رقم الخبر: 189752 تاريخ النشر: آذار 13, 2017 الوقت: 13:22 الاقسام: مقالات و آراء  
أردوغان وقابلية خلق الأزمات مِن لا شيء

أردوغان وقابلية خلق الأزمات مِن لا شيء

كلنا يتذكر رد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على طلب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بسحب الجيش التركي من منطقة بعشيقة العراقية، والذي قال فيه: «أنت لست ندي ولست بمستواي، وصراخك في العراق ليس مهما بالنسبة لنا على الإطلاق، فنحن سنفعل ما نشاء، وعليك أن تعلم ذلك، وعليك أن تلزم حدك أولا».

هذا التصريح الصادم وغير المألوف دبلوماسيا، احرج حينها حتى المتيمين باردوغان، فقد حاول البعض منهم تبريره كل على طريقته، ولكن مع تزايد تورط اردوغان في ازمات المنطقة، التي كان هو من اكبر صُناعها، وبعد تفريغه بعضا من  شحنات التأزيم العالية التي لديه مع اوروبا، بات من الصعب على المدافعين عنه ان يجدوا ما يكفي من تبريرات للكم الهائل من التصريحات الصادمة والخارجة عن كل ما هو مألوف، بل و«المجنونة» و«غير اللائقة»، على حد تعبير رئيس الوزراء الهولندي مارك روته.

المتتبع لمواقف وتصريحات اردوغان ورجال حزبه الاخيرة، على خلفية الازمة التي اختلقوها خلقا من لا شيء مع المانيا وهولندا وبعض الدول الاوروبية الاخرى، بسبب عناد واصرار اردوغان على تنظيم تجمعات جماهيرية للجاليات التركية في اوروبا حول الاستفتاء الذي سيجري في اواسط شهر نيسان/ابريل المقبل على التعديل الدستوري ويشارك فيها المسؤولون الأتراك دون اخذ الإعتبارات الأمنية لهذه الدول بالحسبان، سيُصدم كما صُدم وأكثر مما قاله اردوغان عن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي.

بدأت معركة اردوغان مع المانيا التي رفضت اقامة تجمعات جماهيرية في مدنها حول الإستفتاء التركي الذي يستهدف اضعاف البرلمان وهيمنة اردوغان على مقدرات تركيا، فما كان منه الا ان خاطب الالمان قائلا: إن «ممارساتكم لا تختلف عن ممارسات النازيين، اعتقدت أن ألمانيا تخلت منذ فترة طويلة عن هذه الممارسات، لكنني كنت على خطأ»، الأمر الذي دفع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل للدعوة الى ضبط النفس، الا انها اعتبرت تصريحات أردوغان ومسؤولين أتراك آخرين في هذا الأمر بأنها «محزنة وفي غير محلها تماما، ولن نسمح بأن يتم الإستخفاف بضحايا النازية عبر هذه المقارنات».

معركة اردوغان الكبرى كانت مع هولندا التي دعت الاتراك الى تنظيم تجمعات جماهيرية في مباني السفارة او القنصلية التركية وليس في مراكز او قاعات يصعب توفير الأمن لها في ظل الانشقاق السياسي الهائل في المجتمع التركي والذي انتقل الى الجاليات التركية في هولندا وغيرها، الا ان المسؤولين الأتراك رفضوا هذا الإقتراح وأصروا على القدوم الى هولندا للمشاركة في التجمعات الجماهيرية، بل وهددوا هولندا بالويل والثبور وعظائم الامور، فكان رد السلطات الهولندية منع طائرة وزير خارجية تركيا مولود جاويش اوغلو من الهبوط في روتردام، كما ابعدت وزيرة الأسرة التركية فاطمة بتول صيان التي تسللت الى هولندا عبر المانيا.

الاجراءات التي اتخذتها هولندا جاءت ردا على تصريحات وزير الخارجية التركي جاويش اوغلو الذي اكد انه سيسافر الى رتوردام مهما كلف الأمر وقال: «اذا كان ذهابي سيزيد التوترات فليكن.. وما الضرر الذي سيصيبهم من ذهابي؟ أنا وزير خارجية وأستطيع الذهاب حيث شئت»، وهدد بعقوبات سياسية واقتصادية قاسية إذا منعت هولندا هبوط طائرته في رتوردام، وأضاف مخاطبا حكومتي ألمانيا وهولندا: «لا يمكن لأي منكم أن يمنعنا... نستطيع أن نذهب إلى أي مكان نريده للقاء مواطنينا وعقد تجمعاتنا».

اما ردة فعل اردوغان فكانت كالعادة خارج كل الأعراف فوصف الحكومة الهولندية بأنها: «بقايا من النازية، هؤلاء هم فاشيون» وأضاف: «إمنعوا  وزير خارجيتنا من القدوم قدر ما تشاؤون، ولنرى من الآن فصاعدا كيف ستهبط طائراتكم في تركيا»، انهم «سيدفعون بالتأكيد الثمن وسيتعلمون أيضا ما هي الدبلوماسية. سنعلمهم الدبلوماسية الدولية».

السلطات التركية لم تكتف بالتصريحات بل تجاوزتها الى العمل، فقد استدعت الخارجية التركية القائم بأعمال السفارة الهولندية، كما اكدت إنها لا ترغب في عودة السفير الهولندي إلى أنقرة بعد انتهاء اجازته التي يقضيها في هولندا، واغلقت السلطات التركية الطرق المؤدية الى السفارة الهولندية في أنقرة والقنصلية الهولندية في إسطنبول، ومنعت بذلك الوصول إليهما، والإجراء نفسه شمل منزلي القائم بأعمال السفارة والمسؤول القنصلي.

رئيس وزراء هولندا مارك روته  اعتبر تصريح إردوغان الذي شبه فيه الهولنديين بالنازيين، بأنه «تصريح مجنون»، واستغرب من ادبيات اردوغان وقال: «لم أشهد ذلك من قبل لكننا نريد أن نكون الطرف الأكثر تعقلا... إذا صعدوا سنضطر للرد لكننا سنفعل كل ما في سلطتنا للتهدئة.. ان هولندا لن تسمح بأن يبتزها أحد».

يبدو ان اللغة التي خاطب بها قادة تركيا، ألمانيا وهولندا والتهديدات التي اطلقوها وآخرها التهديد الذي جاء على لسان جاويش اوغلو الذي هدد بفتح الحدود امام المهاجرين الى اوروبا مرة اخرى، لم تأت اكلها، بل جاءت بنتائج عكسية، فقد انضمت  سويسرا والنمسا الى ألمانيا وهولندا، وأعلنتا منع تنظيم اي تجمعات جماهيرية لمسؤولين اتراك في مدنها، كما اقترح رئيس وزراء الدنمارك لارس لوكه راسموسن تأجيل الزيارة التي كان من المقررة ان يقوم بها رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم هذا الشهر الى كوبنهاكن على خلفية موقف انقرة من امستردام.

بعيدا عن الآثار المدمرة لسلوكيات قادة تركيا على الصعيدين السياسي والدبلوماسي، مع جيرانهم المسلمين والأوروبيين وتخصصهم في صناعة الازمات، فمثل هذه السلوكيات تعطي زخما هائلا لصعود اليمين المتطرف المعادي للإسلام في اوروبا، فهناك من يتصيد بالمياه التي عكر صفوها اردوغان في اوروبا، من خلال نقل حالة الانقسام والانشطار المجتمعي وانعدام الامن في تركيا الى الجاليات التركية الكبيرة في اوروبا لاسيما في المانيا «4 مليون تركي» وهولندا «400 الف تركي»، لاسيما بعد ان كشفت وكالة المخابرات الداخلية الألمانية «بي.إف.في»، عن زيادة وتيرة عمليات التجسس التي تقوم بها انقرة على الجالية التركية داخل ألمانيا، وإن الانقسامات في تركيا قبل الاستفتاء على الدستور كان لها انعكاس في ألمانيا.

من اكثر المستفيدين من سلوكيات وشخصية اردوغان، ومن اخطر المتصيدين في المياه التي عكر صفوها اردوغان مع هولندا، هو زعيم اليمين المتطرف والمعادي للإسلام خيرت فيلدرز، الذي من المقرر ان ينافس حزب رئيس الوزراء الحالي مارك روته  في الانتخابات التي ستجري يوم الاربعاء.

فيلدرز هذا استغل على الفور ازمة التجمعات الجماهيرية التي دعا اليها اردوغان، وشن هجوماً عنيفاً على الأتراك المقيمين في هولندا من الذين يحملون الجنسية المزدوجة، ووصفهم في تغريدة له بـ «الطابور الخامس» ودعا الى ضرورة اخراجهم من هولندا، وقال مخاطباً الذين تظاهروا احتجاجاً على منع جاويش أوغلو من دخول هولندا «ولاؤكم يعود لمكان آخر، غادروا البلاد إذن»، «لا مزيد من الجنسية المزدوجة وأغلقوا الحدود».

كما بدانا مقالنا في تصريح صادم لاردوغان تعرض من خلاله بطريقة فجة لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، ننهي مقالنا بتصريحين صادمين لأردوغان وجاويش اوغلو تعرضا من خلالهما للجمهورية الاسلامية في ايران، فقد زعم اردوغان ان ايران تسعى لـ «تقسيم العراق وسوريا وتتصرف من منطلقات قومية»، فيما قال جاويش اوغلو ان «ايران تعمل على تشييع العراق وسوريا»، وهي تصريحات وان تراجع عنها الاخير، الا انها فقدت ذاتيا اعتبارها، لأن مصدرها اردوغان ورجاله، ولكن وبالرغم من ذلك لا يحتاج العاقل لدليل ليعرف من هو البلد الذي وقف الى جانب الحكومتين العراقية والسورية ومنع تقسيم العراق وسوريا وضحى من اجل ذلك، ومن هو البلد الذي يتواطأ مع الجماعات التكفيرية ويمدها بالمال والسلاح والرجال انطلاقا من نوازع قومية وطائفية، ويرسل الجيوش لغزو العراق وسوريا بهدف تقسيمهما.

 

 

بقلم: ماجد حاتمي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: شفقنا
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/0673 sec