رقم الخبر: 191591 تاريخ النشر: نيسان 19, 2017 الوقت: 14:52 الاقسام: ثقافة وفن  
سعدي الشیرازي.. المفكر الحكيم والشاعر الإنساني
رئیس الجمهوریة يرعى مراسم ذكرى تخليده

سعدي الشیرازي.. المفكر الحكيم والشاعر الإنساني

أعلن مدیر مركز دراسات سعدي، كوروش كمالي سروستاني بأن مراسم احیاء ذكری الشاعر الايراني سعدي الشيرازي ستقام یوم غد الجمعة وذلك بحضور رئیس الجمهوریة، الدكتور حسن روحاني في شیراز ومشاركة جمع من الباحثین في مجال دراسات سعدي حیث سیلقي فیه عدد من الاساتذة والباحثین في هذه الدراسات كلمات بالاضافة الی اقامة معرض للخط تحت عنوان «30 عاما مع سعدي».

وأكد كمالي بأقامة برامج ثقافیة في ذكری تكریم سعدي بما فيها اقامة معرض للمخطوطات وقراءة اشعار سعدي مع تقديم برامج للموسیقى التراثیة بالاستفادة من أشعار سعدي.

واستطرد یقول بأنه ستجري مراسم مماثلة في عدد من المدن الایرانیة وفي الخارج بهذه المناسبة حیث سیقام برنامج «سعدي وفیكتور هوغو» و«سعدي وكبار شعراء العالم» وذلك في المركز الثقافي بمدینة الكتاب بطهران وسیلقي فیه مدیر معهد اللغة والادب الفارسي، غلام علي حداد عادل وعدد من الاساتذة كلمات بهذه المناسبة.

سعدي الشيرازي.. عناء من أجل الكشف والاستنتاج

 أن شهرة سعدي الشيرازي في المشرق والمغرب أمر لا يختلف عليه اثنان، فقد عُرف منذ القديم لدى الغربيين – وخاصة الفرنسيين منهم – بالمفكر الحكيم والشاعر الإنساني الذي ترك بصمات كبيرة في الأدب والفكر الفرنسي.

وهذه الشهرة الكبيرة التي نالها هذا الأديب والمفكر الإيراني لم تكن وليدة الحالة الإبداعية والموهبة الشعرية فحسب، بل جاءت نتيجة شخصيته الكبيرة التي توالدت عبر جهد كبير وترحال طويل وعناء متواصل من أجل الكشف والاستنتاج والكدح الإنساني. فهو أديب ومفكر ملتزم وإنسان مرهف الحس وشاعر كسّر طوق الحصار المذهبي والقومي واللغوي فأنشد للإنسانية جمعاء وناجاها بهمومها وأحزانها وتطلعاتها بحس إبداعي مرهف وبلغة عالمية موحدة وبوعي إنساني كبير..فهو لم يدّع أنه مدرسة في الشعر الفارسي أو العربي، بل إنه تجرّد من كل خصوصياته الذاتية وأنشد لهموم البشرية.

سعدي الشيرازي من الشخصيات النادرة في الآداب العالمية، يعد واحداً من كبار الشعراء والأدباء الذين أعطوا الأدب الفارسي مذاقه الخاص المتفرد وساهموا في إعلاء شأنه حتى تجاوز حدود وطنه والأوطان الإسلامية وارتقى إلى مصاف الآداب العالمية بل وتبوأ مركز الريادة فيها. فترحاله وهو يمتطي جواد الإرادة والإخلاص ويجوب العالم ويطوف كثيراً من بلدانه ويخالط شتى أجناسه ويذوق حلوه ومره وإقامته في موطنه يقدم للبشرية جمعاء ما اكتسبه من أسفاره في الأنفس والآفاق..كل هذا يبرز في آثاره الخالدة فتارة يتمظهر في صورة شعر يصبح مثلاً وتكتب له الشهرة العالمية وتارة أخرى يبدو في شكل حكاية أخلاقية وقصة إنسانية تعبر عن مثله العليا وقيمه الإنسانية السامية في صورة ناطقة حية.

 لا شك إذن في أن شهرته كبيرة في المشرق والمغرب، فإذا كان إنساناً شرقياً فهو عرف منذ القديم لدى الغربيين – وخاصة الفرنسيين منهم – بالمفكر الحكيم والشاعر الإنساني الكبير الذي ترك أوضح التأثير في الأوساط الأدبية والفكرية وحتى السياسية في فرنسا.

البعد الإنساني في أدب سعدي

إنسانية سعدي لصيقة بشخصيته وتكشف عن نفسها بمجرد ذكر أبياته أو بعض كلماته، فهو يدعو إلى الإخاء بين بني البشر ونبذ الفرقة والتطاحن والصدام، ويدعو إلى السمو بالمعاني والأحاسيس الإنسانية، فهو بلسان العصر يدعو إلى حوار الحضارات والأديان وينبذ صراعها وينهى عن اصطدام بعضها ببعض.

فإذا كان سر نجاح أي أديب أو كاتب يكمن في عدة عوامل، فإن لسعدي الشيرازي في نظرنا خاصية يتفرد بها عن باقي الأدباء جعلته يكبر في نفوس قرائه وسامعيه والمتعرفين على آثاره –رغم تباين لغاتهم وثقافاتهم وإيديولوجياتهم- ألا وهي المحنى الفكري والشعوري في القطعة الأدبية، ويبرز ذلك بجلاء في إنسانية سعدي، فإنسانيته تتجلى في حبه للناس جميعاً مهما كان لونهم وجنسهم ولسانهم في دعوته إلى أن نشارك الآخرين همومهم وفي ألا نجعل اللون والدين والقومية سبباً للتمييز بين البشرية، الشيء الذي نعاني منه في يومنا هذا ونشتكي من تبعاته. فسعدي يعتبر من لا يتألم لآلام الآخرين ومن لا يهتم بهمومهم ومشاكلهم مجرد عن صفة الإنسانية ويصدق عليه أن يحشر مع جنس آخر غير بني البشر:

تو كز محنت ديكران بي غمي         نشايد كه نامت نهند آدمي

أي : إذا لم تتألم لمصاب الناس جميعاً فلست إنساناً بهذا القياس.

نعم أدبه إنساني بحت، استمد قوته من تعاليم الدين الحنيف التي تلتقي تعاليمه مع كل الأديان وتتحد معها في إبلاغ رسالة عالمية تحض على الخير وتأمر بالمعروف والسلم والمساواة بين جميع الناس على اعتبار أنهم سواسية كأسنان المشط، وتحث على الإنصاف والعدل. وقد تجلى كل ذلك في حكاياته في «كلستان» وفي رسائله وخطبه العديدة الأخرى، وهكذا في كل القضايا التي تناولها سعدي ولامس فيها الجانب الإنساني والأخلاقي في حياة البشر، وقد كان يرى دائماً أن بناء الإنسان على الأرض هو الخطوة التي يجب أن تتم قبل أن يبدأ علاقته بالسماء.

 كما تجلى ذلك في أثره الشعري «بوستان» الذي قل نظيره في بساتين الأدب. فهو يضم بين ساحاته المترامية الأطراف جنان المعرفة والحكمة وحدائق الأخلاق والاجتماع والسياسة، فأصبح بذلك بوستانه مثلا سائراً يتفوه به الخاص والعام.

 إذن صفة سعدي الأساسية هي تفاعله الجاد مع قضايا الإنسان، فهو يحاول أن يتجرد في الوقت المناسب من لغته وقوميته وانتماءاته الأخرى ويغني للبشرية بكل ما فيها من عقل وإرادة ووجدان وأحاسيس، وبكل ما تكابده أثناء كدحها من آلام ومحن وقضايا وأفكار وعقبات...

 فسحة للحكمة والموعظة لعموم البشرية

ويمكن استجلاء هذا البعد الإنساني لسعدي في العديد من قصائده-الفارسية منها والعربية- على حد سواء، ومنها تلك التي قالها في مدح نور الدين بن صياد، فعلى رغم ما درجت عليه العديد من قصائد المدح من الانهماك في رصد مناقبية الممدوح، تجد سعدي يفتح فسحة للحكمة والموعظة لعموم البشرية، ويشرع نافذة على فلسفة الحياة ودور الإنسان فيها، يبدأ سعدي قصيدته هذه بمطلع رشيق وصياغة محكمة مستفيدا من تراقص نغمات بحر البسيط وأمواجه المموسقة، مخترقا مجال اللغة العادي ليؤسس في المتلقي لغة شعرية زاخرة بالجديد من التعابير والصور:

مادام ينسرح الغزلان في الوادي          احذر –يفوتك صيدُ- يا ابن صياد

واعلم  بأن  أمام  المرء   بادية         وقاطع  التبر  محتاج  إلى  الزاد

يا من  تملّك  مألوف الذين  غدوا         هل يطمئنّ صحيح العقل بالغادي؟

ويبدأ من نقطة تجمع إبداعات الإنسان ومحطّ آماله وتطلعاته وهي الحياة الدنيا، تلك الساحة التي تتمظهر فيها قابليات الإنسان وإرادته ووعيه لتشكيل مجرى أحداثها. والدنيا عند سعدي أشبه بالريح التي «تمر بآكام وأطواد» وبما أن الريح شيء حفيف ومتنقّل وزائل وغير فابل للإمساك، يختزل سعدي نظرته الإنسانية إليها بما تتضمنه النظرة الوعظية إلى الإنسان ليرعوي كونه مسافراً فيها، ويلتفت إلى أداء وظيفته الإلهية على ظهرها، مخاطباً ابن آدم – أي عموم البشرية- بدون أن يخصّ خطابه بدين أو قومية أو لغة أو... :

وإنما الدنيا وزينتها           ريح تمر بآكام وأطواد

إذ لا محالة ثوب العمر منتزع         لا فرق بين سقلاط ولباد

ما لابن آدم عند الله منزلة إلا   ومنزله رحب لقصّاد

فيتسم مضمونه بسعة وشمولية الخطاب الشعري لجميع الناس، حاثاً إياهم على إشاعة مضمون خلقي اجتماعي متعدد المعاني: الزهد في دنيا فانية، الكرم والسخاء والترحيب بالقصاد، والاستفادة من الحياة الدنيا لخير الإنسان واستقطاب فعالياته لسعادته الأبدية. ثم يستكمل حكمته في رصد مشهد الإنسان في حياته الدنيا، وأن عليه أن يتيقن من بأن لحياته هذه نهاية وحكمة ومشهداً أخيراً عليه أن يدخله في حساباته في غضون التعامل معها، وأن للإنسان نفساً هي مصدر إشعاع وإلهام وكسب وارتقاء وتكامل، فإن تمكّن من تفعيل طاقاتها الكامنة في واقعه بلغ مبلغاً عظيماً  لا يصل إليه حتى أولئك المتعبدين والمنهمكين في أذكارهم.

 

 

رئيس الجمهورية في شيرازرئيس الجمهورية في شيراز
بقلم: د/ أحمد موسى  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1687 sec