رقم الخبر: 187555 تاريخ النشر: شباط 17, 2017 الوقت: 16:15 الاقسام: مقالات و آراء  
التاريخ، الدين، الجوار والمصير المشترك، حوّلت ايران والعرب الى جناحين للحضارة الإسلامية (2-6)
نائب رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في الشؤون الدولية للوفاق

التاريخ، الدين، الجوار والمصير المشترك، حوّلت ايران والعرب الى جناحين للحضارة الإسلامية (2-6)

لطالما كانت ثقافة الحوار قائمة بين الناس منذ الأزل، فالحوار هو بلا شك ضرورة حتمية فرضتها طبيعة البشر وفطرتهم المجبولة على التحدث مع الآخرين والاستماع إليهم، الحوار وسيلة لإيصال المعلومة الصحيحة.

س: ما هو السبب في التأكيد على الحوار مع العالم العربي؟ هل هناك تجاه خاص في هذا الموضوع؟

ج: التاریخ المشترك والتراث المشترك والدین والعقیدة المشترکة والمصیر المشترك وفي النهایة الجغرافیا والحدود المشترکة والجوار جعلت إیران والعرب بمثابة جناحین تحلّق بهما الحضارة الإسلامیة وفتح أعلی قمم التقدم والتطور الحضاري. وبناء علی هذا یجب أن یکون هذا الحوار تواصلاً وإستمراراً لذلك الحوار التاریخي. فضلاً عن ذلك أصبحنا في العصر الراهن في مواجهة ظروف مختلفة تماماً. وإنّ التطورات التي تطرأ علی الساحة، تطورات مصیریة وحاسمة لجمیع العرب والإیرانیین وهذا یفرض علینا مواصلة طریق الحوار والتفاوض. لقد أشرت أثناء حدیثي إلی قمّة التواصل بین إیران والعرب في العهد العباسي خاصّة بعد نقل العاصمة من دمشق إلی بغداد. لأنّ بغداد کانت قریبة إلی إیران جغرافیاً وفکریاً فکان بین بغداد وإیران نوعاً من التلائم والوئام الفکري وهذا ما جعل الحوار یبلغ ذروته آنذاك. وکان البلاط العباسي یعجّ بالشخصیات الإیرانیة وحتی یومنا هذا تحضی هذه الشخصیات للعراق المعاصر بأهمیة بالغة لأنّها أدت دوراً حاسماً في تطویر فکره. فلا تزال شخصیات مثل أبو نؤاس، وبشار بن برد، وإبن المقفع من ألمع الشخصیات في سماء الحضارة العراقیة الإسلامیة. وبعد ذلک ظهر علماء إیرانیون کبار مثل إبن سینا، والرازي، والسهروردي، والکثیر من العلماء الآخرین وهي بدورها عملت علی توسیع نطاق العلاقات الثقافیة والعلمیة بین إیران والعرب وتعزیزها. لکن وکانت هذه العلاقات في بعض الأوقات مشوبة بالتفاخر والتبجّح والتطاول علی الآخر، فمثلاً یقول الشاعر إسماعیل بن یسار: إذ نربّي بناتنا وتدسّون سفاها بناتکم في التراب.

أما المفردات الفارسیة فقد دخلت في اللغة العربیة وثقافتها بصورة واسعة النطاق.حتی أخذ العرب کلمة الوزیر من کلمة الزاویة الفارسیة ولم تکن  مفردة تدل علی هذا المنصب. فقد کانت اللغة العربیة اللغة الرسمیة ولغة البلاط والحکام العباسیین لمدّة ثلاثة قرون. وخلافاً للماضي الذي جعلت القضایا التاریخیة والثقافیة والدینیة والجفرافیة فالعرب أقرب الناس إلی الإیرانیین ومن أکثرهم تلائماً فکریاً، أصبحت الیوم الدعایة تترك أثرها علی أخوة إیران وخلقت الکثیر من التحدیات الکبیرة لهذا البلد، فالآلة الإعلامیة تزرع الخلاف بین العرب والإیرانیین تحت عناوين مختلفة، فتارةً تتهم إیران بأنّها دولة توسعیة، وتارةً تقول أنّها تبحث عن تأسیس إمبراطوریتها الفارسیة تحت عنوان الصفویة، ومرّة تتهمها بالسعي لإصدار الثورة، ومرّة أخری تقول أنّها تشکل خطراً للعرب والأمن القومي للدول العربیة، ومرّة تدعي أنّ العلاقات بین إیران والعرب لا تتحقق بسبب تباین الهویّة الثقافیة وتعارضها من الناحیة الدینیة، والتاریخیة، والعرقیة، وحتی اللغویة؛ ثم تدعي أنّ مجموع هذه الإختلافات تجعل الطرفین غیرقادرین علی التفاوض، وهذا ما یجعل الأمر صعباً جداً علینا. لذلک بناء علی جمیع هذه القضایا نعتقد أنّ ضرورة الحوار والتفاوض أصبحت أکثر إلحاحاً وأهمیة أکثر من أي وقت مضی. وفي زیارتي الأخیرة لمنطقة البلقان أکّدت مراراً وفي کل مکان وخاصة مراکز صنع القرار وإتخاذ القرارات الحاسمة، بأنّنا لا ینبغي أن نتأثّر بالإعلام العربي والغربي والفضاء الذي یراد له أن یسود بین المسلمین.

وهناك تیار ثالث یتمتع بقدرة مذهلة لکن لا ترضیه الظروف الراهنة، والتضارب والصراع السائد علی الساحة یغض مضاجعه لکن للأسف هذا التیار ليس له منبراً یعلن عبره عن أفکاره وآرائه لأنّه أصلاً لا یحظی بإهتمام الإعلام، لکنه تیار قويّ یمکن مشاهدة قوّته في کل مکان. ومن بین تأثیراته یمکن الإشارة إلی مؤتمر الصحوة الإسلامیة الذي أقیم أخیراً في بغداد، وعلی الرغم من الظروف المتوتّرة في العاصمة العراقیة وغیاب الأمن، کانت إقامته في بغداد إنجازاً باهراً. وقد ألقیت خطاباً في جامعة بغداد وجامعة المستنصریة التي کانت تربّي أفکار بعثیة في حقبة حکومة صدام حسین. لکن علی الرغم من ذلك واجهت کلمتي في تلك الجامعة إقبالاً باهراً. والتقاریر التي یقدمها لنا ملحقونا الثقافیین في العالم أسطع دلیل علی وجود مثل هذه الأجواء وفي زیارتي الأخیرة إلی بعض المناطق لمست هذه الضرورة الملحّة في خلق مناخ ملائم للتفاوض والحوار بین إیران والعالم العربي. لذلك لا ینبغي أن نستسلم أمام الأجواء القاسیة والدعایات المغرضة والنقطة الأخیرة حول البحث الذي أشرتم إلیه أرید أن أعرّج علیه بالسؤال التالي: إذا إردنا إلغاء الحوار من أدبیاتنا السیاسیة تجاه العالم العربي فما هي البدائل التي یمکن أن تحلّ محل الحوار؟ فإن کان البدیل هو الحرب والصراع اللفظي والصراع، فلا أحد یخرج منه منتصراً أبداً وسوف یجرّ الویل والثبور علی طرفي الصراع وهذا ما شهدناه في الماضي. فما الذي حققه حرکة طالبان؟ وما کان مصیر صدام حسین بعدما کان یشنّ حروباً في المنطقة وما الذي أنجزه من خلال تلك الحروب؟ وقد إختارت السعودیة الحرب والصراع الدامي في الیمن، لکن ماذا حققت بعد عامین من حربها ضد الیمن؟ أو بعد التقدم الذي أحرزه الجیش السوري وقوات المقاومة في حلب، السؤال یطرح نفسه بقوّة حول الإنجازات والمکاسب التي أحرزها التکفیریین والمتطرفین بعد کل هذا القتل والدمار؟ أنا أعتقد أنّ الحرب لا تنتهي بفوز طرف علی آخر، وطرفي الحرب سوف یتکبدون خسائر جسیمة، إذن وبناء علی هذه الدلائل، یکون الخیار الوحید أمام کل أطراف الصراع في العالم هو الحوار والتفاوض.

س: قد أشرتم في مستهل حدیثکم إلی أنّ العصر العباسي کان عصر الإزدهار وسبب ذلك هو التقارب الإیراني العربي. بینما شهدنا قبل هذا العصر وفي عهد بني أمیّة صراعاً بین إیران والعرب وکانت تُطرح قضایا مثیرة للجدل مثل قضیة الموالي والعرب التي کان من شأنها أن تصب الزیت علی النار وتعمّق الفجوة بین الشعبین. وهذه هي تجربة فاشلة بکل معنی الکلمة. لکن عندما نتقدّم في الحقب التاریخیة لنصل إلی الحقبة العباسیة نشهد التجربة الناجحة في الحکم، وعلی الرغم من أنّنا عشنا هذه التجربة الفاشلة لکن لایزال بعض الأفراد في العالم العربي یحاولون زرع الفتنة بین العرب والإیرانیین، ویثیرون قضایا مثیرة للجدل ویعزفون علی وتر الصراع والتطاحن.برأیکم ما هي الأسباب التي قد تؤدي إلی إثارة هذه القضایا المثیرة وتحاول إعادة تلك التجربة الفاشلة؟ هذه الأسباب والعوامل هي إما داخلیة وتنبع من داخل العالم العربي، وإمّا خارجیة وکلها تحاول زرع الفتنة بین صفوف المسلمین.

أرید القاء الضوء علی هذه الخلافات والتطرق إلیها بدقّة، وبرأیکم لماذا یتجاهل البعض تلك التجربة الفاشلة؟

ج: کانت تجربتنا في العصر الأموي فاشلة بمعنی الکلمة. فقد کان هناك حوار، وکانت علاقات لکن للأسف العصبیة القومیة والعرقیة حالت دون توطید العلاقات وتمّ إستغلال هذه العصبیة من أجل قلب الأمور لکن بعد ذلك أعید بناء هذه العلاقة من جدید في العهد العباسي. وأعتقد أنّ هذه التجربة المریرة التي نعیشها الآن یقف ورائها أحفاد بني أمیة وسلالتهم ونفس هؤلاء الأمویین وأفکارهم یريدون إعادة الأمة إلی الوراء من خلال أفکارهم الرجعیة وترید أن تعود بنا إلی المربع الأوّل. هذا هو الفکر الأموي بغضه وغضیضه. وللأسف إرتدی الفکر الأموي طابع الطائفیة الدینیة وناصبت الأعداء لأهل البیت وأحفادهم في هذا العصر یریدون السیر علی نهجهم. فهم لا یدخرون جهداً في سبیل إثارة النعرات الطائفیة وإثارة الصراع الطائفي والعنصري وجدلیة العرب والعجم. بمعنی أنّها تطمح لإعادة إحیاء الفکر العنصري-الطائفي الأموي علی ید بعض من أحفادها ولا شك أنّ هذه الأفکار تحضی بدعم مالي أجنبي کبیر وتتلقی أموال طائلة.

لکن هناك نقطتان هامّتان جدیرتان بالإهتمام، أولاً: لا ینبغي أن نقع في فخ المؤامرات، وثانیاً: لا نستخدم کل الآلیات لمواجهة هذه الأفکار وهذا الهجوم الفکري. لأنّه إذا  کان من المقرر أن یشنوا هذه الحملات من منطلق القومیة لا یجدر بنا اللجوء إلیه والرد المماثل. أما في العصر الحاضر بدأ هذا الصراع یطفو علی السطح من جدید من خلال العزف علی وتر الطائفیة فأثیرت قضیة الصفویة والعثمانیة وکان مجرد صراع سیاسي بحت لکنه أضفی علیه بعد ذلک طابع الدین والمذهب وقد تمکن طرفي الصراع من توسیع النطاق من خلال إضفاء الطابع الدیني علیه. ونحن للأسف حتی الآن ندفع هذا الثمن الباهض الذي حملّه علینا ذلك الصراع الطائفي. لذلك یتحتّم علینا التحلّي بالموضوعیة وتوخي الحذر للتصدي لمثل هذه الصراعات والنعرات الطائفیة ونجد لها ردوداً مفحمة في سیاساتنا.

أولاً: یجب علینا إعتبار الحوار الثقافي إستراتیجیة دائمة ولیس تکتیکا ومخططاً عابراً یتغیّر بتغیّر الأزمنة، لأنّ هذه الإستراتیجیة بطبیعة الحال لا تتغیّر حسب تغییر الظروف لأنّها إستراتیجیة کما یطلق علیها. ثانیاً:یجب أن ینطلق الحوار عبر إستشراف التاریخ المشترك وقراءته من جدید للتذکیر وزرع روح الإیمان بالإتحاد في قلوب الجیل الحاضر وهذه نقطة بالغة الأهمیة ویجب أن نزرع بذور الإیمان بالإتحاد في قلوب الجمیع لیکون شاملاً لکل الأطیاف والشرائح ولا ینبغي أن ننطلق بهذا المشروع من منطلق التفاخر والتبجح والنظرة الإستعلائیة. لأنّنا سوف نواجه الکثیر من المشاکل والتحدیات في حال إنطلقنا من هذه الفکرة. إنّ القراءة الأصیلة والصحیحة للتاریخ من دون الإهتمام بالقضایا المثیرة للجدل أمر بالغ الأهمیّة وهذا ما أکّد علیه کبارنا مراراً وتکراراً وشدّدوا علی أنّنا لا نقرأ التاریخ وإن قرأناه لا نکترث بما فیه.لذلك قراءة التاریخ من جدید مهم جداً بالنسبة لنا.

 ثالثاً: یجب علینا عند قراءة التاریخ المشترك، الإقرار بأنّ إزدهار الحضارة هو نتاج هذا التاریخ المشترك وهذا ما وصفناه بالجناحین للطائر. وهذان الجناحان هما العقیدة الواحدة وهذه العقیدة هي القبول بأنّ مصیرنا مصیر مشترك ومستقبل کل منّا مرهون بمستقبل الآخر. یجب علینا القبول بأنّ لنا حدودا مشترکة تربطنا ببعض، ولنا تاریخ مشترك.

يتبع

بقلم: د.عباس خامه يار  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
Page Generated in 0/2210 sec