|
في ذكرى استقلال الجمهورية العربية السورية
سورية مهد التاريخ والكفاح
في القرن التاسع عشر ظهر ابراهيم باشا في سورية ۱۸۳۱ الذي اراد ان يطبق اصلاحات في الجيش والزراعة والمالية ولكن النفوذ الاوروبي بدأ بالظهور وقد اصبح محمد علي في مصر خطراً على الدولة العثمانية واوروبا وانتشر الوعي القومي. وظهر في الشام مفكرون دعوا الى التحرر والاصلاح منهم عبد الرحمن الكواكبي ونجيب عازوري، ثم ظهرت جمعيات في سورية تدعو الى يقظة العرب ووحدتهم وتحرر هم لمجابهة جمعية الاتحاد والترقي التركية، وكانت الجمعية العربية الفتاة تطالب بالحكم الذاتي، ومن ابرز اقطابها عبد الحميد الزهراوي.
ثم كانت مشانق جمال باشا في دمشق وبيروت تعلن عن اول قافلة للشهداء في سبيل الحرية والاستقلال. وما ان اشتد ساعد الداعين للتحرر، حتى ابتدأت المفاوضات بين الحسين شريف مكة وبين بريطانيا التي وعدت بدعم تحرر العرب، وكانت الثورة العربية الكبرى في ۱۰/۶/،۱۹۱۶ ودخل العرب حلفاء في الحرب العالمية الاولى لتحرير وطنهم من نير السلطنة.
نكل الحلفاء الانكليز والفرنسيين بوعودهم وقسموا البلاد في اتفاقية سايكس بيكو السرية لتبقى تحت انتدابهم، ثم عدلت هذه الاتفاقية في مؤتمر سان ريمو واصبحت بلاد الشام مقسمة الى اربع دول، سورية ولبنان وفلسطين وشرقي الاردن، وكانت سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، اما فلسطين وشرقي الاردن فقد اصبحتا تحت الانتداب الانكليزي مع العراق.
منذ نهاية الحرب العالمية الاولى واستقلال البلاد العربية عن الدولة العثمانية المنحلة، لعبت السياسة الدولية الاستعمارية دوراً قاسيا مخالفا لمنطلق عصبة الامم المتحدة ولجنة «كنغ - كرين» التي اوفدها الرئيس الامريكي ويلسون سنة ۱۹۱۹ للتحقيق في رغبات الشعب، وكان من اهم ما ورد في تقريرها «ان الوحدة الاقتصادية والجغرافية والجنسية السورية واضحة ولا تبرر تقسيم البلاد وبخاصة ان لغتها وثقافتها وتقاليدها وعاداتها عربية في جوهرها، وان توحيد سورية يتماشى مع اماني شعبها ومبادئ عصبة الامم». ولقد اكد المؤتمر السوري في تموز ۱۹۱۹ حق الشعب في وحدة بلاده واستقلالها ضمن حدودها الطبيعية، من جبال طوروس شمالا الى خط رفح والعقبة جنوبا، ونهر الفرات والخابور شرقا والبحر المتوسط غربا، هذه المنطقة التي جزئت فيما بعد الى اربع دول في اتفاقية سايكس - بيكو رفضها السوريون، فاعلنوا استقلال بلادهم ضمن حدودها الطبيعية في ۸ اذار ۱۹۲۰ وتوجوا فيصل بن الحسين ملكا عليهم. عندها هاجمت الجيوش الفرنسية سورية قادمة من لبنان ودخل الجنرال الفرنسي غورو دمشق بعد يومين من موقعة ميسلون في ۲۴/۷/۱۹۲۰ وكان اول اعماله ان قسم سورية الى اربع دويلات، ثم استعادت البلاد وحدتها الوطنية، ولكن الضغط الاستعماري كان السبب في قيام ثورة اللاذقية بقيادة صالح العلي، وثورة الشمال بقيادة ابراهيم هنانو، وثورة رمضان شلاش في الفرات، والثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الاطرش وثورة غوطة دمشق واشتركت فيها جميع الفعاليات الدمشقية، مما اضطر الفرنسيين لاعلان الاتحاد السوري بين هذه الدويلات عام ۱۹۲۲ وتابعت الثورات السورية نضالها.
وفي عام ۱۹۲۵م قامت الطائرات الفرنسية بقصف دمشق للانتقام من الثوار الذي نادوا بتحرير سورية، فدمرت احياء كاملة، مما اثار استنكاراً دوليا دفع سلطة الانتداب الى اعلان الدستور عام ۱۹۳۰م وانتخاب اول رئيس للجمهورية السورية محمد علي العابد عام ۱۹۳۲م، وبعد معاهدة ۱۹۳۶ انتخب هاشم الاتاسي رئيسا للجمهورية وظهر اول مجلس نيابي، ولكن في ۲۹/۵/۱۹۴۵م قام الفرنسيون بقصف دمشق والمدن الاخرى فاصابت المجلس النيابي وقتلت الحامية، وبعد ان التجأت سورية الى مجلس الامن، صدر القرار بالجلاء الفوري الذي تم في ۱۷ نيسان ۱۹۴۶ في عهد الرئيس شكري القوتلي واصبح هذا اليوم عيدا وطنياً لسورية.
لم تكد سورية تشعر بنعمة الاستقلال حتى صدر قرار تقسيم فلسطين، ۱۹۴۷ وانشئت دولة اسرائيل التي كانت تهدد العرب، باحتلال الارض من الفرات الى النيل وقامت بتشريد الفلسطينيين الذين بدأوا حركة التحرير ضمن صعوبات كثيرة.
وكان على سورية ومصر ان تبادرا الى توحيد قوة المجابهة اعتمادا على الايمان بالوحدة العربية، فاعلنت الوحدة بين القطرين في ۲۲/۲/۱۹۵۸ واصبح جمال عبد الناصر رئيسا للجمهورية العربية المتحدة وعاصمتها القاهرة.
ولم يطل زمن الوحدة فلقد تم الانفصال في ۲۸/۹/۱۹۶۱ فقامت ثورة الثامن من آذار ۱۹۶۳ لتنادي باعادة الوحدة، ولكن اسرائيل فاجأت سورية ومصر والاردن بعدوان الخامس من حزيران ،۱۹۶۷ واحتلت جزءا من الارض العربية، وبرغم صدور قرارات مجلس الامن بوجوب اعادة الحقوق والاراضي الى اصحابها، ما زالت اسرائيل ترفض تنفيذ هذه القرارات.
وفي تشرين الثاني عام ۱۹۷۰ انعقد المؤتمر العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي في سورية، فانتخبت قيادة جديدة للحزب برئاسة الامين العام الفريق حافظ الاسد، وتم اعلان الحركة التصحيحة، وتضمن برنامجها الاساسي انشاء الجبهة الوطنية التقدمية، واحداث مجلس للشعب واعداد دستور دائم للبلاد، وفي ۲۱/۳/۱۹۷۱ انتخب الفريق حافظ الاسد رئيسا للجمهورية العربية السورية وتجدد انتخابه عام ۱۹۷۸ و۱۹۸۵ و۱۹۹۲ و.۱۹۹۹
وفي تشرين الاول من عام ۱۹۷۳ خاضت سورية ومصر حربا لاسترجاع الاراضي المحتلة من اسرائيل، تبعتها حرب الاستنزاف التي استمرت ثمانين يوما، فاستعادت سورية جزءا من الجولان وفي مقدمته القنيطرة.
وفي نيسان ۱۹۷۵ بدات الحرب الاهلية في لبنان، وكان لسورية الدور الحاسم في انهاء هذه الحرب واعادة الوحدة والاستقرار في لبنان، وفي تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الاسرائيلي الذي استمر ۲۲ عاما حتى ۱۰/۵/.۲۰۰۰
هذا ومنذ عام ۱۹۷۰ بدأ عصر جديد في سورية، عصر حافل بالانجاز وبالتقدم، اذ تم بناء سد الفرات الذي وفر تأمين الري لمساحة تزيد عن ۶۴۰ الف هكتار، وازدادت العائدات النفطية اضعافا، وحققت المشاريع الكبرى زيادة في الانتاج الزراعي والصناعي، وفي توسيع شبكات المواصلات واعمار المدن والقرى، وتأمين الضمان الاجتماعي للشعب والسكن والتعليم المجاني وايجاد فرص للعمل، وتشجيع الثقافة والبحث العلمي والرياضة وكانت استضافة الدورة العاشرة لالعاب البحر المتوسط في مدينة اللاذقية عام ۱۹۸۷ من ابرز النشاطات الرياضية الدولية.
ولكن هموم تحقيق السلام العادل المعتمد على القرارات الدولية ما زالت هاجس السياسة في النطاق الدولي والعربي. وفي ۱۰/۶/۲۰۰۰ منيت سورية بخسارة فادحة بوفاة الرئيس الخالد حافظ الاسد، وكان الشعب بجميع فئاته مجمعا على متابعة المسيرة، فقام بانتخاب الدكتور بشار الاسد رئيسا للجمهورية العربية السورية في ۱۷/۷/،۲۰۰۰ وفي مجلس الشعب اعلن الرئيس الجديد عن برنامج وطني مستقبلي طموح وعن سياسة عربية ودولية منفتحة متضامنة، وعن عزم في احلال السلام العادل في المنطقة كلها.
اعداد: مصطفى البكور
|