رقم الخبر: 189831 تاريخ النشر: آذار 14, 2017 الوقت: 15:54 الاقسام: مقالات و آراء  
عندما يخير الإنسان بين السلة والذلة

عندما يخير الإنسان بين السلة والذلة

عندما كنت طفلا صغيرا، مقر ولادتي وسكني، في مركز مدينة النجف الأشرف القديمة، حيث مسكن كثير من العوائل الدينية، وكانت منطقتنا قريبة من مرقد الإمام علي أبن أبي طالب، عليه وآله أفضل الصلوات، كانت الشوارع تعج بطلبة العلوم الدينية، فربطتنا بهم صلات الصداقة والنسب أحيانا، بحكم التجاور والمعرفة الحميمية.

تغير كل ذلك، بعد أن إغتصب البعثيون الحكم في العراق، وصارت الحوزة العلمية وطلبتها، عدوهم الأول، فأستهدفوا بيوتاتها المعروفة بالعلم، كآل الحكيم وآل الصدر وآل بحر العلوم، وآل ياسين وغيرهم كثير.. ولم يسلم منهم حتى البيوتات التي إشتهرت بتعاطي الشعر والأدب فقط.

بحكم عمري الفتي، لم أكن أستوعب الصورة الكاملة للوضع، لكني كنت ألتقط بعض المفاهيم، وأختزنها في ذاكرتي كأي طفل، وأحتفظ بتساؤلاتي في أعماقي، لما عشناه من رعب في تلك الفترة، حيث نشاهد القتل والتنكيل، والإعتقال، لعوائل بأكملها، لا لذنب سوى أنها عوائل علمائية؟!

بحكم قرب آل الحكيم، من منطقتنا، ووجود تواصل وعلاقة، كنت وأنا صغير، أسمع عن ما جرى عليهم من تنكيل، وإعتقال لأغلب رجال الأسرة، بل ولبعض أولادهم، ممن كنت ألعب معهم.. ولم أفهم السبب حينها، فهؤلاء صبية، كيف يمكن أن يكونوا معارضين للدولة؟! وما هو تآمرهم؟ وكيف قبِل محمد باقر الحكيم، وكما سمعت حينها أنه «معارض» وهو وصف لم أفهم معناه حينها.. لم أفهم كيف قبل أن يعدم أهله، ويشرد من بقي منهم في البلدان؟!

كان سؤالا عصي الفهم على حينها، فلم أعرف أثر تسلط البعث، ولا ما كانوا يخططون له من دمار، ولا إستشراف هذا الرجل لشرور صدام وحكمه.. وحتى من كان يفهم من أخوتي الأكبر، كان يخاف أن يشرح لي، خوفا من زلات اللسان في المدرسة أو الشارع.

كبرنا وتوسعت المدارك، ووفقنا للقراءة  والإطلاع على الأمور.. فصرنا نفهم معنى الوطن والوطنية، بمفاهيم حقيقية، غير ما كان يحاول صدام ونظامه أن يغسلوا به أدمغتنا، ففهمنا معنى التضحية، في سبيل الوطن، بالغالي والنفيس، وماهو هذا  الغالي والنفيس.

رغم أن الإنسان دوما يمر بتجارب، تضعه في محل إختيار بين خيارات ربما صعبة، وفهمت حينها أهمية الحكمة في الإختيار، بين المهم والأهم.. وفهمت أيضا، وبالطريقة الصعبة، أن عملية الإختيار دوما ليست سهلة، وفيها معاناة وصراع داخلي، ولا ينجح في إختبارات الخيارات الصحيحة الكل.

تضحيات أمثال محمد باقر الحكيم وأسرته، وغيرهم من الأسر العلمية، وكل المناضلين الأبطال، لم تكن خيارات سهلة، ورغم أنها كانت في سبيل دين وطن وأمة، لكن ثمنها، كان عظيما وفادحا.

كانت خيارات بين السلة والذلة، وقد أحسنوا الإختيار.

 

بقلم: المهندس زيد شحاثة  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/2974 sec