رقم الخبر: 188082 تاريخ النشر: شباط 21, 2017 الوقت: 16:07 الاقسام: مقالات و آراء  
التاريخ، الدين، الجوار والمصير المشترك، حوّلت ايران والعرب الى جناحين للحضارة الإسلامية (السادس والأخير)
نائب رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية في الشؤون الدولية عباس خامه يار للوفاق:

التاريخ، الدين، الجوار والمصير المشترك، حوّلت ايران والعرب الى جناحين للحضارة الإسلامية (السادس والأخير)

س: ما هو رأيكم فيما يتعلق بالتواصل والحوار مع العالم العربي؟ ج: أجدد تذکیري بهذه القضیة بأنّنا في حوارنا مع العالم العربي، یجب أن نعرف تماماً بأنّنا لسنا أمام عالم عربي موحد وإنّما هناك عوالم عربیة. فقد إنهار العالم العربي الیوم ولم یعد ما یوصف بالعالم العربي ککتلة موحّدة.

وهذا بالنسبة لنا یشکل فرصة وتهدیداً. ففي منتصف القرن الماضي کان العالم العربي موحّداً وتحت تأثیر القومیة التي تقودها شخصیة جمال عبدالناصر الکاریزمیة وبلد بحجم مصر. وکان دور المفکرین المصریین بارزاً وکانوا قادرین علی أداء دور في تکوین العالم العربي.کان في الماضي یجتمع المفکرون والسیاسیون العرب في مقاهي بیروت- وقد أصبحت من المعالم الأثریة في شارع الحمرا والکثیر من المثقفین یعرفونها- وکانوا یخططون للعالم العربي وطریقة الحکم وکان بعضهم له دور مهم في صنع القرار في العالم العربي. لکن الآن لم تعد بیروت تحظی بهذه المکانة. وکان في الماضي یؤدي النفط والدین دوراً بارزاً في السیاسة. وکانت السعودیة قادرة علی أداء هذا الدور. لکن الآن الکراهیة الکبیرة التي یکنّها قسم كبير من العالم العربي تجاه الحكومة السعودیة، علی الرغم من المظاهر الکاذبة، کراهیة شاملة. فلم تعد السعودیة تحضی بتلك المکانة الدینیة والإقتصادیة وسياساتها آیلة إلی الزوال. کان في الماضي دور القوّة العسکریة لصدام حسین کبیراً جداً في صنع القرار العربي، بینما نری العراق الیوم يواجه مشاكل كبيرة بکل معنی الکلمة. کما أنّ القذافي کان له دور بارز في القرارات السیاسیة لکنه خاب أمله بالعالم العربي وتوجّه نحو إفریقیا وقاد الإتحاد الإفریقي. وأصبحت الآن شبه دویلات حدیثة مثل الإمارات وقطر والدول الأخری التي بدل أن تعمل علی التضامن والتکافل في العالم العربي، تعزف علی وتر التفرقة والشقاق وإثارة النعرات الطائفیة، إذن لم یعد أمامنا ما یسمی بالعالم العربي.

یجب أن نستغل هذه الفرصة وهذا التشرذم والروح الإنهزامیة التي یعاني منها. ولا أقصد الإستغلال السيء وإنّما أقصد الإستفادة فهذه لیست إنتهازیة. ونحن لا نرتاح للظروف الراهنة، لکن یجب أن ننطلق في حوارنا مع العرب من منطلق هذا التشرذم والتشتت. فلم یعد أمامنا الیوم حاجز القومیة العربیة المتطرفة والشوفينية کما شهدناها في الماضي. ولم یعد قادة مثل صدام حسین الذين یکنون کل الحقد والکراهیة ضد الفرس، لابد لنا من أداء دور في هذه العلاقة. وعلی أیّة حال یعاني العالم العربي من بعض الإختلافات والصراعات هناك قضیة الأکراد وهناك قضیة الأقباط والبربر، وأمامنا التجربة السودانیة وإنفصال الجنوب عن الشمال وکل هذا یدل دلالة واضحة علی التفسخ العربي المؤلم وهذا له تأثیره الثقافي. وفي الخلافات التي تسود في العالم العربي، یضرب الفساد الإقتصادي بطول البلاد وعرضها.

 إنّ الخلاف الطبقي بین کل مجتمع من المجتمعات العربیة وداخل حدود کل دولة وخارج الحدود صنع من المجتمع العربي مجتمعاً حاقداً علی بعضه یضمر الحقد والضغینة علی أخیه، وهذا ما شهدناه بوضوح عند إحتلال الکویت علی ید جیش البعث العراقي عندما صفق وزمّر كثيرون من العرب للمحتل لأنّ هذا البلد بهذا العدد السکاني القلیل یملك ثروات طائلة جنونیة بینما یعاني الكثير من العرب من الإختلاف الطبقي.

أما في القضایا السیاسیة فقد نری قمّة الخلاف والصراع الداخلي.نحن نشهد رأي العین کیف یسعی کل مجتمع من المجتمعات العربیة للإبتعاد عن المرکز. وإنّ الصراع الدیني والمذهبي والطائفي والقبلي مشهود في کل تفاصیل المجتمع وقد أقرّ الیوم المثقفین والکتاب العرب بهذا الإختلاف، فعندما تُطرح أمامهم قضیة العالم العربي یتساءلون ناکرین، أي عالم عربي؟ لا یوجد ما یسمی بالعالم العربي. ما هو موجود إرهاب وتطرف ودمار أتی علی الأخضر والیابس.

س: ما هو دور اللغة في هذا التقارب بين الايرانيين والعرب؟

ج: کما قلت لکم في مستهل کلامي أنّ الخطوة الأولی في سبیل لم الشمل بین الحضارتین الإیرانیة والعربیة، هي اللغة. لأنّ اللغة کانت قبل فجر الإسلام کعامل للتضامن والتقارب. إنّ اللغة لطالما کانت عامل التقارب والتواصل بین الأمم والشعوب. إنّ مصدر إستخدام اللغة في الدرجة الأولی هو الحاجة وفي الدرجة الثانیة، الإعجاب. وقد أسهب الکتاب حول هذا الأمر. وقد أکّد الدکتور صبحي صالح علی هذه القضیة ویری التأثیر والتأثر بین اللغات من القیم الإجتماعیة والإنسانیة، ویری عملیة الأخذ والعطاء بین اللغات بأنّها ظاهرة بشریة متمیّزة وقد قدّم اللغویون المعاصرون الکثیر من الدلائل حول صحّة هذا الإدعاء. وکلها جاءت في کتاب«فقه اللغة» للدکتور صبحي صالح. وعامل الجوار الجغرافي له دور بارز في دخول بعض المفردات إلی اللغات الأخری. فکم من مفردة فارسیة جاءت في القرآن، مثل السندس، والإستبرق، والمرجان، والسجیل، والسرادق وغیرها. قصدي مما قلت أنّ الإیرانیین کان لهم نفوذ وتأثیر کبیرین من ناحیة اللغة. وکان هذا التأثیر قبل الإسلام أیضاً بحیث ذُکر في القرآن وبعد ذلك عُرّبت الکلمات المذکورة في القرآن الكريم.

شخصیة مثل المتنبّي الذي یُعتبر أکبر شاعر عربي علی الإطلاق لجأ إلی إستخدام اللغة الفارسیة في أشعاره لأکثر من مرّة وقد قام عشرات الشعراء بترجمة هذه الأشعار. إنّ إستخدام المفردات الفارسیة أو اللغة الفارسیة لیس بسبب غیاب المفردات العربیة وإنّما هي دلیل علی التبادل بین اللغتین والتداخل الذي عاشته إذ کل واحدة تقتبس من الأخری وهذا الموضوع قد تطرّق إلیه بالتفصیل الکثیر من شرّاح دیوان المتنبي ومن أبرزها کتاب النزعة القومیة في شعر المتنبّي للکاتب الدکتور عدنان. لابد أن نعلم أنّ اللغة الیوم أنجع وسیلة لتمتین العلاقات الثقافیة والحضاریة وهي أبرز وسیلة لعرض الأفکار والثقافات لکل أمّة. إنّ اللغة مرکب الفکر والتعبیر، ورمز من رموز الحضارة البشریة. ففي الحقیقة اللغة والفکر وجهان لعملة واحدة.

 إنّ تعدد الأفکار تکوّن البنیة التحتیة للفکر والمجتمع البشري والمجتمع البشري لا یستطیع مواصلة الحیاة بلغة واحدة، بمعنی أنّ اللغات المتعددة تستطیع الخوض في اللغات المتعددة. وقد أکّد القرآن علی هذه القضیة وحیث یقول: «وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمين» تری هذه الآیة تصف أنّ إختلاف الألسنة جزء من الخلقة. علی أیّة حال إختلاف اللغات وتعدد الألسنة ضمان لمواصلة تعددیة الأفکار والآراء. وهذا ما یجب أن نأخذه بعین الإعتبار في الحوار الإیراني العربي.

 نحن في رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامیة نهتم بشکل کبیر بهذا الأمر وکلما واجهنا مشکلة في تواصلنا مع الآخر إتضح لنا أن المشکلة تکمن في غیاب المعرفة الشاملة من الآخر. إن اللغة هي جسر التواصل. أما الشاعر الأوروبي الکبیر غوطه فقد یقول: عندما قرأت ترجمة أشعار حافظ الشیرازي شعرت بأنّني أولد من جدید. هذا هو تأثیر اللغة. یقول غوطه:لم یعد هناك طریق لفصل الشرق عن الغرب. یا حافظ أنت قبلتي ومقتداي وقائدي، أنّ معرفة اللغة ومدّ الجسور بین الثقافات یتکوّن التضامن والتکافل. لذلك من أهم قضایا الحوار هي اللغة. إنّ تاریخ علاقاتنا حول اللغة بحث عمیق ولا أرید الخوض في هذه القضایا.

س: برأیکم ما هو المستقبل الذي یتوقع من الحوار الثقافي بین إیران والعرب؟

ج: للرد علی هذا السؤال أرید التعلیق علی هذه النقطة أنّ کل حوار بنّاء یفضي إلی التضامن الثقافي، یُعتبر خطوة جبارة نحو الحضارة الإسلامیة الجدیدة، ونحو التسامح الثقافي الذي عشناه في الماضي. إنّ التسامح الثقافي الذي عشناه في الماضي، جمع بین البصرة والکوفة وبغداد وخوارزم ونیسابور وإصفهان وهمدان والري وحوّلتها إلی عواصم ثقافیة إذ شهدت هذه المدن محاضرات بین العلماء في جمیع المجالات العلمیة والأدبیة والثقافیة والفنیة، والحضاریة وجمعت العلماء العرب والإیرانیین وکان کل منهم یمثّل مجال خاص من العلم لذلك یجب أن نأخذ هذا التاریخ بعین الإعتبار في نظرتنا المستقبلیة.

لا یجدر بنا أن نتجاهل هذا التاریخ الطویل وهذه العلاقة، إذ وقف الکثیر من العرب إلی جانب الکثیر من الإیرانیین ضد حکام الجور علی مرّ العصور. وهؤلاء الحکام إمّا کانوا یحملون عنوان الخلیفة إمّا عنوان الحاکم وقد أجحفوا کثیراً في حق الإیرانیین ولقي منهم الإیرانیون الکثیر من التجنّي والإضطهاد ومارس علیهم الحکام العنصریة والتمییز. لکن الکثیر من المفکرین العرب وقف إلی جانب الإیرانیین وأدانوا الإضطهاد الذي کان یتعرّض له الإیرانیون. کما أنّ هناك الکثیر من الإیرانیین وقف إلی جانب العرب ودافعوا عنهم وناضلوا في هذا المجال، إنّ موقف الثورة الإسلامیة الإیرانیة تجاه الشاه لقي دعماً  کبیراً من العرب. لأنّ الشاه ونظامه کان دائماً یتخذ موقفاً عنصریاً ومناهضاً تجاه العرب. ومن أبرز مبادراتنا تجاه العرب ومحاولة التقارب تتمثل في تعلیم اللغة العربیة الذي ینص علیه الدستور الإیراني وهو نابع من نظرتنا الودّیة تجاه العرب. بهذه المقدمة أعتقد أنّه من الواجب إعادة النظر في هذه الأهداف السامیة وبناءً علی هذه الخلفیة التاریخیة، نسعی لنیل أهدافنا بکل أمل.

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
منى بعزاوي شباط 24, 2017 - 23:43
rateup0
ratedown0
الرد
comment تحياتنا و تقديرنا للسيد عباس خامه و حقيقة صدقت في التحليل و الدراسة و نتفق معك في ضرورة تجاوز الطائفية و العمل على بناء مستقبل أفضل قائم على أساس الثقافة لاعتبارها مهد التواصل الاجتماعي و الفكري بين الأمة الإسلامية. دمت القنديل الذي ينير درب المسلمين و دامت أفكارك البناءة داخل منظومة الحوارات و المنظمات الثقافية
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1110 sec