رقم الخبر: 182743 تاريخ النشر: كانون الأول 20, 2016 الوقت: 14:29 الاقسام: مقالات و آراء  
ردّا على اغتيال السفير الروسي.. بوتين يقرّر تصعيد الحرب ضدّ الإرهاب

ردّا على اغتيال السفير الروسي.. بوتين يقرّر تصعيد الحرب ضدّ الإرهاب

اغتيال السفير عملية احترافية دقيقة التخطيط ومتقنة التنفيذ لعله من المبكر الخروج باستنتاجات حاسمة حول الجهة التي تقف وراء العملية الإرهابية الجبانة التي استهدفت سفير دولة عظمى في عاصمة إقليمية كبيرة، بسبب شح المعلومات من جهة، والغموض الذي يلف ملابسات الحادث من جهة ثانية..

لكن ما هو مؤكد حتى الآن من قراءة المعطيات الأولية، أن الأمر يتعلق بخرق أمني خطير ما كان له أن يحدث لولا تواطؤ جهة ما ذات نفوذ في الأجهزة الأمنية التركية، لأنه لا يعقل أن يسمح لأي كان بدخول قاعة معرض يتواجد بها أكثر من 100 شخصية مرموقة بانتحال شخصية، ناهيك عن أن الدولة التركية مسؤولة على حماية البعثات والشخصيات الدبلوماسية على أرضها بموجب اتفاقية فيينا.

فتنظيم عملية بمثل هذا المستوى وبهذه النجاعة تتطلب أسابيع من التخطيط والتحضير قبل التنفيذ، وترتبط أساسا بالمدة التي يتطلبها تنظيم تظاهرة فنية تستدعى لها شخصيات بارزة، بما في ذلك وضع قائمة الشخصيات المدعوة ومن يرافقها، وتعيين الفريق المشرف على الأمن وبروتوكولات الحماية الواجبة التطبيق، ومن ضمنها الإجراءات الصارمة المتعلقة بالتدقيق في هوية كل من يريد دخول قاعة العرض وفق قوائم بالأسماء محددة مسبقة التحديد، وبالتالي، فدخول الجاني قاعة العرض بانتحال صفة أمنية ومعه مسدس «رشاش» يطرح أكثر من سؤال ويؤكد وجود اختراق أمني خطير سهل عملية الاغتيال.

من حيث طبيعة العملية

عملية استهداف سفير روسيا في تركيا لا تعتبر جريمة إرهابية عادية ضد شخصية سامية، بل هي عملية حربية ضد دولة عظمى ذات سيادة بكل ما تحمله الكلمة من معنى لما للسفير من رمزية باعتباره يمثل الدولة الروسية، لذلك، سارع بوتين لطلب تشكيل لجنة مشتركة روسية – تركية للتحقيق في القضية، حتى لا تستفرد الأجهزة الأمنية التركية بإجراءات التحقيق وتصدر ما قد تراه مناسبا لطمس القضية، خصوصا وأن قتل الجاني الذي لم يكن يحمل سوى مسدسا رشاشا يثير الكثير من الشك والريبة، لأنه كان بإمكان الأجهزة الأمنية التركية السيطرة عليه بشتى الطرق للتحقيق معه، وبالتالي تعمد قتله هو قرار يؤشر إلى أن من أعطى الأمر بالقتل كان يريد إغلاق القضية وقطع الخيط الرفيع الرابط بين الجاني ومشغليه.. هذا واضح لا لبس فيه.

وواضح أن موسكو حين طلبت بتشكيل لجنة مشتركة للتحقيق في الجريمة، كانت تنطلق من شكوك جدية في ما له علاقة بالاختراق الأمني، وتريد أن تقطع الطريق على كل محاولة للتعمية والتضليل، حتى لا يتم استثمار الحادثة سياسيا في محاولة تغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، وهو ما أدركه أيضا فتح الله غولن من أمريكا فسارع إلى إصدار بيان ينفي فيه أية علاقة لمنظمته باغتيال السفير الروسي، وبالتالي لن يكون بمقدور أردوغان هذه المرة اتهام التنظيم الموازي كما فعل خلال الانقلاب الفاشل التي كانت تقف ورائه الولايات المتحدة وحلفها الأطلسي.

إيران من جهتها، استشعرت خطورة ما يحدث في تركيا فقامت بإغلاق كافة قنصلياتها في أنقرة وبقية المحافظات التركية، وسارعت القوات الأمنية لتطويق السفارة الإيرانية خشية تعرضها لهجوم محتمل، ما يؤشر أن المخطط في بدايته ولا يعرف كيف ولا متى ولا أين سينتهي.

نقول هذا، لأن قناة الميادين تتحدث عن معلومات حساسة حصلت عليها من مصادر سورية تؤكد أن المجموعات الإرهابية تلقت قائمة بمعلومات عن 100 سفارة روسية حول العالم طلب منها استهدافها، الأمر الذي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن قرار الحرب ضد روسيا على مستوى العالم قد اتخذ، وأن أنقرة كانت فقط البداية.

من حيث الهدف من وراء العملية

بالنظر لطبيعة العملية ومكانها وتوقيتها، لا شك أن الهدف منها هو تخريب العلاقة الناشئة بين روسيا وتركيا والتي أدت لسرعة الحسم مع الإرهاب في حلب من جهة، ومحاولة لإجهاض جهود التسوية السياسية التي تسعى لإطلاقها روسيا بمعية تركيا وإيران في سورية عشية اجتماع موسكو الثلاثاء، مع استبعاد الولايات المتحدة وأوروبا وحتى الأمم المتحدة نفسها، الأمر الذي قرأه الغرب بمثابة عنوان لنظام عالمي جديد لم تعد فيه امبراطورية روما الجديدة صاحبة الكلمة العليا في حل الأزمات الإقليمية التي ترتبط بالأمن القومي الروسي، مع تنامي المؤشرات التي تدل على مخاوف الغرب الجدية من استدارة تركية قد تكون كاملة نحو روسيا، ما يفقد إمبراطورية روما الجديدة وحلفها الأطلسي نفوذهما في منطقة الشرق الأوسط بشكل دراماتيكي.

والحقيقة، أن عملية أنقرة مع فارق الطبيعة والخطورة، تذكرنا بعملية استهداف الطائرة المدنية الروسية فوق صحراء سيناء، حيث كان الهدف الأساس هو تخريب العلاقة الروسية المصرية التي كان ينظر إليها باعتبارها محاولة لتقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة من خلال انتزاع حليف استراتيجي لواشنطن و«إسرائيل» ومشيخات الخليج (الفارسي) في الشرق الأوسط، وقد انعكست سلبا على العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين لفترة، ولا زالت تداعياتها تلحظ على مستوى الاقتصاد مثلا، وروسيا لا تزال تراقب الخطوات المصرية عن كثب قبل الرهان على التحالف الكامل معها، تماما كما تفعل مع تركيا، بعد أن لم تعد تثق بالأقوال بل فقط بالأفعال.

وبغض النظر عن من يقف وراء عملية الطائرة الروسية إن كانت قطر أو «السعودية» أو «إسرائيل» أو هم جميعا بأمر من واشنطن المتضررة من العلاقة الناشئة بين موسكو والقاهرة، فما كان للعملية أن تنجح لولا الاختراق الأمني الذي تم على مستوى المطار، وكون «داعش» تبنت العملية فهذه محاولة للتعمية والتضليل لإستبعاد أيادي المخابرات الخفية، وهذه هي طبيعة الحرب الساخنة ولا أقول الباردة القائمة اليوم بين أمريكا ومعسكرها ضد روسيا.

من يقف وراء عملية أنقرة؟

لا يحتاج المراقب لكثير تحليل لإدراك أن عملية أنقرة تحمل أصابع المخابرات الأطلسية والصهيونية بامتياز، لأنها المتضررة من الانتصارات النوعية التي حققتها روسيا وحلفائها ضد الإرهاب الصهيو – وهابي في سورية، ولا يمكن لجماعة إرهابية مهما كانت قوتها وتنظيمها وانتشارها أن تقوم بعملية نوعية بهذه الاحترافية العالية في التخطيط والدقة الكبيرة في التنفيذ لاستهداف سفير دولة عظمى في منطقة حساسة ومغلقة أمنيا، وحدها أجهزة المخابرات تستطيع فعل ذلك، خصوصا وأن تركيا ساحة مكشوفة لكل أجهزة المخابرات الأمريكية والأطلسية والصهيونية بحكم عضويتها في الناتو.. وهذا لا يحتاج لدليل، ما دامت طبيعة الحرب في وعلى سورية وهوية الأطراف المتآمرة والمتضررة من الهزيمة وعلى رأسهم «إسرائيل» تشير إليه بوضوح.

ومن المعروف تاريخيا أن كل العمليات الإرهابية التي عصفت بأوروبا ما بعد الحادي عشر من أيلول 2001 كانت من تخطيط أجهزة الحلف الأطلسي بمشاركة «إسرائيل» وكانت أجهزة الأمن الأوروبية في كل مرة تعمل على سيناريو بديل يحاكي ما حدث من حيث الظاهر، فيتم اتهام عصابات إجرامية من أصول عربية تعمل تحت غطاء أجهزة الأمن وتحضر لتكون كبش الفداء عند الحاجة، والمفارقة أنه يتم تصفيتها بعد العملية مباشرة ولا يقدم للمحاكمة إلا من لا يملك معلومات كاشفة، لذلك لا نستبعد أن يتم اعتقال أكباش فداء في تركيا واتهامهم بالوقوف وراء العملية لتبرئة ساحة الحلف الأطلسي و«إسرائيل»، هذا السيناريو متوقع، ونظرا لخطورة ما حدث، سارعت واشنطن للقول أن عملية إطلاق نار سمعت في محيط سفارتها بأنقرة، لتوهم العالم أنها هي أيضا مستهدفة بالإرهاب، هذه أيضا لعبة قديمة معروفة.

الرد الروسي على العملية

لم ينتظر الرئيس بوتين نتائج التحقيق، فهو يعرف مسبقا من هو الرأس المدبر للعملية ولا يرغب الخوض في التفاصيل، المعادلة بالنسبة له بسيطة تقول، أن أمريكا وحلفائها وأدواتها هزموا في سورية لكن يرفضون التسليم بالأمر الواقع ويعملون على إدامة الحرب إلى ما لا نهاية، لأن هدفهم الحقيقي هو استنزاف روسيا وإفشالها في سورية في محاولة لإستنساخ سيناريو أفغانستان، ويريدون إخافتها وتأليب الرأي العام الداخلي ضد بوتين لينسحب من سورية بأقل الخسائر الممكنة، وتوقيع الرئيس أوباما على قرار رفع الحضر على تسليح «المعارضة» وهو يرى نهاية الإرهاب أصبحت قاب قوسين أو أدنى، معناه ضوء أخضر للحلفاء والأدوات بضرورة الاستمرار في دعم الإرهاب حتى تقتنع روسيا أن لا حل عسكريا للأزمة السورية وتقبل بالشروط الأمريكية فتضغط على إيران ليرحل الأسد.

وبوتين يعلم أن أردوغان لم يغلق حدود بلاده ولا زال يلعب لعبة ضخ الإرهابيين والسلاح إلى إدلب لتحويلها إلى حلب ثانية في حال لم تحقق مفاوضات موسكو ما يصبو إليه من نفوذ في سورية.

وبالتالي، قرر بوتين وضع الجميع أمام خيار واحد لا ثاني له بما في ذلك اختبار نية وجدية أردوغان، فأعلن من موسكو لكل من يهمه الأمر: «أن الحرب على الإرهاب ستتصاعد، وسيرى الإرهابيون الفرق بين ما كان قبل اغتيال السفير وكيف سيكون الحال بعده».. هذه أبواب جهنم تفتح في سورية والمنطقة..

لأن ما قاله الرئيس بوتين إعلان حرب لا هوادة فيها قد تفوق ما حدث في الشيشان من قبل، فليخرس العالم ويكف المنافقون تجار الموت وسماسرة السلاح عن ذرف دموع التماسيح على «المدنيين» الأشباح ومحاولة مد حبل إنقاذ للمجرمين التكفيريين من خلال مجلس الأمن..

هذه المرحلة مضت وانتهت وطويت صفحتها.. وسجلوا عندكم للتاريخ أيها المجرمون، أن روسيا وحلفاءها سيبدأون الحرب الحقيقية ضد الإرهاب الآن، ولن تنتهي حتى يغرق التكفيريون في دمائهم وتساوى بأجسادهم العفنة الأرض..

لكن ماذا عن داعمي الإرهاب؟

الله وبوتين ومحور المقاومة وحدهم يعرفون الجواب.

من جهتنا ندين جريمة اغتيار السفير الروسي، ونقدم أحر التعازي للرئيس بوتين وحكومته وشعبه، ونتعاطف مع عائلة السفير الذي نعتبره شهيد الواجب الوطني وندعو الله أن يرزقها الصبر على هذا المصاب الجلل.

 

 

 

 

بقلم: أحمد الشرقاوي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: بانوراما الشرق الاوسط
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 2/8238 sec