رقم الخبر: 187608 تاريخ النشر: شباط 17, 2017 الوقت: 20:35 الاقسام: ثقافة وفن  
رحلة في تاريخ المسرح .. 10

رحلة في تاريخ المسرح .. 10

تحدثنا في المقالات الأربع السابقة عن المسرح في سوريا، وتناولنا خلالها أهم المراحل التي مرّ بها هذا المسرح من تطورات وأحداث سياسية، التي أثرت بشكل مباشر على مسيرته الفنية ونتاجاته وإبداعات كتابه الادبية. كذلك تطرقنا الى أهم أعلام المسرح السوري المعاصر، وهما (كنموذج) سعدالله ونوس، ومحمد الماغوط.

اليوم سيكون حديثنا عن المسرح المصري. الذي لا أعتقد أن الحديث عنه وعن أعلامه من كتاب ومخرجين الى ممثلين كبار، إلى جمهور عريض ساهم هو الآخر في دفع عجلة المسرح الى الامام، يمكن أن تستوعبه أربعة أجزاء، لما لمصر بالذات، من دور ريادي كبير وفضل لا يمكن التغافل عنه في تطور المسرح العربي.

بدايةً نقول بأن مصر لم تعرف المسرحية بأصولها العروضية الفنية الحديثة، إلا بعد اتصالها بالغرب، أو بالأحرى اتصال الغرب بها، وبالتحديد الادب المسرحي الغربي، الذي أخرج المسرح المصري من الأطر والظواهر التمثيلية التي كانت قد تضمنتها روايات خيال الظل لعقود عديدة شهدتها أيام الأيوبيين والمماليك، كذلك ما أبداه الخديوي اسماعيل من اهتمام بالفن المسرحي، وما تمخض عنه افتتاحه المسرح الكوميدي ثم مسرح الاوبرا، الذي كان متأثراً – الخديوي - بحياة الغرب، فحاول أن ينقل بعض من سماتها الى الحياة في مصر.

هذه الطفرة التي أحدثها اسماعيل، نقلت الشعب المصري بدورها نقلات تثقيفية فكرية ساهمت في خلق عالم مسرحي جديد ومتطور، أضفى على تاريخ المسرح العربي تاريخاً متألقاً بكل جدارة واستحقاق.

سعدالدين وهبة، شخصية أخرى من الشخصيات التي لمعت لأجل خشبات المسرح في مصر، فقد عرف عنه اهتماماته الجادة بقضايا المجتمع ومحاربته الفساد السياسي الذي كان مستشرياً آنذاك، وما خلفه هذا الفساد من آثار سلبية شكلت بدورها محاور تخلف خطيرة، خاصة على الطبقات الفقيرة. لكن صعوبة تقبل الناس للعروض النقدية السياسية بسهولة، بسبب انشغالهم بهمومهم وأحوالهم المعيشية، فقد لجأ الرائد الآخر الذي ظهر في عالم المسرح في مصر، نعمان عاشور، الى استخدام الكوميديا والسخرية في أغلب أعماله المسرحية، حين انتبه الى حاجة المواطن المصري الى شيء من الأعمال التي تخرجه من حالات الهم البؤس التي كانت ترافقه في حياته.

هذه الالتفاتة من لدن عاشور، جعلت الناس تتجه أكثر نحو المسرح، فحفزتهم على التواصل مع نتاجاته، وشجعت هذه العملية بالمقابل، الكتاب، على تطوير النصوص ذات الاحاسيس المأساوية، خاصة تلك التي تتعلق بسطوة الطبقة الغنية على الطبقات الفقيرة.

وهذا ما دفع الناس الى البحث بشكل جدي عن حياة أفضل لهم، حياة تضمن العدالة والمساواة، حياة لم يكونوا على بينة منها، فكانت الأعمال المسرحية الشيقة التي زخرت بها خشبات المسارح في مصر، ذات تأثير مباشر على هؤلاء الناس. وصارت الاعمال الساخرة فيما بعد، خاصة ذات الطابع السياسي، هي اللون المميز الذي بات يفضله المشاهد بعد ذاك.

بمعنى أن خشبة المسرح قد ساهمت مساهمة فاعلة في تفتق أذهان الناس نحو البحث عن أسباب الرفاهية والبحث عن أسباب الحرية والعدالة. أي باختصار صار المواطن المصري يجد لذة في متابعة تلك الاعمال المسرحية التي باتت تشعره بمعنى وجوده، ومعنى أن يكون حراً بعيداً عن الفقر وبعيداً عن سطوة واستغلال الاغنياء. وهذه هي الرسالة السامية التي لا يمكن أن تفارق أبداً، أهداف وغايات المسرح في كل مكان وزمان.

إذن، يمكن القول بأن المسرح المصري قد استثمر بشكل مباشر واقع مجتمعه ونقل حقيقته، وإن كانت مرة جداً، لكنه أمسى المرآة العاكسة دون تزويق أو تحريف، ودون أن يتأثر بالمناخات الاوروبية، مثلما حصل مع بداية نشأة المسرح في لبنان، رغم أن المسرح المصري قد فتح على يد الفرنسيين.

أي أن الاحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردية كانت بمثابة الرافد الاساس لإشعال فتيل الغضب لنهضة المجتمع المصري، المسرحي على وجه التحديد، حين انتفض بوجه السلطات وبطشها، واستطاع دخول معترك الجولات المصيرية في حياتهم بكل رباطة جأش، سواء أكانوا أعضاء خشبة المسرح أو الجمهور.

ميخائيل رومان، ألفريد فرج، نجيب سرور، سعد أردش، يوسف وهبي، نجيب الريحاني، أنور وجدي وغيرهم وغيرهم، كانوا أعلاماً من أعلام المسرح العربي والمصري. فميخائيل رومان، يعد من أكثر الكتاب المسرحيين الذين واجهوا الواقع الاجتماعي المصري بكل أنواع التمرد والاحتجاج، فوقف وقفة جادة بوجه كل الاساليب والاشكال التي كانت تصادر حريات الانسان وتقهره. كذلك الحال مع ألفريد فرج الكاتب المسرحي المعروف الذي كانت ارتباطاته بإحدى الحركات السياسية واعتقاله لأكثر من خمس سنوات، سبباً كافياً لإطلاق صيحات الغضب ضد المحتل، خاصة بعض أعماله المشهورة مثل "حلاق بغداد" عام 1963، و"عسكر وحرامية" عام 1965، و"النار والزيتون" عام 1970، التي تحدثت عن محنة الشعب الفلسطيني.

أما نجيب سرور، المولود في قرية فلاحية صغيرة، كانت تقتات على ما يزرعه الاهالي. فقد شبت في داخله روح الحماس ونمت ملامح الرفض والتحدي إزاء اهمال الحكومة لهذه القرية. فأدرك نجيب وهو طفل صغير، الفرق بينه كطالب في مدرسة حكومية مجانية مكتظة، وبين طلاب مدارس المدن الكبيرة ذات الرعاية والاهتمام الكبيرين من قبل الحكومة نفسها. يقول نجيب سرور في إحدى قصائده:

أيها الحزن .. لماذا يعشقونك !!

المساكين الضحايا ..

صوروا رمزك طفلاً

فرشوا دربك رملاً

فتحوا الابواب، غنوا .. رتلوا .. أهلاً وسهلاً.

مرحباً يا حزن .. أقدم واسكن الصدر

المساكين الضحايا ..

أشعلوا النار وطافوا،

حول تمثالك رقصاً ..

نلاحظ من خلال هذا المقطع الشعري، الحزن العميق الذي ملأ قلب الشاعر الفنان نجيب، وهو يرى ويلمس عفوية الناس الطيبيين من جانب، وبؤسهم واستسلامهم في نفس الوقت لواقع حياتهم من جانب آخر، بحيث راحوا يعشقون الحزن ويرقصون حوله. فأي حياة بائسة كان يعيشها أهالي قريته.

لذلك فالواقع الاجتماعي وفوارقه الشاسعة بين طبقاته، كانت المادة الدسمة التي أغنت هؤلاء الاعلام في الوصول بالادب المصري، وخاصة المسرحي منه، الى دروب النضال والمقاومة ضد الظلم والقهر والاستغلال. لهذا أدرك نجيب أهمية قضية شعبه، فحاول إشغال مساحات واسعة لها على المسرح لأجل كشف الحقيقة ووضعها في متناول المشاهد على طبق من ذهب.

الكاتب والمخرج والممثل سعد أردش من مواليد محافظة دمياط، يوسف وهبي الذي أنشأ عام 1923 مسرح رمسيس، عبدالمنعم مدبولي، فؤاد المهندس، عادل إمام. أعلام كثيرة أخرى ناضلت وجاهدت وأوجدت إثر ذلك لمصر، مسرحاً قومياً وطنياً علا شأنه في سماء المسارح العربية بكل اقتدار، لا يمكن للزمان أن يتغافل عنهم، ذلك أنهم كفنانين، لم يأبهوا لسجن أو ملاحقة ولم يهتموا لفقر حال أو عدم حصول على مناصب هنا وهناك، إنما كان سعيهم ودأبهم يصب فقط في صالح قضية شعبهم وقضية أمتهم، فصار للمسرح على أيديهم وبكل أشكاله المتعددة، الدور المهم في حياة مصر، ليعطي الصورة الجلية عن الواقع، وعلاقة الانسان، بهذا الواقع.

تابعونا ....

 

 

 

 

بقلم: حسام روناسي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 3/7181 sec