رقم الخبر: 184627 تاريخ النشر: كانون الثاني 10, 2017 الوقت: 13:16 الاقسام: ثقافة وفن  
المنهج الاستقرائي الميداني للقرآن في التعريف بالظواهر
لاكتشاف القوانين الاجتماعية وتعميم الحكم

المنهج الاستقرائي الميداني للقرآن في التعريف بالظواهر

إنّ القاء نظرة على بيانات القرآن وعرضه للظواهر وتعريفه بالمجتمع والإنسان الاجتماعي بصيغته التطبيقية، يتأكد لنا أنّ منهج القرآن، هو المنهج الاستقرائي الميداني في التعريف بالظاهرة،

 واكتشاف القوانين الاجتماعية، ومن ثمّ تعميم الحكم.. لذا نجده قد سجل الظواهر المتكررة، وسمّاها وأرّخ لها عبر مسار المجتمع البشري ليجعل من العقل الإنساني عقلاً عملياً يتعامل مع الوقائع والحقائق.. وذلك المنهج يوصلنا إلى أنّ منهج استقراء الظواهر الاجتماعية عن طريق الملاحظة ووصفها وتحليلها، هو المنهج العملي لاكتشاف الأسباب والعلل الكامنة خلفها، تمهيداً لتعميمها على المماثل المستقبلي..

وهكذا يسير المنهج القرآني من تتبع الجزئيات عن طريق ملاحظتها وتسجيلها لمعرفة السبب الكلي، والخروج بقانون وقاعدة عامة أوّلاً، وهذا هو الاستقراء، ثمّ الانتقال إلى القياس ثانياً، أي إلى تطبيق القانون على الحالات المتماثلة التي لم تدخل في الاستقراء، أي إنّ التكرار سيستمر في المستقبل، كما هو في الماضي لوجود المشترك العلِّي.. فالمنهج يتكوّن من مراحل:

1-    مرحلة الاستقراء: وهو تتبع الظواهر المتماثلة عن طريق الملاحظة.

2-     مرحلة الاستنباط: وهو اكتشاف القانون الكلي المشترك.

3-    مرحلة القياس: وهو تعميم القانون الكلي وتطبيقه على المصاديق المماثلة..

وينبغي أن نوضح هنا أنّ منهج البحث الاجتماعي يتفق مع منهج بحث العلوم الطبيعية في الآلية.. وربما أنّ هناك فارقاً كبيراً بين موضوعي العلمين: الطبيعي والإنساني.. ففي البحث الاجتماعي يكون التعامل مع الإنسان.. وهو يملك الوعي والإرادة والاختيار، والقدرة الذاتية على التغيير، بينما في مجال العلوم الطبيعية يتعامل الباحث مع المادّة الجامدة المجرَّدة من الاختيار والخاضعة للحتمية القانونية بصورة قسرية، فهي لا تملك إلّا الخضوع والحركة وفق القانون المحدد لها..

وبذا يبرز الفارق بعد الحصول على النتائج الاستقرائية والانتقال إلى المرحلة القياسية.. مرحلة تطبيق القانون على الوحدات المماثلة التي لم تخضع للاستقراء، والتنبؤ بما يكون عليه مستقبلها.. ففي الطبيعيات نستطيع بشكل قطعي أن نتنبأ بنتائج القياس.. أمّا في المجال الاجتماعي فليس بوسعنا التنبؤ بالنتائج، قياساً على الوحدات المماثلة التي تم استقراؤها، إلّا في حال الاستمرار بنفس الإرادة والاختيار الذي تحقق استقراء ظواهره، فإنّ النتائج ستكون مماثلة للتي حصلنا عليها في الوحدات التي تمّ استقراؤها..

وذلك ما وضّحه القرآن عندما يتحدّث عن السنن والقوانين العامة.. بل جعل من السنن والقوانين العامّة قانون وسُنة تغير الوضع بتغير الذات.. فقال: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) (الرعد/ 11).

وتغيير الذات مسألة إرادية واختيارية.. والقرآن يوضح ذلك، ويؤكد حرِّية الإرادة والاختيار عند الإنسان.. لذا دعاه إلى أن يحرر إرادته واختياره من الموروث الاجتماعي المتخلف، ويتعامل بوعي وبصيرة مع الخطاب والحدث الجديد.. ولذا أيضاً وصفه بقوله: (بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة/ 14-15).

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس/ 7-10).

(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن) (البلد/ 10).

وكم خاض الأئمة والعلماء والفلاسفة الإسلاميون من حوارات حول الجبر والاختيار الإنساني.. وكم من النظريات والآراء والمذاهب التي تكوّنت حول هذه المسألة الخطيرة.. وإن أخطر ما ظهر في هذه الجدليات النظرية، هو الخروج على الرؤية القرآنية والقول بالجبرية المباشرة، أو التسلسلية التي تفسر سلوك الإنسان بمجموعة من العلل المتتابعة، لتنهيها إلى الجبرية، وتحكُّم تلك العلل في الإرادة.. ومن الواضح أنّ الاستقراء الاجتماعي، هو من الاستقراء الناقص.. ذلك لأنّه يشمل بعض العينات.. غير إنّ تلك العينات تكون مثالاً للكلّ المماثل، لأنّها تشترك معه في الذات والسبب المنتج للظاهرة

إنّ المنهج الإسلامي يحلل المجتمع وفق فهمه ونظرته التي ينطلق منها لفهم الكون والإنسان والوجود.. فهو ينطلق من عقيدة الإيمان بالله والرسالات الإلهية.. وعلاقة الإنسان بالله سبحانه.. لذا فعلم الاجتماع الإسلامي يدرس بنية المجتمع على أساس علاقة الإنسان بالله وبالطبيعة وبأخيه الإنسان.. وما ينتج عن ذلك من علاقات اجتماعية..

وينطلق من أنّ العقل والرسالات الإلهية هي الأسس التي تنظم بناء المجتمع السليم وفق تكوين الإنسان النفسي والعقلي والبايولوجي، وقدرته على التفاعل مع الآخرين ومع الطبيعة، وأنّ تحليل المجتمع وتشخيص قوانينه الاجتماعية العامّة، وتقييم الوضع والسلوك الاجتماعي يقوم على أساس تطابق أنشطة الإنسان الاجتماعية مع مقاييس العقل وطبيعة علاقة الإنسان بخالق الوجود والرسالة الإلهية.. ذلك لأنّ خالق الوجود قد خلق الإنسان وفق تكوين جسدي وعقلي ونفسي.. ووضع الشريعة كمنهاج مناسب لتنظيم حياة هذا الكائن الاجتماعي.. كما خلق عالم المادة وجعل له القوانين والأنظمة الطبيعية التي تسيّر وجودها ضمن المنظومة المادّية المترابطة معها..

وإنّ مشكلة الإنسان في حياته الاجتماعية من وجهة نظر علم الاجتماع الإسلامي هي خروجه على قوانين التكوين والتشريع التي نظمها خالق الوجود والتي يشخص العقل والتجربة البشرية ذات الطبيعة العلمية المحضة الكثير من حقائقها.

    لقد استخدم القرآن المنهج التأريخي حين تحدث عن الشعوب والأُمم والحضارات، وسجّل عينات تأريخية من تلك الوقائع الماضية، وربط بينها وبين الحاضر المماثل، كما استخدم منهج الملاحظة عندما قام بتشخيص الواقع الاجتماعي المخاطب، ودعا إلى السير في الأرض والتأمل فيما يحيط بالإنسان.

 

 

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/2633 sec