رقم الخبر: 184439 تاريخ النشر: كانون الثاني 08, 2017 الوقت: 12:39 الاقسام: مقالات و آراء  
حقيقة الإستدارة التركية

حقيقة الإستدارة التركية

خلال زيارة رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم الى العراق يوم السبت، نقل التلفزيون العراقي عن رئيس الوزراء حيدر العبادي قوله إنه تم التوصل لإتفاق مع تركيا بشأن مطلب العراق بانسحاب القوات التركية من بلدة بعشيقة قرب الموصل، وأن تركيا تعهدت باحترام سيادة العراق، وإن بغداد وأنقرة اتفقتا على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهما البعض.

هذه الإستدارة التركية التي جاءت بعد عناد تركي غريب في الابقاء على جنود اتراك على الاراضي العراقية دون موافقة الحكومة في هذا البلد، رافقتها استدارة سياسة تركية اقوى ازاء الحرب ضد سوريا، جاءت على لسان نائب يلدريم، نعمان قورتولموش، الذي اعلن وعلى رؤوس الاشهاد، ان سياسة بلاده ازاء سورية كانت خاطئة منذ البداية، وهو اعتراف كان سيُتهم عليه بـ «الخيانة العظمى» من قبل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، اذا ما صرح به قبل عام من الان.

المراقبون للمشهد التركي، رأوا في هذه الإستدارة، اشارة على اعادة تقويم للسياسة التركية ازاء الاقليم برمته، وهناك من اشاد بها، على انها خطوة ايجابية وإن جاءت متأخرة افضل من ان لا تأتي ابدا،، وهناك من اعتبرها اعترافا بالخطا، ومن اعترف بذنبه كمن لا ذنب له، والبعض الاخر برر «هفوات» اردوغان على مدى السنوات الست الماضية في سوريا والعراق، بوقوعه في شراك الدول الخليجية التي دفعته الى اتون الحرب الطائفية التي اشعلتها بحطب الدولار والتكفير، وهناك من برر «سقطات» اردوغان، بسذاجته التي استغلالها الغرب، من اجل الدفع بتركيا الى اتون الفوضى، وضرب جيشها واقتصادها، كما تم ضرب العراق وسوريا وليبيا واليمن.

كل ما قيل عن تبرير سياسة اردوغان في العراق وسوريا والمنطقة برمتها، لا يمكن ان يرفع عن كاهل اردوغان المسؤولية عما شهده العراق وسوريا من كوراث وويلات، اعادتهما الى خمسين عاما للوراء، فحتى لو امكن اعادة اعمار ما دمرته الفتنة التي ساهم اردوغان بدور رئيسي في اشعالها، في العرق وسوريا والمنطقة، فمن المستحيل تضميد الجراح التي اصابت النفوس والعقول والقلوب جراء هذه الفتنة الكبرى.

من السذاجة تشبيه ما ارتكبه اردوغان في سوريا والعراق والمنطقة، بما ارتكبه صدام حسين في ايران والكويت والمنطقة، فصدام كان طاغية ودكتاتورا دمويا، يمكن توجيهه بسهولة من قبل القوى الاقليمية والدولية، ودفعه لاتخاذ قرارات تصب في صالح تلك القوى، كعدوانه على ايران والكويت، الا ان اردوغان، رئيس منتخب ومحاط بمستشارين سياسيين وعسكريين، الى جانب برلمان يضم جميع اطياف الاحزاب السياسية التركية ومن بينها احزاب المعارضة، بالإضافة الى وجود اعلام وصحافة تتمتع بمساحة من الحرية يمكنها توجيه النقد للحكومة وشخص اردوغان، لذلك من الصعب جدا تصور ان القرارات التي اتخذها اردوغان في التدخل بهذا الشكل الكبير في الشأنين السوري والعراقي، جاءت تحت تحريض بعض الانظمة الخليجية التي تعادي طائفيا الحكومتين العراقية والسورية، او تحت ضغط امريكا، التي تعادي سياسيا سورية لمواقفها من القضية الفلسطينية ودعمها لحزب الله ودورها في محور المقاومة، رغم ان التحريض الخليجي والضغط الامريكي لم يكونا دون تاثير.

ان مواقف تركيا من العراق وسوريا والمنطقة، هي مواقف نظام بأكمله وليست مواقف شخص اردوغان نفسه، رغم اننا لا ننكر الدور الكبير لأردوغان في صياغتها، فهذه المواقف جاءت على ضوء رؤية حزب العدالة والتنمية الذي يقود تركيا منذ اكثر من 12 عاما، وهذا الحزب كان يرى في هذه المواقف، هي من اكثر المواقف صوابية من اجل تحقيق مصالح تركيا في العراق وسوريا والمنطقة، وهي مصالح كانت، وللأسف الشديد، نابعة من عقيدة هذا الحزب القائمة على «العثمانية الجديدة»، وضرورة بعثها، على انقاض «العثمانية القديمة» كما يعتقد الحزب، وهو اعتقاد جزمي لا يقبل النقاش او التشكيك، وهذه العقيدة الجزمية المتجذرة في عقول ونفوس قادة وأعضاء الحزب، ومن بينهم اردوغان، هي سبب كل البلاء الذي يعيشه العراق وسوريا والمنطقة.

الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية وقطر، والدول الغربية وعلى رأسها امريكا،لم تكن بريئة ازاء المآسي والكوارث التي اصابت العراق وسوريا والمنطقة، بسبب السياسة التركية، فهذه الدول استغلت «عقيدة العثمانية الجديدة» المتجذرة في نفوس وعقول قادة حزب العدالة والتنمية، وعبدت الطريق امامهم لتطبيق هذه العقيدة على الارض من خلال الدعم المالي والسياسي والاعلامي والعسكري، وهو دعم تلقفته أنقرة، وفتحت حدودها لمئات الآلاف من شذاذ الآفاق من التكفيريين، وشحنتهم الى سوريا والعراق، ليكونوا طلائع جند «الخلافة العثمانية الجديدة»، فكان ما كان واحترقت سوريا وتشظى العراق واخذت النيران تصل الى عقر دار اردوغان وحزبه.

«الهجوم» التركي على العراق وسوريا، لم يراع اي خطوط حمراء، في العلاقات بين الدول، فقط استخدمت تركيا خطابا طائفيا مقززا، وخطابا سياسيا متدنيا اخلاقيا، وفتحت حدودها لعشرات الالاف من التكفيريين المجرمين القادمين من مختلف انحاء العالم، واقامت على ارضيها معسكرات تدريب للتكفيريين قبل شحنهم الى سوريا، ونقلت مئات الالاف من اطنان الاسلحة المدفوعة الثمن خليجيا الى الجماعات التكفيرية في سوريا، وفتحت اراضيها امام كل المجرمين والقتلة الهاربين من العدالة في العراق، واسفرت هذه السياسة عن مقتل مئات الآلاف في العراق وسوريا، وتدمير البني التحتية في هذين البلدين وخاصة سوريا،، لذا من الصعب جدا ان يتجاهل الشعبان العراقي والسوري مسؤولية تركيا في كل هذه المآساة، فقط للاستدارة التركية التي جاءت بعد فشل السياسة التركية امام مقاومة الشعبين العراقي والسوري؟!!.

حتى لو افترضنا ان هناك من سيغفر لتركيا ما صنعته في العراق وسوريا مع هذه الإستدارة التركية، الا ان العقلية التي يحملها قادة حزب العدالة والتنمية، وتأثير العقيدة «العثمانية الجديدة»، التي تصل الى حد التقديس لدى اعضاء هذا الحزب وقاعدته الجماهيرية، على قادة هذا الحزب، وشخصية اردوغان المتناقضة، كلها مجتمعة او منفردة، لا تجعلنا متفائلين، بصدقية الاستدارة التركية الحالية.

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: شفقنا
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/4379 sec