|
مفاوضات.. لا حرب الآن مع إيران وسوريا! «۲-۲»
إنّ الطرف الوحيد الممكن الاعتماد الأميركي عليه عسكرياً هو إسرائيل، لكن حتى إسرائيل فإنّها عانت وما تزال من نتائج عدوانها الأخير على لبنان في صيف العام الماضي، وبالتالي فإنّ دخول تل أبيب عسكرياً ضدّ إيران سيفتح جبهات عسكرية عديدة في المنطقة، إضافةً إلى الردّ الإيراني المباشر على إسرائيل.
هناك رسائل متناقضة تخرج من واشنطن وتل أبيب وباريس تجاه طهران ودمشق. بعض هذه الرسائل ينذر بالويل والثبور وبعضها الآخر يعد بالخيرات والمكاسب السياسية والاقتصادية. وفي تناقض هذه الرسائل ما ينبئ بطبيعة المرحلة القادمة بأنّها مرحلة تفاوض وضغوط متبادلة، لا مرحلة حروب وانفجارات عسكرية كبيرة.
ولا يمكن طبعاً فصل الملف الأميركي مع إيران وسوريا عن ملفات «مثلّث الأزمات» الساخنة في المنطقة: العراق، لبنان، وفلسطين. فالمفاوضات الأميركية المباشرة وغير المباشرة مع طهران ودمشق هي التي ستحدّد أيضاً مصير الأوضاع في «مثلّث الأزمات»، لكن المشكلة الآن هي في انعدام الوفاق العربي الذي لو كان قائماً لما كانت خيارات مستقبل أزمات المنطقة مرهونة فقط بإرادات أجنبية، دولية وإقليمية.
فغياب التضامن العربي الفعّال هو الذي يدفع بأطراف عربية إلى اللجوء للخارج بحثاً عن الحماية أو لدرء الأخطار أو لتأمين الدعم اللازم في مواجهة تحديات إسرائيلية وأميركية لا تأبه أصلاً لأي مصلحة عربية، ولا تريد أيَّ وجهٍ من أوجه التنسيق العربي تجاه الأزمات الساخنة في المنطقة.
إنّ تعذّر خيار الحرب الأميركية ضدّ إيران الآن يعني أنّ واشنطن مستعدّة لخيار التفاوض معها. وقد كان تصريح الجنرال جون أبي زيد «القائد السابق للقوات الأميركية في المنطقة» عن إمكان التعايش مع إيران نووية مؤشّراً لما يدور من مناقشات داخل مواقع صنع القرار الأميركي.
إنّ واشنطن تحتاج لطهران ودمشق في ترميم الأوضاع السياسية والأمنية في العراق، وفي معالجة الملفّين الفلسطيني واللبناني. لكنّ ذلك لا يعني إنّ إدارة بوش سوف تقيم صفقات مع حكومات دعت وتدعو لإسقاطها. فقد كانت واشنطن تضع حكومتي طهران ودمشق أمام خيار أحد نموذجين: النظام الليبي الحالي أو النظام العراقي السابق. أي إمّا التسليم بشروط واشنطن للعلاقة معها أو إسقاط النظام.
الآن، هناك نموذج ثالث وهو كوريا الشمالية التي وضعها بوش في «محور الشر» الذي أعلنه مطلع العام ،۲۰۰۲ وهو نموذج يقوم على التفاوض التدريجي وأسلوب «الأخذ والعطاء» حيث يحصل كل طرف على شيء ما مقابل التنازل عن شيء آخر.
إنّ هذا «النموذج الكوري الشمالي» هو الأكثر تعبيراً عن طبيعة المرحلة القادمة بين إدارة بوش وحكومتي دمشق وطهران.
وسيعني ذلك أسلوب التفاوض ب«المفرّق» على القضايا الساخنة وليس الحساب ب«الجملة» على كل الأمور العالقة. فما سيحصل في العراق من تطوّر سياسي على صعيد الحكومة وموضوع المصالحة الوطنية أو الإجراءات الأمنية المطلوبة أميركياً على الحدود مع سوريا وإيران، سيكون ذلك منفصلاً عمّا قد يتمّ التفاوض بشأنه في ملفّي فلسطين ولبنان. والعكس صحيح أيضاً. فقد يحصل مؤتمر نوفمبر القادم بحدّه الأدنى حول الملف الفلسطيني وقد تتوسّع أجندته لتشمل استئناف المفاوضات السورية/الإسرائيلية التي توقّفت في نهاية إدارة كلينتون، وما يعنيه ذلك من شمولية للجبهة اللبنانية مع إسرائيل ومن حلٍّ لقضية مزارع شبعا في لبنان، فيكون لبنان معنيّاً مستقبلاً بتوقيع معاهدة تسوية مع إسرائيل إذا ما أثمرت المفاوضات السورية/الإسرائيلية عن معاهدة أيضاً.
هي الآن مرحلة رمادية، وستبقى رمادية لفترة من الوقت، وسيستمرّ فيها ذرّ الرماد في العيون، لكن إلى متى سيستمرّ الوضع العربي الرسمي بانتظار شروق الشمس من الغرب حتى «يتبيّن له الخيط الأبيض من الخيط الأسود»؟!
|