رقم الخبر: 184766 تاريخ النشر: كانون الثاني 11, 2017 الوقت: 18:25 الاقسام: مقالات و آراء  
هل أخطأت روسيا بالرهان على تركيا؟

هل أخطأت روسيا بالرهان على تركيا؟

لم تكن روسيا يوما ذات بعد تمددي واستعماري لا في نظرتها ولا في سلوكها، بل على العكس تماما فروسيا الحالية هي امتداد للإتحاد السوفياتي في كثير من القضايا ومن بينها النظرة والسلوك المرتبطين بالمنطقة التي تعتبر مجالاً حيوياً لروسيا، حيث كان الإتحاد السوفياتي داعماً لقضايانا وعلى رأسها قضية فلسطين، ووقف الى جانبنا في الكثير من المحطات المفصلية، وهو امر يعرفه القاصي والداني ولا ضرورة لتكراره.

والمقدمة المقتضبة ليست محاباة للروس ولا هي نوع من انواع المديح، وانما استخدمت هذه المقدمة لأشير الى ان الدول التي لا تملك سياسة استعمارية تبقى عاجزة عن فهم تفاصيل الشعوب الأخرى ودقائق التاريخ، وهو ما يمكن تبيّنه من تصريحات المسؤولين الروس ومداخلات وكتابات الكتاب والخبراء الذين يظهر عندهم قصور في تفسير الصراع واقتصار التفسير على العناوين الأساسية، دون ان نلاحظ ان هناك ما يلزم من العمق في مدى فهمهم لطبيعة الصراع سوى انهم يقاربون القضايا في عناوينها واحياناً انطلاقاً من ردات الفعل عليها.

طبعاً نحن هنا امام موضوع معقد بل شديد التعقيد يجب ان ننطلق في مقاربته من خلال ضرورة تفهمنا لسياسة ومصالح روسيا، كما ننطلق في فهمنا للصراع من كون ما نخوضه هو معركة دفاع عن الوجود لا نستطيع ان نُلزم حلفاءنا بكل مفاهيمنا وتفاصيلنا، وكما على الحلفاء ان يتفهموا أيضاً مخاوفنا وهواجسنا من بعض القضايا التي نمتلك فيها خبرةً وباعاً طويلاً، غير متناسين ما قدمته روسيا ولا تزال من خلال المشاركة العسكرية المباشرة ومن خلال الدعم السياسي اللامحدود في كل المحافل الإقليمية والدولية.

في البعد المباشر للصراع الذي تمتد خيوط المؤامرة فيه علينا وعلى روسيا (الإتحاد السوفياتي سابقاً) الى أمد بعيد، حيث سبق إطلاق المعركة على منطقتنا عمل حثيث أدّى الى تفكيك الإتحاد السوفياتي الذي كان عاملاً حاسماً في إضعاف قدراتنا على المواجهة ومحاولات تفكيك دول المنطقة، والتي أدّت في النهاية الى الإستفراد بسوريا كدولة مواجهة وحيدة في مواجهة الكيان الصهيوني بمؤازرة ايران الدولة البعيدة جغرافياً، والتي كانت في حالة التأسيس والصعود بموازاة وضع سوريا في حالة العزلة والإستفراد.

إذن نحن وروسيا في الموقع ذاته، وعلى المسؤولين الروس ان يعلموا ان صعود روسيا الحالي ما كان يمكن ان يحصل لولا الدور الذي تمارسه روسيا حالياً في سوريا، وهو دور بلا شك هام ولكنه لا يتجاوز بأهميته ما صنعه الجيش السوري على مدى سنوات من خلال الصمود الكبير والإستثنائي. ففي مكان ما، وهو جزء كبير من الحقيقة، روسيا في سوريا من اجل روسيا، حيث يدرك الروس ان سقوط الدولة السورية وتفكك سوريا سيكون وبالاً عليهم.

من خلال معرفتنا ببعض خبايا السياسة الروسية نعلم ان الرئيس بوتين نفسه مع كامل فريقه يعرفون انهم لم يحققوا النصر الكامل على الإرهاب، ولكنهم يعتقدون على ان ما حصل يكفي لدفع الأمور باتجاه التسوية السياسية.

ممّا لا شك فيه ان وصول دونالد ترامب الى سدّة الرئاسة الأميركية والتصاريح التي ادلى بها لجهة رغبته في التعاون مع الرئيس بوتين حول كل القضايا ترك اثراً كبيراً في العقل السياسي الروسي الذي بدأ يتجه الى سياسة ضبط ايقاع الصراع بدلاً عن خوضه، وهو من وجهة نظر السياسيين الروس سيساعد في تخفيض حدّة الصراع وإنهائه من خلال إشراك الدول ذات التأثير على الجماعات الإرهابية وأعني هنا تركيا التي يعتقد الروس انهم - اي الأتراك - قد حسموا أمرهم وهم على طريق الإستدارة الكاملة، وهو ما لا نعتقده ولا نؤمن به نظراً لخبرتنا ومعرفتنا بالعقل «الإخونجي» الذي يحرك السياسة التركية.

وحتى نكون صادقين مع انفسنا، لا بد من الإشارة الى الأمور بشكل واضح دون اي مواراة او تبرير، فما جاء من تخفيض لحجم القوة العسكرية الروسية في سوريا رغم انه لا يؤثر في البعد العملاني العسكري حيث تستطيع روسيا تعزيز قواتها خلال ساعات، إلّا انه رسالة مزدوجة في اتجاهين للمحور الذي تدعمه روسيا وللمحور المعادي وعلى رأسه اميركا.

قد يكون من العقلانية في ظل صراع متشعب ومعقد أن لا تشعر عدوك انك حققت فيه الهزيمة الكاملة وان تسحبه باتجاه المفاوضات لإنهاء الصراع ووضع اسس لإنطلاقة جديدة، وهو ما تفعله روسيا برأيي ولكنه لن يصل بالأمور الى حيث ترغب لمجموعة من الإعتبارات. فمن خلال متابعتنا للمواقف التركية المتصاعدة والتي لا تتناسب مع نتائج الميدان، حيث من غير الممكن ان تحصل تركيا ومن تدعم من الجماعات في السياسة على ما عجزوا في الحصول عليه في الميدان، وهو أيضاً ما لا تستطيع روسيا ان تفرضه لمخالفته لأبسط قواعد وقوانين الصراع وهو أمر سيشكل عقبة كبيرة في مباحثات استانة القادمة حيث لا يمكن ان تقبل الدولة السورية بمشاركة الإخوان المسلمين الذين يتمثلون بـ «الفصائل العسكرية» التي وقّعت على وقف اطلاق النار على طريقة الصفقة، وهو امر حساس ويرتبط بمستقبل سوريا برمته ولن يصل برأيي الى مرحلة دفع الأمور نحو المسار الذي ترغب به روسيا وسيعيد الأمور الى وضعها الأول.

امر هام لا يبدو ان روسيا تعلمت منه، وهو سلسلة الخداع والغدر الذي مورس بعد كل وقف لإطلاق النار سواء من تركيا او من اميركا، حيث لا الاتراك ابدوا ما يكفي من الصدق ولا اميركا يبدو انها حتى في مرحلة ترامب ستكون مثلاً مختلفاً عن الإدارات السابقة، وكلامي في الحقيقة يستند الى متابعة نظرة واجراءات الإدارة الأميركية الجديدة. فترامب اصبح محاطاً بمجموعة من الجنرالات ذوي النظرة الحادة ولن يكون قادراً على التملص من المحافظين الجدد (اصحاب نظرية الفوضى الخلاقة)، سواء عبر شركات الأسلحة والنفط التي يملكونها ولا مراكز الأبحاث والدراسات التي باتت قوة ظل مؤثرة في صياغة السياسة الأميركية.

اذن الصراع سيستمر وسيكون على روسيا ان تتعلم اكثر انه لا يمكن ان تكون فريقاً في الصراع وضابطاً لإيقاعه في الوقت ذاته، ولكن الوصول الى هذه المرحلة سيكون مكلفاً، فهذه «إسرائيل» تعمل في العلن وفي الخفاء على توفير ما يلزم في البعدين العسكري والإستخباراتي للجماعات الإرهابية، وهذه تركيا التي بدت الناطق الرسمي باسم الكيان الصهيوني في الكثير من القضايا، إضافةٍ الى أنّ اردوغان يمتلك القدرة على الإستدارة من جديد نحو اميركا والسعودية وقطر في اللحظة التي تبدو فيها اشارات الأميركيين نحوه ايجابية ولو بالحد الأدنى.

بقلم: عمر معربوني  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: شام تايمز
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/0669 sec