رقم الخبر: 184646 تاريخ النشر: كانون الثاني 10, 2017 الوقت: 14:40 الاقسام: مقالات و آراء  
فتى القدس ومطران المقاومة

فتى القدس ومطران المقاومة

تحمل الأحداث مفارقات ومؤشرات معبرة يصعب تفسيرها كان منها ما شهدناه يوم وصول جثمان المطران الراحل هيلاريون كبوجي مطران القدس الفدائي والمحارب السوري العروبي المؤمن بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر.

فقد انبرى في اليوم ذاته شاب فلسطيني من القدس العربية المحتلة لينفذ عملية شجاعة وجريئة بشاحنته التي أحدثت زلزالا في الكيان الصهيوني بقتل عدد من جنود النخبة في جيش الاحتلال وخلفت العديد من الجرحى والمرعوبين من العسكريين الصهاينة في قلب القدس المغتصبة، وبدا الكيان الصهيوني مطابقا لصورة «اوهن من بيت العنكبوت» التي صاغها سيد المقاومة في عرس التحرير.

جيلا وراء جيل يتناقل المقاومون مشعل النضال والكفاح غير آبهين بركام التنازلات والمساومات التي يجريها انتهازيون يعتاشون على موائد الغرب وعملائه في المنطقة ويمدون الاحتلال الصهيوني بأسباب الاستقواء والبطش والغطرسة وهو مهزوم امام المقاومة كخيار أثبت فاعليته وجدواه رغم كثافة التآمر وفظاعة الغدر.

كانما هو موعد لنقل شعلة المقاومة والعمل الفدائي من يد المطران كبوجي ذي التسعين عاما إلى يد جيل فادي القنبر الشاب المقدسي البطل الشهيد الذي اختار عمليته وهدفه ورحل معانقا روح المطران في سماء القدس وعلى عهد تحرير فلسطين.

قبل أسابيع وفي لقائنا الأخير في روما دار حوار بيني وبين المطران العربي المقاوم عندما فاض بمرارة وأسف لما آلت إليه حال القضية الفلسطينية وإخفاقات نهج المساومة والتكيف مع الاحتلال وتراجع وتيرة المقاومة التي وجد فيها كبوجي منذ ستينات القرن الماضي طريقا وحيدا للتحرير سلكه واختاره بإرادته ودفع ضريبة غالية على امتداد مسيرته المشرفة، وقد استدرك بالقول فورا إنه كثوري مقاوم لا يعرف اليأس لكنه يأسف لهدر التضحيات والتفريط بها رغم ثقته بان قضية فلسطين ستبقى حية وبأن الأمة سوف تصحو من الردة التي أغرقتها طالما هناك مقاومون يصارعون الاستعمار والصهيونية والرجعية، وقد اكد لي انه وجد في تجربة حزب الله وقهره للكيان الصهيوني عام 2000 ثم في حرب تموز 2006 بشارة انتصار قادمة في فلسطين واعتبر الهجمة الاستعمارية الرجعية على سورية محاولة لمنع تحقق تلك الأمنية التي يحملها في قلبه وعقله وبوعي كبير لأهمية ما تمثله الجمهورية العربية السورية كمعقل لإرادة التحرر ولمقاومة مشاريع تصفية القضية الفلسطينية وفرض الإذعان للهيمنة الصهيونية مستعيدا لقاءه بالرئيس الراحل حافظ الأسد. وكان المطران في السنوات الأخيرة كلما ورد ذكر سورية على لسانه يحشرج بدمع ظاهر في عينية لشدة تألمه على ما تعانيه سورية عقابا على خيارها المقاوم، وكان شديد الاعتزاز بسوريته وبرئيس بلاده المقاوم الرئيس بشار الأسد الذي اعتبره والسيد حسن نصرالله املا قوميا نهضويا وفلسطينيا.

قلت له يومها إن الأمل هو في بوادر المقاومة الجديدة التي لاحت بشائرها بمبادرات شباب وصبايا فلسطين المحتلة الذين حركوا لغزا كبيرا يربك كيان العدو ومؤسساته الأمنية المتطورة، وبنموذج المقاومة التي قادها حزب الله وبنهوض سورية الآتي بعد انتصارها على الغزوة الاستعمارية رد المطران الراحل مؤكدا إيمانه بأن الأمور ذاهبة حتما صوب تلك الآفاق، وتنهد آسفا لأن العمر قد لايمهله ليشهد تحقق ذلك الأمل الغالي والعزيز.

في غمرة الحديث عاد المطران المقاوم ليؤكد أن فلسطين شغلت عمره وعقله لأنه ادرك مبكرا ان التصدي للكيان الصهيوني والنضال لتحرير فلسطين هو المفتاح لتحرر الأمة كلها متحدثا عن تجربته بنقل السلاح في سيارته الخاصة إلى قلب فلسطين المحتلة وكيف كان يعبر على الحواجز الصهيونية بثوبه الكهنوتي ليحمل زاد القتال والعمليات إلى أبطال المقاومة داخل الأرض المحتلة... شاكيا ضعف ذاكرته مع تقدمه في العمر بحيث تتوه منه تفاصيل كثيرة غالبا ما يسأل عنها... تخجل الكلمات امام بطولة المطران كبوجي هذا الكاهن المناضل الذي تعتبر سيرته مدرسة في الكفاح والثورة ولاهوت التحرير.

قلت له سيدي المطران إن في فلسطين جيلا من الصبايا والشباب يبتكر وسائل جديدة للمقاومة بالدهس والطعن ويبدع أشكالا جديدة من التنظيم السري، وهو جيل تعلم من نموذجك الملهم ومن إرادتك الصلبة ويختار بناته وابناؤه الاستشهاد بطيبة خاطر وبكل تصميم فلا يوقفهم تنسيق امني مع الاحتلال ولا مساومات مع الكيان الذي بات حليفا لحكومات عربية كثيرة تشارك إسرائيل في العدوان على سورية والتآمر على المقاومة، فهؤلاء المقاومون الجدد لا تصدهم اوهام اللاهثين خلف سراب الصفقات... إنهم يتقدمون ويضربون العدو الغاصب ويستشهدون وفي عيونهم فلسطين وعهد التحرير الذي حملك إليها بالسلاح وبالعشق الذي يضج في صدرك اليوم توقا إلى ترابها قال المطران كبوجي هؤلاء هم الأمل الباقي ويا ليتني في همة أيام زمان لأفكر مجددا كيف أنقل لهم السلاح والعتاد وأكون معهم كما كنت مع جيل الفدائيين الاوائل قبل اكثر من نصف قرن.

الشاب الفدائي المقدسي الشهيد فادي القنبر عانق يوم الأحد روح المطران الشيخ الفدائي العربي السوري هيلاريون كبوجي كأنما يعلن بدمه عهدا بين جيلين من الشيوخ والشباب على درب تحرير فلسطين كل فلسطين بالمقاومة والشهادة وبالثبات على العهد والفداء واما الباقي فركام وظلال أوهام متكسرة.

 

 

 

بقلم: غالب قنديل  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: وكالة اخبار الشرق الجديد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/7917 sec