رقم الخبر: 187496 تاريخ النشر: شباط 15, 2017 الوقت: 19:41 الاقسام: مقالات و آراء  
التاريخ، الدين، الجوار والمصير المشترك، حوّلت ايران والعرب الى جناحين للحضارة الإسلامية (1-6)
نائب رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في الشؤون الدولية للوفاق:

التاريخ، الدين، الجوار والمصير المشترك، حوّلت ايران والعرب الى جناحين للحضارة الإسلامية (1-6)

لطالما كانت ثقافة الحوار قائمة بين الناس منذ الأزل، فالحوار هو بلا شك ضرورة حتمية فرضتها طبيعة البشر وفطرتهم المجبولة على التحدث مع الآخرين والاستماع إليهم، الحوار وسيلة لإيصال المعلومة الصحيحة.

الحوار وسيلة لتصحيح الأفكار الخاطئة والعقائد الفاسدة، وبالتالي يكون التحاور هو خير وسيلة من أجل إقناع صاحب الفكرة الخطأ بالفكرة الصحيحة، وأخيرا فإنّ أهمية الحوار أنه يصنع أُسساً سليمة في التعامل الإنساني بعيداً عن كثير من المظاهر التي باتت تسيء إلى مجتمعاتنا وتستخدم العنف والقوة لفرض الرأي على الآخر. والحوار الثقافي ذا اهمية كبيرة في العصر الحالي، خاصة الحوار الإيراني – العربي في الظروف التي تمر حالياً على المنطقة، قبل فترة أقيم ملتقى الحوار الثقافي الإيراني – العربي في طهران برعاية رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية وكان ذلك بحضور المفكرين والثقافيين الإيرانيين والأجانب، فاغتنمت الوفاق الفرصة وأجرت حواراً مع الدكتور عباس خامه يار نائب رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في الشؤون الدولية، فيما يلي نص الحوار:

س: برأیکم ما يعني الحوار الثقافي بین الإيرانيين والعرب؟

ج: إن أردنا التطرق إلی معنی الثقافة الذي تهدفون إلیه أنتم، یجب أن أقول لکم أن هناک تغییرات وتحویرات کثیرة طرأت علی معنی الثقافة في السنوات الأخیرة وأصبحت أکثر تداولاً بین الأوساط الإجتماعیة، فهي تارة تتسم بطابع الحوار بین الأدیان، وتارة تلبس معنی حوار الحضارات، وحوار الثقافات وحتی حوار الشرق والغرب وربما إحدی مجموعاتها التابعة لها هي حوار العربي الإیراني. والسؤال المُلح هو حول ماهیة الحوار، فما هو الحوار ویجب إجراءه مع من؟ ومن یحاور من؟ التصور الأول الذي یخطر ببال الإنسان هو أنّ الحوار طریقة إنسانیة تستقي وجودها من الحضارة البشریة وهي تمکّن الإنسان من التحاور مع الآخر ومع الثقافات الأخری وتعرّفه علی وجهات نظر الآخر وآرائه لکي یقیم نوعاً من العلاقات البشریة، وهذا یعني الهدف الرئیس من الحوار هو إنشاء نوع من العلاقات البشریة والفکریة مع الآخر. وأي نوع علاقة یمکن أن تعتبر حواراً، إذن أحد أهداف الحوار هو التقارب واطّلاع کل منّا علی مقاصد الآخر وأهدافه لکي یفهم ویدرك کل منّا الآخر حق المعرفة من خلال شرح الأحوال والأهداف وفي الواقع نمهّد الأرضیة لإنشاء العلاقات البشریة.

س: ما هي ظروف الحوار الذي یجب توفیرها؟

ج: من الطبیعي أن الحوار یجب أن یتحلّی بمیزة الشفافیة، والعمق، ونوع من الصراحة وفي هذا المضمار یجب إعتبار الحوار الإیراني العربي قطعة من رقعة اللغز. رقعة اللغز بمعنی أنّ هذه الرقعة لدینا تتکوّن من حوار الثقافات الکبیرة والشاملة مع الغرب والشرق ومع الصین، والأدیان الأخری. لذلك العالم العربي قطعة من قطع اللغز الکبیرة وربما بسبب المجاورة والحدود الجغرافیة المشترکة والظروف الإقلیمیة والتطورات التي یشهدها العالم العربي، تحظی بأهمیة خاصة لدینا.

تقول الشریعة الإسلامیة وروایة خلق الإنسان بشکل عام أنّ الخلق بدأ بالحوار، فمنذ طلیعة خلقة الإنسان جری حوار ثنائي بین الله وبین الملائکة وآدم أبي البشر. وأشار القرآن الکریم إلی هذه القضیة بشکل صریح في الآیة التالیة: «وإذ قال ربك إني جاعل في الأرض خلیفة، قالوا أتجعل من یفسد فیها ویسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك»، هذا إن دلّ علی شيء إنّما یدلّ علی حریّة الملائکة في الکون وفي إدارة الله له بحیث إستطاعت أن تعلن إحتجاجها علی خلق الله بشکل خطاب أو أنّها أرادت التعبیر عن وجهة نظرها تجاه الله وکان الله یسمع ما تقوله الملائکة فأجاب علی سؤال الملائکة بشکل کامل. وحتی إبلیس العاصي تمرّد علی أمر السجود لآدم «إسجدوا لآدم»، وعلی الرغم من أنّه طرد من ساحة الله إلّا أنّه طلب من الله أن یمنحه الفرصة وهذا طلب تمّ في قالب حوار وتلقی إبلیس جوابه من الله سبحانه وتعالی وقد إستجیب لطلبه بحیث یقول القرآن «أنظرني إلی یوم یبعثون» وإبلیس في هذا المجال یقول لله أنظرني أي أمهلني إلی یوم البعث والقیامة.فیقول الله له«إنک من المنظرین إلی یوم الوقت المعلوم» .الحریّة! إذن یتبیّن إنّ الله یتکلّم حتی مع الشیطان، ومن الطبیعي أن الإنسان أقدر في إجراء الحوار مع مثیله.

وبناء علی قراءة دینیة وقراءة قرآنیة واضحة یتحدث الله مع جمیع المخلوقات، مع الطیر ومع الحشرات ومع الملائکة والأنبیاء وحتی مع الأرض والسماء وإنّ طریق الحوار الذي رسمه الله یتسع لکل شيء وکل شخص فهو یستوعب کل ما خلق الله. وإذا إستقرأنا تاریخ الأدیان الکبیرة، الأدیان الإلهیة، سوف نری مدی تأکیدها علی الحوار في ما بینها وما بین المشرکین وعبدة الأصنام بالإعتماد علی الدلیل والحجة القاطعة من أجل دعوتهم إلی عبادة الله وسبیل الرشاد، وهذه هي سنّة قدیمة وراسخة في الأدیان. وقد نشهد هذه السنّة الحسنة في حیاة النبي إبراهیم، والنبي نوح، والنبي موسی، والنبي عیسی، ورسولنا علیه وعلیهم الصلاة والسلام، وقد دعا کل من هؤلاء الأنبیاء المشرکین بطرق مختلفة. إما عن طریق المواجهة المباشرة، وإما بصورة شفهیة أو کتابیة وغیرها. ومن أغرب مشاهد التاریخ هو مشهد حوار النبي محمد(ص) مع النصاری في القرآن، وهي القصة المشهورة بالمباهلة التي تسرد لنا قصة حوار النبي مع النصاری التي أشارت إلیها سورة العنکبوت في الآیة46 حیث جاء في الآیة: «ولا تجادلوا أهل الکتاب إلّا بالتي هي أحسن إلّا الذین ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذي...» والمقصود هو الحوار مع أولئك الذین ظلموا: «قولوا آمنّا بالذي أنزل إلینا وأنزل إلیکم» وهذا یعني أنّ الإنسان لا ینبغي أن یتحاور ویتناقش مع من یوافقه الرأي، ومع الأقربین فحسب، وإنّما یجب أن یحاور الظالمین أیضاً.وأن یقولوا لهم بأنّنا آمنّا بما آمنتم به وبما أنزل إلینا وأنزل إلیکم:«وإلهنا وإلهکم واحد ونحن له مسلمون» إنّ إلهنا إله واحد، فکلنا مسلمون بمعنی التسلیم لله، نؤمن بالله لذلك نستطیع الحوار وتبادل الرأي. وتاریخنا مفعم بمثل هذه المناظرات والحوارات، فالإمام الصادق (ع)، کانت له مناظرات کثیرة مع الزنادقة والملل والنحل المختلفة وکبار المذاهب الأخری الذین جمیعهم من تلامذة الإمام الصادق واصلوا طریق الإمام وأکدوا علی هذه الطریقة في الحلّ والرتحال.

وفي جبهات القتال، في عصر یوم العاشر من محرم، وفي اللحظات الحاسمة، تکلّم الإمام الحسین (ع) مع أعدائه بصورة شعر، وقدّم لهم النصائح وقال:«إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي». فتجدید الدعوة وتقدیم النصائح لهم کلها کانت تأتي بشکل حوار معهم. فقد نصح وتحاور مع أنصاره وأصحابه ومع أعدائه وخصومه عندما کانت الحرب علی أشدّها وقائمة علی قدم وساق. مثلما قامت السیدة زینب سلام الله علیها بالمناظرة والکلام في مجلس یزید وکانت بطلة ذلك المجلس. وبیّنت کل شيء وأفضحت للناس حکومة یزید. فکان الحوار بشکل سؤال وجواب متجسد في خطبة. وأجرت هذا الحوار مع قاتل أخیها وقاتل أبناء رسول الله وأبناء الامام الحسین (ع). وکان منطق حوار السیدة زینب متفوقاً علی عدوها بحیث عجز العدو من الرد علیها فلجأ إلی الأذان وأمر المؤذن برفع الأذان، فهو أراد من خلال الأذان ومنطق الأذان أن یقطع کلام السیدة زینب، ویمنعها من مواصلة حدیثها، لکن السیدة زینب واصلت کلامها رغم هذه الظروف. والسؤال الذي طرحتموه حول الحوار، یجد جوابه في ما قلنا حول الحوار الثقافي، فیمکن إعتبار المبادئ التاریخیة والدینیة للحوار الثقافي الذي قدمّنا نبذة عنها بأنّها جواب للسؤالین السابقین.

س: لماذا نحن نؤکد علی الحوار مع العالم العربي؟ هل نظرتنا تجاه قضیة الحوار مع العالم العربي هي نظرة إستراتيجیة بمعنی أنّها نوع من التکتیك والخطة؟ وهل الظروف أجبرتنا علی إطلاق الحوار والبدء بالمشاورات مع العالم العربي؟ وهل یعني هذا أنّنا جرّبنا کل الطرق وتوصّلنا إلی أنّ الطریق الأنسب هو الحوار؟ أم أنّ هذه هي إستراتیجیة بعیدة المدی دأبت الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة علی تبنّیها في دبلوماسیتها الثقافیة، في إشارة إلی أنّ الحوار، خاصة الحوار الثقافي هو مبدأ أصیل مبادئها السیاسیة؟

ج: إنّ المقدمة التي سلف ذکرها لا تضع أمامنا طریقاً سوی طریق الحوار والمفاوضة مع الآخر وهذه هي إحدی التعالیم الدینیة، والثقافیة، والحضاریة في تاریخنا وکما یقول العرب لیس أمامنا «خیار» آخر، لیس أمامنا «بدیل» وأن الخیار الوحید هو الحوار والحوار. وما یعزّز هذا الخیار هو عراقة العلاقات العربیة الإیرانیة وتاریخها القدیم. فقد بدأت هذه العلاقة منذ ثلاثة عشر قرناً، بل بدأت قبل الإسلام بثلاثة قرون. وقد شهدت هذه العلاقات بعد الإسلام وفي منتصف القرن السابع للمیلاد وخاصة بعد الدولة العباسیة وفي منتصف القرن الثامن للمیلاد، عصرها الذهبي، إذ تعزّزت بشکل کبیر وشملت قطاعات واسعة من الحیاة. إنّ إنتشار اللغة العربیة الإسلامیة الذي قام بنشرها الکثیر من الشخصیات الإیرانیة، ساعدت علی نشر اللغة العربیة وتوسیع رقعة الناطقین بها. وکانت هذه الحوارات في مجالات مختلفة مثل المجال العلمي والثقافي والفني. وکانت تقوم هذه الحوارات علی أساس المبادئ الفکریة والعقلیة والفلسفیة والأخلاقیة والقیم الإسلامية، والقیم الإنسانیة العلیا. وقیل إنّ تکوین الجیش علی ید الخلیفة الثالث من أجل نشر الإسلام في إیران آنذاك کان علی ید شاعر کبیر هو مالك بن الریب وله أشعار کثیرة في هذا الشأن وهذه الروایة هي متواترة وموثوق بها تماماً.

يتبع

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/2312 sec