رقم الخبر: 188080 تاريخ النشر: شباط 21, 2017 الوقت: 16:06 الاقسام: مقالات و آراء  
إيران والسعودية.. وجبر الجغرافيا

إيران والسعودية.. وجبر الجغرافيا

أن يُعيد وزير خارجية السعودية عادل جبير ما قاله وزير الحرب «الاسرائيلي» افيغدور ليبرمان عن ايران وبالنص في مؤتمر ميونيخ للأمن، هو أمر لم يعد مستغربا منذ وقت طويل، فمواقف السعودية و«اسرائيل» ازاء مجمل القضايا التي تشهدها المنطقة بدء من فلسطين وسوريا ومرورا باليمن والبحرين والعراق وانتهاء بإيران وحزب الله متطابقة بالكامل، ولكن ان يستميت ليبرمان بالدفاع عن «السعودية»، والجبير عن «اسرائيل» امام «التهديد الايراني»، هو المستغرب.

بعد ان القى ليبرمان والجبير كلمتيهما، واللتان تمحورتا حول «الخطر الايراني» الذي يهدد السعودية و«اسرائيل» والمنطقة والعالم، داعيان الى التصدي لهذا الخطر، فإذا بوزير الحرب «الاسرائيلي» يعلن وبصريح العبارة ان هدف ايران هو «تقويض» السعودية، معلنا «براءة» السعودية من الارهاب التكفيري الذي يضرب اغلب دول المنطقة، فرد وزير الخارجية السعودي جميل ليبرمان بالقول: «ان إيران تبقى الراعي الرئيسي المنفرد للإرهاب في العالم»، شاطبا هكذا من عنده، على السجل الإرهابي للكيان الصهيوني على مدى اكثر من 6 عقود بجرة قلم، محملا بالمقابل الجمهورية الاسلامية في ايران مسؤولية كل ما نزل بالعرب والمنطقة من ويلات.

ومن اجل ان تحصل تركيا على مقعد في القطار الامريكي الذي يسعى الرئيس الامريكي الجديد دونالد ترامب تدشينه في المنطقة، شن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو بدوره هجوما على السياسة الايرانية واصفا اياها بـ «الطائفية»، وأنها تهدف إلى «تقويض البحرين والسعودية»، وأن بلاده «تعارض تماما أي انقسام سواء ديني أو طائفي»، الا انه لم ينس في الختام التأكيد على ضرورة «القيام بتطبيع علاقات بلاده مع إسرائيل».

نرجو التوقف امام عبارة «تقويض السعودية» التي استعارها تشاووش اوغلو بالنص من وزير الحرب «الاسرائيلي» ليبرمان لأنها تعني الكثير، كما نرجو أيضا  المرور مرور الكرام من امام النقد الذي وجهه وزير الخارجية التركي للسياسة «الطائفية لإيران»، لأنه بصراحة كلام مضحك الى حد كبير، فالخطاب السياسي التركي ازاء سوريا والعراق واليمن والبحرين وكل بلدان المنطقة، هو خطاب طائفي مطعم بنكهة قومية متعصبة،  فتركيا تعادي بعض الحكومات على اساس طائفي، وتنصر اخرى على اساس طائفي، بل انحدرت السياسة التركية ازاء بعض دول المنطقة الى المستوى الحزبي كما هو موقفها من مصر وبعض الدول الأخرى، اما خطابها القومي المتعصب فيتجلى من خلال فرض نفسها وصيا على كل الأقليات التركمانية في العراق وسوريا وأماكن اخرى، وتعلن ليل نهار ان لها الحق في التدخل عسكريا في تلك البلدان اذا ما تعرضت هذه الاقلية للخطر.

لسنا هنا في وارد الرد على تهافت كلام ليبرمان والجبير وتشاووش اوغلو، عن «الجهة» او «الجهات» التي تزعزع امن واستقرار دول المنطقة، فالجميع بات يعرف من هي الجهة او الجهات التي تحتل ارض الغير وتشرد شعبه وتبني فوقه كيانا مشوها بقوة الاستعمار الغربي الظالم، ومن هي الجهة التي ترسل جيوشها عنوة لتعسكر في اراض الغير بذريعة محاربة الارهاب، ومن هي الجهة التي ترسل المجاميع التكفيرية ومنها «داعش» بعناوين مختلفة وبشهادة حلفائها في واشنطن الى بلدان المنطقة ليزرعوا فيها الفتن والفوضى، ومن هي الجهة التي ترسل جيشها الى بلد جار لإحتلاله وقمع شعبه بالحديد والنار لأنه انتفض على حكومته المستبدة، ومن هي الجهة التي تقوم بالتحالف مع دول عدة ومن بينها دول عربية، لشن حرب شاملة ستدخل عامها الثالث قريبا على شعب عربي اصيل بذريعة تضحك الثكلى، والأدهى من كل ذلك يزعم الجبير ان ايران «تدعم الانفصالين في هذا البلد»، ولا ندري كيف يمكن لمجموعة قليلة من الانفصاليين ان تحارب كل هذه الجيوش الجرارة على مدى عامين وتلحق بها الهزائم رغم الحصار البري والجوي والبحري الذي دفع باكثر من 20 مليون انسان في هذا البلد للوقوع بين فكي المجاعة.   

رغم كل المحاولات التي تبذلها السعودية، من اجل ان تتناغم في خطابها مع  «اسرائيل» ازاء ايران، ورغم كل الاموال الهائلة التي تنفقها السعودية لتأليب العالم كله وخاصة امريكا و«اسرائيل» ضد ايران، الا ان ايران لم ولن تضع السعودية في خانة واحدة مع «اسرائيل»، رغم ان تصريحات الجبير الأخيرة جاءت ردا على دعوات ايران للحوار من اجل مصلحة المنطقة، وهذه الدعوات جاءت على لسان الرئيس الايراني حسن روحاني الذي اكد إن أساس السياسة الخارجية الإيرانية قائمة على حسن الجوار مع الجيران والحفاظ على أمن الخليج الفارسي، وأن التخويف من إيران والتخويف من «الشيعة» والتخويف من «السنة» والتخويف من الجار «أمور مصطنعة من قبل الأجانب»، كما جاءت على لسان رئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني الذي دعا الى حوار مباشر مع الدول العربية وعلى رأسها السعودية ومن دون شروط مسبقة، واخيرا جاءت على لسان وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف الذي حث دول الخليج الفارسي على التعاون مع إيران لمعالجة «أسباب القلق» والعنف في المنطقة.

هناك من يستغرب دعوات ايران المتكررة للحوار مع السعودية، واعتماد خطاب هادئ ازاء جارتها التي اخذ خطابها يتطابق مع الخطاب «الاسرائيلي» الى حد كبير، الا ان العارفين بطبيعة السياسة الايرانية والمبادئ التي تحكم هذه السياسة، لن يستغربوا ابدا من هذه الدعوات وهذا الخطاب، فهم على معرفة من:

- ان ايران وايمانا بما تملك من قوة ردع هائلة، تعلم علم اليقين ان لا «اسرائيل» ولا امريكا تتجرءان على مهاجمتها، وهذه الحقيقة لا تريد السعودية تصديقها، ولهذا السبب كثيرا ما تعرضت لعمليات شفط امريكية وغربية و«اسرائيلية» لخزينتها.

- ان ايران تؤمن ايمانا قاطعا ان امنها من امن السعودية ومن امن بلدان المنطقة والعكس صحيح، لهذا تعمل بكل ما تملك من امكانيات ابعاد التهديدات عن المنطقة ومساعدة دولها في التصدي للارهاب بكل اشكاله، وتدعو الى حل الازمات السياسية، مهما تعقدت،  بالوسائل السلمية والحوار، فعام واحد من الحوار اقل كلفة من حرب يوم واحد، وهذه الحقيقة أيضا لا تؤمن بها السعودية لأنها تعتقد ان الحرب هي انجع وسيلة لحل الازمات، كما هو موقفها من الازمات في اليمن وسوريا والبحرين.

- ان ايران ورغم اختلافها مع السعودية ازاء العديد من القضايا، الا انها لم ولن تفكر يوما ان تشطب السعودية من سياستها، او تتعامل مع السعودية على انها «مشكلة» يمكن ان تحلها كما تريد، ولكن في المقابل تتعامل السعودية مع ايران انطلاقا من فكرة ان بمقدور امريكا و«اسرائيل» ان تحذفا ايران من جغرافيا المنطقة، او هكذا يتم الايحاء لزعماء السعودية، وهذه الحقيقة اشار اليها الوزير ظريف في مؤتمر میونخ عندما اكد على ان تحقیق الامن في هذا العالم المترابط على حساب سلب الامن من الاخرین امر غیر واقعي.

- ان ايران تعلم جيدا انه في حال ركب ترامب راسه او تم تطميعه من السعودية، او تحريضه من قبل «اسرائيل»، وهاجم ايران، ستكون حينها ساحة المعركة منطقة الشرق الاوسط ومن ضمنها السعودية وليس امريكا، وهو ما لا تريده ايران مطلقا، ولكن هذه الحقيقة الواضحة كثيرا ما تغيب عن اذهان زعماء السعودية، الذين يتصورن ان بإمكان عدد من الصواريخ الامريكية  ان ترسم خارطة المنطقة وفقا لمقاييسها او مقاييس ترامب او «اسرائيل».

-ان ايران تؤمن ايمانا قاطعا بدور الشعوب في مستقبل المنطقة وفي مستقبل الصراع مع «اسرائيل» وفي التصدي للهيمنة الامريكية، وهذا الدور كثيرا ما افشل المخططات الامريكية و«الاسرائيلية» التي كانت تستهدف المنطقة وشعوبها، فهؤلاء ابطال حزب الله الذين لم يتجاوز عددهم بضعة آلاف انزلوا اكبر هزيمة بـ «اسرائيل» على الاطلاق، وهؤلاء ابطال حماس والجهاد والمقاومة الفلسطينية المحاصرين منذ سنوات في غزة الذين اذلوا الجيش «الاسرائيلي» في اكثر من منازلة، وهؤلاء ابطال انصار الله والجيش اليمني وقفوا في وجه عدة جيوش حاولوا تدنيس ارضهم وكبدوهم خسائر فادحة، وهؤلاء ابطال الحشد الشعبي انقذوا العراق من عصابات «داعش» المدعومة من قوى دولية واقليمة، الا ان السعودية لا تؤمن بهذه الحقيقة، وتصر على ان القوة التي تتحكم بالعالم هي قوة امريكا و«اسرائيل» فقط .

- ان ايران تعتقد ان ترامب ونتنياهو، دفعا السعودية للصعود الى اعلى الشجرة، عبر الحديث عن «محور سني اسرائيلي» بدعم امريكي، «سيتصدى» لإيران، وان هذا التصدي بات وشيكا، ومن خلال هذه «النشوة» التي حقنوا بها السعودية، رضخت الأخيرة وعن طيب خاطر لأوامر ترامب بدفع تكاليف المنطقة او المناطق الآمنة في سوريا التي ينوي ترامب اقامتها هناك، دون ان تكلف السعودية نفسها وتسأل كيف يمكن لامريكا ان تقيم مناطق آمنة في سوريا؟، وما هي الامكانيات التي لديها لتنفيذ هذا المخطط؟، وهل سيورط ترامب الجيش الامريكي في المستنقع السوري، وهو الذي طالما انتقد اوباما لتوريطه امريكا في ليبيا؟.

لهذه الاسباب وغيرها الكثير، لم ولن تنجر ايران وراء الخطاب «الاستفزازي» العبثي  للسعودية فحسب، بل ستحاول بشتى الوسائل انزال السعودية من اعلى الشجرة، عبر تكرار الدعوة للحوار البناء معها، كبلدين جارين مسلمين، وليس بمقدور اي منهما، بحكم الجغرافيا، ان يشطب الاخر من المعادلة الاقليمية، ولا خيار امامهما لحل مشاكلهما الا خيار الحوار، وما بقي من خيارات اخرى، كالتي يروج لها ترامب ونتنياهو، لن تكون في اي حال من الاحوال في صالح السعودية.

 

 

بقلم: ماجد حاتمي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: شفقنا
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 2/3656 sec