق بعد ان كان مهدرا وضائعا في زحمة المنافع الشخصية، تنفس الفقراء البسطاء الصعداء بعد ان كتمت انفاسهم لوقت طويل، لانهم استردوا حريتهم، ووجدوا من يسمع لهم، ويرفع من شأنهم، اصبح التنافس بين الناس على أسس محمودة لا مذمومة، وتبدلت معايير الحكم الجائرة على الاشخاص بمعيار واحد صادق يطبق ويقاس الجميع عليه وهو معيار الحق عز وجل: «ان اكرمكم عند الله اتقاكم» كان واقع الناس مهيئا لاستقبال الحدث الآلهي العظيم بولادة المصطفى «ص»، بعد ان فسدت احوالهم من جوانبها المختلفة، اراد الله ان يطهر حياة البشر من الخبث، وان يغسلهم من الآثام التي اقترفت بنور الايمان، لقد خلع المؤمنون على أعتاب ابوابهم كل معتقد وتصور وعادة جاهلية وولدوا ولادة جديدة، غمرت السعادة السماء والارض، القريب والبعيد بهذا المولد الشريف، كانت العلاقات بين الناس قائمة على اساس مادي بحت، مما ادى الى استعلاء الاقوياء على الضعفاء، واستقواء اصحاب القرار على غيرهم من منطلق التحكم والانانية، اصبحت العلاقات الانسانية الجديدة قائمة على أخوة الايمان والرحمة والتكافل بكافة صوره، يعبر عن هذه الصورة المشرقة حديث الرسول الكريم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضوا تداعى له سائر الاعضاء بالحمى والسهر».
اصبحت النفوس المؤمنة تتوق الى ربها ورسولها، لأن ما عند الله خير وأبقى، واصبحت الآخرة هي المطلب الأسمى بعد أن كان التنافس الكريه على حطام الحياة الدنيا، حرص المؤمنون على الدنيا لأنها مطية ومحطة للتزود منها للآخرة وصدق الله العلي العظيم وتزودوا فإن خير الزاد التقوى والمسلمون اليوم بحاجة الى ان يتفيئوا ظلال هذه الذكرى المقدسة لتكون الولادة الحقيقية للامة من جديد، بعدان تدهورت أحوالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاخلاقية والتربوية، ولا بد ان يتنسم المسلمون عبق هذا الحدث الذي اخرج خير امة للعالمين علما وعملا، بعد ان يتذكروا خطوات الاصلاح والتغيير التي حدثت من امة المجد والفخر لتكون الهمم نشطة وجادة للسير على المنهاج القويم، وليس من باب البكاء على الاطلال، ان امة محمد «ص» بتشريعها العادل تملك مقومات البقاء والخلود والسعادة، لأنها بوابة الانقاذ لهذا العالم المتحارب المتقاطع، وعسى الله ان يوفق اصحاب القرار مع شعوبهم في الأمتين العربية والاسلامية الى الأخذ بالاسلام حكما عدلا، وما ذلك على الله بعزيز.
محمد أحمد حسن القضاة