السنة العاشرة - العدد۲۶۴۹- - الاثنين۲۱ شوال ۱۴۲۷ -۱۳/۱۱/۲۰۰۶
شعر و ادب
Adab.gif
بحث متقدم
PDF Edition
أولي
تفاصيل اخبار الاولي
محليات
عربيات
دوليات
شعر و ادب
من الصحافة العربية
قضايا و آراء
علوم و تكنولوجيا
اقتصاد
رياضة
منوعات
الأرشيف
RSS
القصيدة.. الأخلاقيات والحداثة «۲-۲»
الحداثة، في الفن والأدب، أمثولة تضمين متبادل يربط الأخلاقيات بالعمل، لأن ذلك بمثابة الذات نفسها التي تتجدد فيها. وتنضاف إلى كليشيهات الإستطيقا أو كليشيهات الاختلاقات الميثية حول الحداثة، كليشيهات الحداثة نفسها.بالنسبة للحداثة الشعرية، تجدر الإشارة إلى أن اللعبة الحداثية التي ميزت الثلاثي الثوري رامبو -لوترمايون- مالارمي، واضعة الثلاثي الإصلاحي نرفال -بودلير- هيغو في مرتبة ثانية، كانت قد استبعدت فرلين، استبعاد مرتبط ربما بالمعتقد الحداثي المضاد، عسر هضم النزعة الكاتوليكية للسورياليين، التي تظهر في «معزف ديدور» لكريفيل، وهي تتكلم عن الشطحات
الفرلينية القصيرة المقرفة. هذا الاستعباد، كأي صعوبة، يشتغل كعرض غير مباشر، من جهل الإيقاع داخل السوريالية؛ بل أيضا من الفصل الذي يتم، هنا، بين الدين والأخلاقيات. تكف الأخلاقيات عن أن تتكون داخل الدين.
تعتبر الأخلاقيات، في الفن، خطرا،فيما الخطر فرصة الحداثة السانحة، إذ لا حداثة بدون هذه الأخلاقيات. ربما هي كل سياسة للفن. هنا، يصيب أدورنو حقا: «وحدها الأعمال التي سوف يتعرض لها يوما لها فرصة البقاء، بقدرما أن هذه الأخيرة لازالت توجد، لكن ليس تلك التي تضيع في الماضي خوفا من أن تزول سريعا»، وبقدرما أننا نصنع كتابة المستقبل بقدرما يعيد الماضي كتابة نفسه من خلالنا.
إن العلاقة بالسياسة، بعد كفاح سنوات الثلاثينات، والالتزام الوجودي، تنهار - في فرنسا - مع انحسار المثلنة. وقد تخلى الاستبطان الشكلي، نحو ۱۹۶۰ - عدا البقاء الدقيق، الطلائعي للميث الثوري: الثورة الشعرية، الثورة السياسية، حد السلاح- عن تعاضد الفن والأخلاقيات. صارت الأخلاقيات موضة.
لكن أية علاقة بين الأخلاقيات واللغة، الأخلاقيات والقصيدة؟ الخطاب الرائج هو الخطاب النبيل، يكتشف فيه الوجه ثانية. لكن هذا الوجه لوجه ليس له فم. ليس له لغة.
لا زال الأخلاقيون لم يصلوا بعد إلى القصيدة،وإن ليس أكثرمن المناطقة. وعبر الأخلاقيات داخل الفن، يصنع عمل القصيدة صورة العلاقة بين الأخلاقيات والذات، بين الذات والفرد.لهذا، ليست الأخلاقيات دون القصيدة إلا أثرا من المجتمع القديم ومن النظرية التقليدية،لاأخلاقيات الحداثة.
إن التماهي المباشر للثورات مع الذات - الجمهور، ومع معنى التاريخ، يخلق عروضا للذات، مدمرة للذات؛ لكن الذات، عبر الفن والأدب، هي شرط الإيقاع.
داخل تجربة بوهوس، تفعل أخلاقيات الفن وتاريخانيته كل شيء مع الإجتماعية، فتكون الوظيفة توكيدا للحاضر، ضدا على محاكاة الماضي.وقد أبرز بيير بورديو أن قطيعة ماني وكوربر مع المتناهي الأكاديمي كانت قطيعة أخلاقية. ذلك ما يجعل تجديد الذات والجمعي التجديد نفسه- لمّا يقوم الفن والأدب بتحويل أفعال الإحساس، الرؤية والفكر. إلى ذلك، يكون عمل المفهوم مظهرا - بالمعنى النحوي للكلمة - للذات: الحالة الناشئة باطراد أو المنتهية.
ويمكن أن تكون، هنا، انتقائية في الفن، وهو ما يسبغ عليه طابعا جماليا. ولا يكون له ذلك مع الأخلاقيات. من وجهة النظر هاته، يوضع ما بعد الحديث، بالصيغة النيتشوية، ما وراء هذه السذاجات،ما أسبغ على الكلبية طابعا جماليا. ويقوم روبير روشنبيرغ، في عام ،۱۹۵۳ بإنجاز رسم ليشطب عليه بعلامة، ويعرضه ك«المشطوب عليه.» منذ ديشو حيث يتم تكرار هزلية المضاد، يصبح الضحك من الفن الوجه الهيبوقراطي للفن. ولا يستعاد في الفن ضربة الباروديا مرتين إطلاقا. بعد لوتر يامون، كانت الأولى من السورياليين، والثانية كانت للتمرين المدرسي للشكلانية سنوات الستينيات، الذي يتواصل في السكولائية الجامعية، لأجل أن يتمحور الأدب حول الأدب.
إن الكلبية التي تنخرط في تكرار الباروديا -لاشيء يجمعها مع الباروديا نفسها- ترغب، داخل ما بعد الحديث، في الأثر الذي ينزع عن الفن طابعه الجمالي فحسب، نحو ما يجعل الحياة جمالية، أما الشيء الآخر الذي يحصل هو: القطيعة مع الأخلاقيات.
تلعب الوجهة الأخرى لما بعد الحديث على الحاشية بين السحر والخديعة. يتحدث جوزيف بويس عن الفضاء المضاد، وهو ما يسميه بلاتشيك.
إن الحداثة هي، بأكملها، صراع، بين التاريخانية والتاريخية، الجمعنة ودون الاجتماعية، التكرار التحويل. لا أحد داخل الصراع لا يمكن أن يحسم. إلى جانب أن التاريخية والأخلاقيات في الفن والأدب لا تعمل إلا إحداهما. ولهذا السبب يعتبر الفن والأدب أمثولة الذات داخل الجمعي. بالنسبة إلى اللغة، لا أخلاقيات للذي يقول «الملفوظ، بل أخلاقيات التلفظ» من يقول ما يعتبر فعلاً. وإذا كان هناك لا اجتماعية في الفعل وفي فعالية العمل، عبر ضرورة النقيض والخارج عن، فإنه لا يمكنها أن تكون لا غطرسة، ولا سلطة. لا من متعمد، ولا من ممثل. هي تعزى للرفض الرئيس إن لم يكن
بالإمكان اختيار هذا النوع من الرفض، مثلما «رفض وسير تقريبا كل ما تم عمله وقتئذ»، وإلا كان شارك المجمع عليه. من هنا طبعا يجب استخلاصه. كما لا يوجد من خطاب إلا خطاب الذات، ولا يوجد من تاريخية إلا عبر الذات. الذات هي التي تجعل من الباقي ذوات.
إن فعالية الفن والأدب هي، بشكل نوعي، صعود الذات وتحولها. في هذا المعنى، فإنّ الأعمال التي تدوم هي تلك غير المكتملة. لا تنقطع عن عدم اكتمال نفسها داخل الذوات.
وذلك هو تعريف حداثتها. الحداثة، إن لم تكن القصيدة، الأخلاقيات، التاريخ بشكل غير قابل للفصل. الفصل بينها يعني: السقط الشعري، السقط النظري.
إذن، ما يوجد أكثر حداثة في العالم هو الذات، تبدأ بكونها حديثة، وتعمل بوصفها ذاتاً، عندما لا تتعرف على نفسها في زمن الماضي القريب، ولو أنّها تعارض رفضها لكل ما يحافظ على النظرية والمجتمع التقليديين. ذلك أنه ما من يوتوبيا توجد إلا داخل الحداثة.
هنري ميشونيك / موقع الامبراطور
حكاية رجل يبحث عن غصن الزيتون
صبيحة ذلك اليوم طالعتنا الصحف المحلية بعناوين مثيرة....«التيفوئيد يهاجم القرية..« »الكوليرا البشرية تطارد الأهالي، اللصوص تسد منافذ القرية عناوين كلها حملت دلالات غريبة وكتبت بالبنط العريض... الأيادي الخشنة تتلقف بائعي الجرائد... شجرة الصفصاف الوحيدة بالقرية تمايلت من جبروت الحدث... الشوارع تتقاذف الأجساد البشرية الهزيلة، الوجوه العابسة الحالمة ذات ربيع لم يعد لها معنى غير قهر الزمن... بالأمس كانت القرية هادئة تتنفس أريج الجنة، تنتظر ساعة الميلاد... شباب يتحدثون عن فريقهم الرياضي، شيوخ يتفننون في مواصفات المير المنتظر... فتيات لا يعرفن إلا النوافذ، يتقاسمن آمال الفوز بالرجل المناسب واليوم الذي تخرجن فيه على أنغام الطبول وزغاريد النسوة... ياإلهي كل هذه النماذج البشرية ذات العلم البنفسجي صدمت في واقعها.. بين الأمس واليوم مسافة زمن أمتلكه العدم وقهره الخوف وصنع منه صورة سوداوية لا تسر الناظرين... سيارات الإسعاف تطارد أشباح الألم، تصنع سمفونية الرعب الساكن بين الضلوع، تبيح الشرود وتقتل الفرح... ماذا حصل؟ وكيف حصل؟ أين ولدي؟ أين بناتي؟ صاحت العجوز... ضاع الولد وضاع المال. قال رجل آخر... حرمات المنازل انتهكت. قال الثاني... طفل يبكي والده الذي خرج يشتري له حبة الشكولاتة.. عيناه دامعتان، وجهه شاحب، كلماته متقاطعة... أعيدوا لي أبي ولا أريد الحلوى؟ أين أبي؟...
على جذع شجرة الصفصاف تجلس فتاة ممزقة الثياب، تنتظر عودة خطيبها الذي فازت به دون فتيات القرية، لقد وعدها باللقاء اليوم ومعه خاتم الخطوبة الذهبي... هل اقتلعته الكوليرا البشرية؟ هل ضاع بين الأقدام؟ رباه... ما هذا؟... كيف حصل... أنا القادم من أقاصي المدن أبحث عن حبة برتقال وغصن الزيتون أزفه إلى باقي الربوع أجد أنفاسي متقطعة، وجسدي لا يقوى على التحرك....أنا المفتون بجمال هذه القرية أجدها اليوم مغتصبة عنوة وكأن الزمن باع جلدته... يا إلهي كل هذه المناظر البشعة تفننت سواعد بشرية في رسم صورتها... دروب القرية تغني للوطن أغنية الريح الصانع للإعصار... تخلد أبجدية الضياع في سر وعلانية..... يا إلهي هنا أجساد وهناك أجساد... دم...دم...دم....كل هذا فعلته الكوليرا أو التفوئيد... كل هذا أنجز وتحقق في لحظات....بل هنيهات....هل أعود أدراجي؟ هل أواصل السير قدما؟ ما فائدة حبة البرتقال؟ أو حتى غصن الزيتون؟ ما فائدة أن تعيش بلا قلب؟ بلا دار ولا أحباب؟ هل بقي طعم للعشق في الزمن الحراشي؟ أو العباسي؟ أو حتى الزمن الفرعوني؟ ما طعم تربة ملوثة بالدماء؟ ما لون وطن تغتصب فيه النساء وتسبى الفتيات وييتم الأطفال؟ وهل يبقى لغصن الزيتون معنى؟ سأعود أدراجي... سأبحث عن شهرزاد في كل زمان ومكان لتدون حكايا الزمن الدموي... وقصصا يستمتع شهريار عند سماعها، بل سينتفض ويعدم كل من حاول أن يحكيها... سأعود أدراجي إلى أقاصي أخرى أبحث عن غصن الزيتون في رحلة قمرية مرسومة على أجنحة الزمن العادل....
عمار بولحبال
ثقافة الإلغاء
«ليس أمهر منكم أنتم الأدباء العرب في إلغاء بعضكم بعضاً!»، هذه الجملة قالها لي مرة كاتب فرنسي كان يسعى الى إعداد مختارات من الأدب العربي الحديث وفشل في الوقوف على المشهد الأدبي الذي كان ينوي ترسيخه في المختارات. والفشل كما اوضح لاحقاً كان سببه التضارب في آراء الأدباء والاختلاف حول الاسماء والاجيال، ورفض فلان زميلاً له وعدم موافقة علان على إدراج اسمه مع رفيق يجايله... لم يستطع الكاتب الفرنسي الذي يلم بالعربية إنجاز مشروعه حينذاك فأجّله وما زال حتى الآن في حكم المؤجل.
تذكرت هذه «الطرفة» عندما كنت أتصفح العدد الاخير من مجلة «أكسيون بوتيك» «العمل الشعري» الفرنسية وقد ضم ملفاً عن «الشعراء السوريين.» فالمجلة ارتكبت خطأ - لن أقول فادحاً - في اختيارها اسماء وإسقاطها أسماء يصعب اسقاطها او اقصاؤها. والخطأ ليس بريئاً حتماً ما دام قد شارك في الاختيار شخصان سوريان، إضافة الى معدّ الملف الشاعر الفرنسي جان بيار بالب. حضر أحد عشر شاعراً سورياً من أجيال عدة، بعضهم يستحق الحضور وبعضهم لا يستحق، وغاب إسمان مهمان هما: سليم بركات ونوري الجراح. أما غياب أدونيس مثلاً ومحمد الماغوط وسواهما من جيل الرواد فلم يبد لافتاً، فهذان الشاعران يستحقان ان يظهرا منفردين في كتب خاصة بهما، وأدونيس اصلاً ترجم الى الفرنسية ترجمة شبه كاملة وأصبحت «المختارات» وراءه ولم تعد تعنيه البتة. ولكن ان تختار المجلة اسماء شابّة وبعضها دون المستوى، وتحذف اسمي سليم بركات ونوري الجرّاح فهذا أمر مفضوح و «مدبّر» حتماً، وثمة يد في الخفاء عملت على حذفهما واغتيابهما وإلغائهما. لن تضيف «المختارات» أيّ ألق أو هالة الى شعرية بركات والجرّاح، وهما لا يحتاجان أصلاً الى أي اعتراف أجنبي بفرادتهما، بل إن «المختارات» نفسها هي التي تحتاج اليهما لتكتمل وتمثل حقيقة المشهد الشعري السوري المعاصر هذا ما يعرفه المشرفون على الملف كل المعرفة.
المخزي في هذه البادرة ليس تغييب شاعرين بل فكرة الالغاء نفسها، هذه الفكرة التي ما برحت تهيمن علينا، نحن الأدباء العرب. يلغي الواحد الآخر بشحطة قلم وكأن الآخر لا يستحق ان يوجد. جيل يمحو جيلاً وجماعة «تغتاب» جماعة وأفراد أفراداً. وغالباً ما تظهر هذه «الآثام» في «المختارات» والمؤتمرات والمهرجانات واللقاءات... فكرة لا تخلو من النميمة والطعن في الظهر و «القتل» المجازي. ولا تخلو كذلك من الأنانية التي تتجلى في «الأنا» المتضخمة التي تدفع صاحبها الى اختصار الآخرين في شخصه. يحضر هو وفي ظنه أن حضوره يكفي ولا حاجة الى الآخرين. وكم من شاعر اكتفى بنفسه في تظاهرة كان يفترض بها ان تكون جماعية. بل كم من روائي حذف الروائيين الذين قبله والذين بعده طارحاً نفسه وكأنه الأول والأخير.
نقرأ في بعض الموسوعات والمجلات الاجنبية ان الشاعر أدونيس هو الذي أسس مجلة «شعر» وحده. طبعاً لا يقع هذا الخطأ على عاتق أدونيس، وقد بات شائعاً في الغرب. ولكن ليت أدونيس يسعى الى تصحيح هذا الخطأ الذي يلغي شخص الشاعر يوسف الخال صاحب المجلة ومؤسسها، وكذلك الدور الذي أداه في ترسيخها مع «الجماعة.»
يختار «كتاب في جريدة» عملاً للروائي الياس خوري قبل أن يدرج اسمين هما من مؤسسي الرواية اللبنانية: توفيق يوسف عواد ويوسف حبشي الأشقر، وحتى الآن لم يدرج أي من هذين الاسمين في اللائحة، علماً ان الاشقر هو الأب الحقيقي للرواية اللبنانية. وليت الياس خوري رفض إدراج اسمه قبل اسم صاحب «لا تنبت جذور في السماء.»
شعراء عراقيون يلغي بعضهم بعضاً في حملة عدائية وكأن المعترك الشعري ساحة حرب تتم فيها تصفية «حسابات» قديمة!
لا تقتصر فكرة الإلغاء على هذه الظواهر فقط، انها تشمل ايضاً المهرجانات واللقاءات والترجمات. أحياناً يخيل الينا ان هناك «قائمة» تضم اسماء هي نفسها تتوزع معظم المهرجانات واللقاءت لا سيما العالمية منها. يد خفية ايضاً كأنها تكتب الاسماء ولا احد يمحوها من ثم. ومن يكتب اسمه على هذه اللائحة تحل عليه نعمة التنقل بين مهرجان وآخر. أما في حقل الترجمة الى الاجنبية فالأمر أشد فداحة. وهنا تلعب العلاقات لعبتها البشعة ويتم إلغاء اسماء لمصلحة اسماء وتشطب اسماء كبيرة لتحل محلها اسماء عادية وعادية جداً في أحيان. وهنا ايضاً تستفحل فكرة الالغاء، إلغاء الآخرين الذين هم الأحقّ في أن تترجم أعمالهم الى الاجنبية.
فكرة الإلغاء او لنقل ثقافة الإلغاء هي أبشع ما تكابده حياتنا الأدبية. الالغاء هو لا شك نوع من أنواع القتل المجازي. حين أشطب اسمك ألغيك، أي أقتلك رمزياً. وإذا كنت بلا سلطة، أياً تكن، فأنت عرضة لهذا الموت المجازي. أما إذا كنت صاحب سلطة ولو ضئيلة، فأنت قادر على فرض اسمك في «المختارات» والمهرجانات واللقاءات...
هكذا بضربة قلم ألغي سليم بركات ونوري الجراح، وبضربة قلم أخرى حضرت أسماء لا تستحق ان تحضر فعلاً. ترى هل تريد تلك «اليد» الخفية ان تنفي سليم بركات إلى جذوره الكردية وأن تبقي نوري الجراح في منفاه القسري؟
عبده وازن/ صحيفة الحياة
سرقات في الأدب
تناول القدماء موضوع السرقة الأدبية وما فيه من انتهاب وإغارة ومسخ ونسخ واهتدام ونظر وملاحظة واختلاس وموازنة ومواردة، وذلك في «موازنة» الآمدي و«وساطة» الجرجاني و«عمدة» ابن رشيق و«حلية المحاضرة» للحاتمي.
«لمعرفة معنى المصطلحات انظر كتاب د. بدوي طبانه «السرقات الأدبية»».
أما الانتحال فهو آفة الآفات، فسرقة الفكرة بنصها جناية لا تقل عن جناية السرقة المادية ممن يكدح في شقاء وعنت. وإذا كان القدماء قد أفردوا فصولاً تفاوتت في أحقية ما ذهبوا إليه - كما يرى د. محمود السمرة في كتابه «القاضي الجرجاني - الأديب الناقد» وذلك في معالجته لنظرية السرقات الأدبية فإن المحدثين قلما أولوا هذه الناحية بتخصيص فصول أو دراسات جادة، مع كثرتها ووفرتها..
وقد فوجئت إلى حد العجب أن يتجرأ «الدكتور» العربي حسن درويش، ويصدر كتاب «الاتجاه التعبيري في روايات نجيب محفوظ» - مكتبة النهضة المصرية ،۱۹۸۹ ففي الباب الثاني وعنوانه «الاتجاه التعبيري والشكل الفني» كنت أقرأ مادة سبق أن قرأتها، أين...؟ أين...!
وبعد لأي اهتديت إلى كتاب «اتجاهات الرواية المصرية منذ الحرب العالمية الثانية إلى سنة ۱۹۶۷ لمؤلفه د. شفيع السيد «دار المعارف - ۱۹۷۸»، ففي الفصل السادس منه «الرواية التعبيرية» كانت الكلمات حرفية، ولم يتورع «الدكتور» العربي أن يسرق الاقتباسات بعينها - باستثناء مصدر واحد بالإنجليزية آثر صاحبها إغفاله.
ويستمر اللص الأدبي - والأصح «اللص في الأدب» - بالنقل الحرفي في كتابه من ص ۷۳ وحتى النهاية ص .۱۷۴ وقد تكرم «الدكتور» بتقسيم الفصل السادس لدى شفيع السيد «ص ۲۳۸ ۳۱۱» - إلى قسمين فجعل الباب المسروق بفصه ونصه فصلين:
أ- الاتجاه التعبيري والمضمون الروائي.
ب- الاتجاه التعبيري والشكل الفني.
وفي مراجعة المصادر التي يثبتها «الدكتور» لا يبخل «صاحبنا» على شفيع السيد بذكر اسمه، فيجعل كتابه ضمن مصادره، ويشير إلى أنه «مخطوطة» في مكتبة دار العلوم - جامعة القاهرة. ويبدو تبعًا لذلك أنه صور المادة، وربما تجاهل أن الكتاب كان قد صدر قبل سنين.
والعجب العجاب أن اللص الجريء إذا تُرك وحده في تركيب العبارة وبنائها أُسقط في يده، ولنقرأ كيف ختم كتابه بشكل فجائي منقطع عن المستوى الذي كان فيه:
....« وبعد فلست أنكر أنني كنت أحب نجيب محفوظ وأعجب به من قبل، وأنني كتبت عنه وأنا محب له ومعجب به، ولكن الذي أنكره أن حبي لنجيب محفوظ لم يكن سببًا في تحيز أو مجاملة أو مبالغة في التقدير...» ما شاء الله على حبه ! ويلاحظ القارئ أنه قصد «اعترف به» بدلا من «أنكره» فهو يريد أن يقول إن حبه لم يكن يدعوه للابتعاد عن الموضوعية، ولكنه هوى في جهله وتزلفه.
ومن الفضائح التي أثارها الكاتب المصري محمود القاسم «الهلال عدد آذار ۱۹۹۰» أن شخصًا يدعى «نبيل مسلم» خلع على نفسه لقب دكتور، كان ينتحل الموضوعات الطبية، وينشرها في المجلات العربية، وهي كثيرة، وتقدم المكافآت المالية للكتّاب فيها. ولما أراد هذا أن يغير جلده ويظهر «أديبًا» نشر في مجلة «الدوحة» القطرية - ديسمبر ۱۹۸۴ - مقالاً بعنوان «طه حسين الإنسان والشاعر»، فإذا بسكرتير طه حسين السابق يُعنى بالمقال، ويقرأ - وعينه لا تطرف - مادته هو، وكان قد نشرها في مجلة «الأسبوع الثقافي» الصادرة في طرابلس «مارس ۱۹۷۰» تحت عنوان آخر - «طه حسين كما عرفته.»
ومن الطريف أن المتهم دافع عن نفسه «الهلال عدد يونيو ۱۹۹۰ ص ۱۸۸» في إجابة تعمدت هيئة التحرير الإبقاء على أخطائها اللغوية، وقد سوّغ لنفسه السرقة معتمدًا على مصدر «الموسوعة العربية الميسرة ؟»، وذلك في قوله الخاطئ أصلا : فحق التأليف يتحقق فقط في الفنون الإبداعية كالأدب والموسيقى وغيرها كما جاء في الموسوعة العربية الميسرة ص .۷۲۷
ورصد القارئ فوزي الفيشاوي لهذا السارق في الأدب، وأحصى عشرات المقالات التي انتحلها، وختم حديثه بالقول : «إن ملف السرقات الأدبية الذي أعكف على تجميعه منذ سنوات طويلة، يحتوي على مقالات أخرى لكتاب آخرين، بعضهم من ذوي الأسماء الرنانة على الساحة الثقافية العربية» «الهلال، يونيو ۱۹۹۰» -.
وقد عكفت دار النشر «المجد» في القاهرة على جمع مواد وإثباتات سرقة، ولا أدري ما مآل هذا الجمع، وماذا نشرت عن مسألة تتتبع هؤلاء اللصوص. وهو نشر جدير بالاهتمام، حتى يتيقن كل من يمس حرم أديب أنه لا بد من أن يقبض عليه متلبسًا بجريمته.
ومؤخرًا اطلعت على موقع خاص في شبكة الانترنيت بهذه السرقات.
وبعد: فلدي نماذج كثيرة انتحلها بعض «أدبائنا» حرفيًا، «ومنها ما نشره الأستاذ محمود أبو رجب في الأخبار»، وهناك نماذج أخرى بتحريف هنا وهناك لطمس معالمها، ولا أعني البحوث الأكاديمية فقط، وإنما نصوص حسب سارقيها أن أعين كل القراء غافلة، فإلى موعد آخر، ولكل حادث حديث.
الدكتور فاروق مواسي