رقم الخبر: 183418 تاريخ النشر: كانون الأول 27, 2016 الوقت: 15:12 الاقسام: مقالات و آراء  
هل بدأ يتفكك التحالف الدولي الذي خلق داعش؟

هل بدأ يتفكك التحالف الدولي الذي خلق داعش؟

يتمتع تنظيم داعش الارهابي بعدة مميزات، تضعه في مصاف اللاعب الأكثر قدرة على المناورة وعلى تكييف الميدان الذي يعمل به حسبما يتم توجيهه، فهو جاهز لإيصال كافة انواع الرسائل وفي مختلف الاتجاهات، ويمكن اعتبار الاستثمار به او من خلاله، مشروعا ناجحا ومنتجا في كافة المجالات: مذهبيا، ميدانيا، عسكريا، ديبلوماسيا، اقليميا ودوليا.

عندما ظهر التنظيم وتمدد وانتشر، متجاوزا الجغرافيا والتاريخ والمذاهب والحدود والعلاقات التاريخية بين الدول، هاجمه الجميع «مبدئيا»، وشكلوا التحالفات الدولية والإقليمية لمحاربته، فبدا الموضوع لأول وهلة، ومن خلال هذا الإستنفار العالمي ضده، مسألة ايام او اشهر الى ابعد تقدير ويزول هذا المخلوق الخارج عن المألوف، لنجد بعدها ان حضوره اصبح اقوى وأقسى، وانتشاره أوسع وأشمل، ورده السريع على تلك التحالفات الدولية والاقليمية كان بإعلان دولته وتعيين قادته وأمرائه ومسؤوليه، في السياسة والاعلام والميدان والأمن والمالية والتعليم و... و.. وهكذا، كان دائما يتقدم دون ان يلتفت لتلك التحالفات الهشة، بالسيطرة اكثر وبزيادة القتل والاجرام والتحدي، ساخرا منها، مهددا متوعدا، ومُنفذا .

لقد حضن «تنظيم الدولة» مختلف الجنسيات والقدرات والمستويات، من العلماء والمخترعين، الى القادة العسكريين اصحاب الخبرات في اشرس معارك المواجهات ما بين العراق او افغانستان والشيشان وبلاد القوقاز وغيرها، الى رجال الأمن الأذكياء الذين كانوا يمثلون أذرع وأدمغة الأنظمة الأكثر شراسة وبطشا في المحيط والعالم، الى خطباء المساجد الأبلغ والأوسع فقها وتأثيرا، واحتضن أيضا اعدادا كبيرة من «المجاهدين في سبيل الله» الطامعين بالجنة باكرا والجاهزين لتفجير انفسهم في اي وقت ومكان وطريقة وبمختلف احجام وأنواع الأحزمة والعبوات والتفخيخات المتفجرة ...

اللافت في وقائع ومعطيات المعركة الدولية في مواجهة داعش، او في معارك الأخير على طريق نشر عقيدته وتوسيع سيطرة دولته، ان مناوراته كانت دائما تتميز بأنها تفاجئ الجميع، وعندما كان يتعرض لهجوم في مكان او مدينة او قطاع، كنا نراه يفلت في جهة اخرى، ينفذ عملية انتحارية او اكثر، يهاجم موقعا معاديا له او اكثر، وكان دائما ينقل الاهتمام الى مكان آخر، داخل او خارج ميدان المواجهة العسكرية معه، او ينقل التركيز الدولي الى تغييرٍ آخر في نوع الهدف، او الى اسلوب جديد في الإعتداء كالتفجير او اطلاق النار المباشر او الدهس او نشر السموم من اسلحة كيميائية، او غير ذلك مما يكتشفه او يُتقنه ارهابيوه اصحاب المخيلة الواسعة .

كل هذه القدرات والتقنيات والإمكانيات كانت ترعاها دائما وتحضنها بطريقة مباشرة او غير مباشرة ثلاثة ميادين مختلفة هي :

اولا: تركيا حيث الجغرافيا المفتوحة على الحدود بين سوريا والعراق، وكان هذا الميدان يمثل دائما الرئة التي يتنفس منها التنظيم :

- في وصول مسلحيه ومؤيديه، الأجانب او الإقليميين بطريقة سهلة سلسة دون أية صعوبات ادارية او امنية .

- في حصوله على الاسلحة والتجهيزات، والتي كان مستحيلا عليه متابعة معاركه الواسعة من دونها، وما كان يتم اكتشافه او يظهر بين يدي مقاتليه من تجهيزات وأسلحة وتقنيات متطورة هو خير دليل على ذلك .

- أيضا لعبت اراضي ومرافئ تركيا بالنسبة لداعش شريان تدفق الأموال التي كان يكتسبها برعاية شركات وطنية تركية، عبر ضخ النفط المسروق من اراضي سيطرته في العراق وسوريا، او عبر مؤسساتها المالية والتي كان يحصل عبرها على تحويلات الاموال المختلفة المصادر، القريبة او البعيدة.

ثانيا: الميدان السعودي الحاضن الأساس لاغلب ما يحتاجه داعش :

- فكريا حيث مدارس الوهابية المنشئة للتشدد والتحريض المذهبي .

- اعلاميا حيث مئات الفضائيات المتخصصة بنشر سموم الحقد والإجرام والتكفير .

- ماليا حيث تتنافس آلاف الجمعيات والمدارس والمؤسسات الخاصة او الملكية على تأمين الأموال لمقاتلي الدولة «الذين يجاهدون في سبيل الله والدين»، والذين يقاتلون اعداء الامة الكفار والمرتدين، الرافضة  والمشركين ...

ثالثا: الميدان الاميركي الذي يؤمن الحماية الخفية والفاعلة لداعش في :

- عملياته وانتشاره وتحركاته، حيث يتنقل بوحداته وآلياته وصهاريج نفطه مئات الكيلومترات على مرأى طائرات وأجهزة الرصد والمراقبة الأكثر تطورا في العالم، وفي جغرافيا مكشوفة وواضحة وممسوكة بالكامل، دون ان تنتبه هذه الطائرات او اجهزة الرصد لهذه التنقلات والتي من المفترض، على الأقل، ان تكون اهدافا اساسية لقاذفات التحالف الدولي الذي يحارب الارهاب... مبدئيا .

- اتصالاته، حيث لم يصدف ان اكتشفت اجهزة التنصت الاميركية - أيضا الاكثر تطورا في العالم - اي مكالمة او اتصال او تسجيل حول عملية انتقال او هجوم او اعتداء لداعش، بالرغم من تنفيذ الأخير آلاف العمليات بشكل شبه يومي، وفي كافة امكنة مواجهاته الواسعة .

- جهوزية واشنطن الدائمة لخداع الدولة العراقية وتأخيرها عن اي قرار يهدف لحسم معاركها في المدن حيث يسيطر داعش، وحيث تظهر فورا، وفي أية عملية حاسمة ضد المجموعات الإرهابية الغيرة الأميركية على المدنيين، فيعبّرون بشراسة مباشرة، او من خلال مؤسسات الامم المتحدة، عن انسانيتهم المرهفة وديمقراطيتهم العريقة  .

وأخيرا... هل ما نشهده اليوم في اكثر من ميدان اقليمي قريب، بدأ يؤسس لتفكك هذا الحلف الثلاثي الذي خلق داعش، حيث نرى الأخير في العراق بدأ ينهزم، بالرغم من أنه لم يتبين حتى الآن مصيره الواضح في الموصل ومحيطه بعد أن سحب الأتراك والأميركيين تأثيراتهم المعتادة لحمايته، او في سوريا حيث نراه يخسر تباعا مواقعه الاستراتيجية في الشمال، خاصة في المواجهة الدموية الشرسة في مدينة الباب شرق مدينة حلب، والتي تحصل لأول مرة بهذه الطريقة المباشرة بين وحدات عسكرية نظامية تركية ترعى وحدات درع الفرات من جهة، وبين عناصر التنظيم الارهابي من جهة اخرى،  وكل ذلك يحدث في ظل انسحاب خليجي سعودي صامت وخجول، وفي ظل لا مبالاة اميركية ظاهرة، يغطونها بانشغال رسمي وسياسي وديبلوماسي تحضيرا للتسلم والتسليم بين ادارة اوباما وإدارة ترامب.

 

بقلم: شارل أبي نادر - عميد متقاعد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: العهد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1452 sec