رقم الخبر: 192393 تاريخ النشر: نيسان 30, 2017 الوقت: 14:41 الاقسام: ثقافة وفن  
أبو الفضل العباس.. قرائن ومقدّمات دالّة على عظم المنزلة
ميلاد مجمع الجمال والكمال

أبو الفضل العباس.. قرائن ومقدّمات دالّة على عظم المنزلة

لقد امتاز أبو الفضل العبّاس(ع) في ولادته على سائر الناس بما يمتاز به العظماء من أولياء الله في ولادتهم، حيث كانت ولادته محفوفة بالإرهاصات، ومشحونة بالقرائن والمقدّمات الدالّة على عظم منزلة المولود عند الله تعالى، ومقامه الشامخ لديه.

فهذا الإمام أمير المؤمنين(ع) قبل أن يولد له العبّاس(ع)، بل وقبل أن يتزوّج باُمّه اُمّ البنين ينبئ عن ولادته ويخبر عن مواصفاته، ويشير إلى ما يتحلّى به من قوّة الإيمان، وطهارة النفس، وشجاعة القلب، ورحابة الصدر، ومكارم الأخلاق، وأنه سوف يعضد أخاه الإمام الحسين(ع) في مهمّته، ويفديه بنفسه ويضحي بما لديه من أجله، ويستشهد في كربلاء بين يديه.

لا يخفى أنّ ولادة أبي الفضل العبّاس(ع) ـ على المشهور وذلك حسب بعض الكتب التاريخية ـ كانت في المدينة المنورة، وبتاريخ اليوم الرابع من شهر شعبان المعظّم سنة ست وعشرين هجرية (على هاجرها آلاف التحية والسّلام).

وعلى هذا فإنّ أبا الفضل العبّاس(ع) قمر بني هاشم تلا في ولادته ولادة أخيه شمس الكونين الإمام أبي عبد الله الحسين من حيث اليوم والشهر بيوم واحد وفي نفس الشهر، ومن حيث السنين والأعوام بثلاث وعشرين سنة وكان ـ على ذلك ـ له من العمر حين استشهد أربعة وثلاثون عاماً.

إنّ الإمام أمير المؤمنين(ع) كما كان هو أوّل مَنْ آمن برسول الله(ص)، فكذلك كان هو أوّل مَنْ سار بسيرته واتّبع طريقته؛ ولذلك لم يكن ليتعدّ عن نهج رسول الله(ص) في سنن الولادة ومستحباتها؛ فإنّه(ع) لمّا أجرى المستحبات المأثورة على مولوده الجديد التفتت إليه ـ على ما قيل ـ ابنته عقيلة بني هاشم، وربيبة الوحي والعصمة السيّدة زينب الكبرى (عليها السّلام) وقالت له : يا أبه، هل اخترت لهذا المولود اسماً، وانتخبت له كنية ولقباً ؟

وجاء في بعض الكتب المعتبرة أنّ اُمّ البنين يوم وضعت حملها، وولدت أوّل أشبالها قمّطته بقماط أبيض، وقدّمته إلى أبيه الإمام أمير المؤمنين(ع) ليجري عليه سنن الولادة من التسمية وغير ذلك، فلمّا أخذه أمير المؤمنين(ع) قرّبه إلى فمه ومسح على عينيه وفمه بلسانه الشريف ـ ولعلّه حتّى يكون ممّن يرى الحقّ ويسمع الحقّ وينطق بالحقّ ـ ثمّ أذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثمّ التفت إلى زوجته الوفيّة اُمّ البنين ومَنْ حولها وقال (ما سمّيتموه ؟).

فأجابته اُمّ البنين بتأدّب واحترام قائلة: وما كنّا لنسبقك في شيء يا أمير المؤمنين .

فشكر الإمام أمير المؤمنين شعورها الطيّب ووفائها الجميل، ثمّ قال: إنّي سمّيته باسم عمّي العبّاس عباساً ثمّ ضمّه إلى صدره، وأخذ بيديه الصغيرتين ورفعهما إلى فمه ولثمهما بقبلاته الساخنة، واستعبر باكياً وهو يقول: كأنّي بيديه هاتين تقطعان يوم الطفّ عند مشرعة الفرات في نصرة أخيه الإمام الحسين(ع). فاستعبرت اُمّه ومَنْ كان معها، وفوّضت أمره وأمرها إلى الله تعالى.

لا يخفى أنّ من قصّة تقبيل الإمام أمير المؤمنين(ع) يدي ولده الرضيع أبي الفضل العبّاس(ع) يعلم ـ بالإضافة إلى ما فيه من بيان عظمة مقام الوليد وشرف منزلته عند الله تعالى ـ أنّ تقبيل الإنسان يدي أولاده من باب المحبّة لهم والشفقة عليهم جائز، كما كان يفعل ذلك رسول الله(ص) من باب المحبّة، ومن باب التعظيم والتشريف، وبيان المقام والمنزلة مع ابنته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين (عليها السّلام) ؛ حيث كان يقبّل يديها، ويقوم لها من مقامه ويجلسها في مجلسه.

ارتضع أبو الفضل العبّاس(ع) من اُمّ وفيّة، ووالدة كريمة منتمية إلى بيت كريم، وأسرة نجيبة، وذات عراقة وأصالة، ومجد وسؤدد، ألا وهي ـ كما عرفت ـ فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة المكنّاة بـ (اُمّ البنين) (عليها السّلام)، وتربّى في أحضانها، وتروّى من إيمانها وولائها، وعلمها ومعرفتها؛ حيث إنّها كانت من الفاضلات العالمات.

كما وترعرع في حجر والد كريم وسيّد عظيم، نفس رسول الله(ص) ووصيّه، وخليفته من بعده، وارث علم النبيِّين وسيّد الوصيِّين، وقائد الغرّ المحجّلين إلى جنات النعيم، الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين(ع).

لقد كان أبو الفضل العبّاس(ع) ملازماً لأبيه الإمام أمير المؤمنين(ع) أيام إقامته في المدينة المنورة، ثمّ هاجر معه(ع) إلى العراق وأقام معه في الكوفة، وهو في كلّ ذلك تحت عنايته الشفيقة، ورعايته التربوية الحكيمة، فاكتسب من هذين الأبوين الكريمين كلّ مكرمة وفضيلة، وورث منهما بالتربية والوراثة المكارم والأخلاق الحميدة، والعلم الجمّ والمعارف الإلهية النبيلة.

العبّاس(ع) العبد الصالح المواسي الحامي والمحامي

إنّ أبا الفضل العبّاس(ع) قد حوى من المكارم والمحاسن، ومن الأخلاق والآداب ما لا يمكن قصرها في مجال، ولا حصرها في مقال؛ ولذلك جاءت ألقابه الدالّة على بعض من تلك المكارم والمحاسن، والمشيرة إلى نماذج من تلك الآداب والفضائل، عديدة وكثيرة، ورفيعة ومنيعة، نذكرها أوّلاً سرداً بحسب ترتيب اشتهارها لدى الناس، ثمّ نشرح ما تيسّر لنا منها إن شاء الله تعالى فيما يأتي، وهي كالتالي:

باب الحسين(ع)، باب الحوائج، السقّاء، ساقي عطاشى كربلاء، قمر بني هاشم، قمر العشيرة، حامل اللواء، بطل العلقمي، كبش الكتيبة، حامي الظعينة، سبع القنطرة، الضيغم، العبد الصالح، المواسي، الحامي والمحامي، ظهر الولاية، قائد الجيش.

إنّ أبا الفضل العبّاس(ع) قد احتذى حذو أبيه الإمام أمير المؤمنين(ع) في إيمانه وأخلاقه، حيث كان من شدّة إيمان الإمام أمير المؤمنين(ع) وكرم أخلاقه أنّ النبي(صه) كان يعدّه لكلّ عظيمة، ويدعوه عند كلّ نازلة وملمّة.

وكان هو(ع) قد وقف نفسه على خدمة رسول الله(ص) وحمايته والذبّ عنه، حتّى اشتهر عنه قوله(ع) أنا عبدٌ من عبيد محمّد(ص) وحتّى قال فيه تعالى وهو يصف موقفه ليلة المبيت حين نام على فراش رسول الله(ص) موقياً له بنفسه: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ). وغيرها من المواقف الاُخرى حتّى قال فيه رسول الله(ص) أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمَنْ أراد المدينة فليأت الباب.

موقف الإمام الحسين(ع) من أخيه

الموقف الرشيد الذي صدر من الإمام الحسين(ع) في لحظات استشهاده حيث لم يصل صوت أخيه المواسي إلى مسامعه الكريمة إلاّ ولبّى نداء أخيه، وأسرع إليه كالصقر المنقضّ، ونزل عنده وجعل رأسه في حجره، وأخذ يمسح الدم والتراب من على عينيه، ويناشده عمّا يشتكي منه ويؤلمه، ويناجيه بتوجّع وتألّم مشاركاً له آلامه، ومشاطراً إيّاه همومه وغمومه.

ففتح على إثر ذلك أبو الفضل العبّاس(ع) عينه في وجه أخيه الإمام الحسين(ع)، وألقى بنظرته الأخيرة عليه، وودّع أخاه وإمامه ببسمة ارتسمت على شفتيه تحكي كلّ معاني الإخلاص والمحبّة، وتفصح عن آيات الولاء والأخوّة.

فما كان من الإمام الحسين(ع) إلاّ أن ردّ على أخيه الوفي جواب سلامه وتحيّاته، ولكن لا بنبرات صوته وجهير كلامه وإنّما بزفراته وعبراته، وأنينه وحنينه، وقطرات دموعه وحرارة آهاته، ممّا ألهب بها مُحيّا أخيه وأبرد به فؤاده وصدره، حتّى إذا أحسّ بها العبّاس(ع) لفظ أنفاسه الأخيرة في حجر إمامه العظيم، وأحضان سيّده الكريم قرير العين ثلج الفؤاد.

 

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/2488 sec