رقم الخبر: 192693 تاريخ النشر: أيار 03, 2017 الوقت: 15:25 الاقسام: ثقافة وفن  
استقبال الفيض الإلهي واستشراف الهبات الربانية
من اجل تهيئة النفوس قبل الوصول الى شهر الضيافة الإلهية

استقبال الفيض الإلهي واستشراف الهبات الربانية

طِلُّ علينا شهر شعبان المبارك، فإضافةً الى بركته كشهر مهم ومُحَفِّزٍ عُروجِيّ الى الله تعالى، وكشهر رسول الله(ص)، ومحطة تحضيرية ومناسبة تمهيدية قبل الدخول لشهر رمضان المبارك،

 تتبارك أيامه الأولى بمحطات وَلائية ثلاثية الأبعاد تُضفي بظلالها الإشعاعية لِتُنير دروب السالكين، وقوافل العابرين الى الساحة القدسية، فكان ثالث أيامه ولادة سيد الشهداء إمامنا الحسين(ع)، صاحب الفضل - بعد فضل رب العالمين - على بقاء الدين ووصول بركاته إلينا على مرِّ العصور وتوالي الأزمنة. وفي رابعه كانت ذكرى ولادة قمر بني هاشم أبي الفضل العباس(ع)، رائدُ الوفاء والشجاعة والنخوة - بشقيها الوَلائي والأخَوي - الذي شكَّل لأجيال العالم مدرسةً فاخرةً ينهلُ من معارفها الخالدة كلُّ حُرٍّ وشريف. أما يومه الخامس فكان ولادة إمامنا علي ابن الحسين زين العابدين(ع)، والذي أثرى الساحة الدعائية والميدان العبادي بكوكبةٍ من المناجيات والأدعية التي تشكل سلاحنا الإرتقائي الى الله (عز وجل)، مع كل ما عاناه وعايشه من مأساة كربلاء المفجعة، وما تكبَّده بعد واقعة عاشوراء الأليمة. فبعد كل هذه المصائب المتوالية من مشاهدات القتل والذبح والسبي والظلم والقهر، وما شئتَ فَعَبِّر، وإذ بهذا الإمام العظيم يُنتج لنا هذا الديوان الرائع والرأسمال الكَنْزَوِيّ من صحيفة سجادية ورسالة حقوق وغيرهما من الأدعية والمناجيات التي لا مفرَّ - لأي عابرٍ على طريق السير والسلوك الى الله تعالى - من المرور عليها، بل والذَّوَبان في مضامينها والغوص في معانيها والتدبر في إشعاعاتها للوصول الى مراتب العارفين ومَصافِّ الربّانِيِّين الذين تعلقت أرواحهم بعز القدسية الإلهية.

وفي سياق شَدِّ الهمم ورفع المعنويات المسلكية والتبارك بهذه المناسبات النورانية وتهيئة النفوس قبل الوصول الى شهر الضيافة الإلهية (وإن كان على المؤمن أن يعتبر نفسه دائماً - وفي كل لحظة - في ضيافة الله تعالى)، لا بأس بالتأمل بمقطعٍ شديد الروعة، ذي المعاني الراقية، بل قمة الرقي والأناقة الأخلاقية، والمقطع هو من دعاء مكارم الأخلاق للإمام علي ابن الحسين زين العابدين(ع):

(اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَسَدِّدنِي لأن أعَـارِضَ مَن  غَشَّنِي بِالنُّصـحِ، وَأَجـزِيَ مَن هَجَرَنِي بِالبِرِّ وَأُثِيبَ مَن حَرَمَنِي بِالبَذلِ وَأُكَافِيَ مَن قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ وأُخَـالِفَ مَنِ اغتَابَنِي إلَى حُسنِ الذِّكرِ، وَأَن أَشكرَ الحَسَنَةَ وَاُغضِيَ عَنِ السَّيِّئَـةِ).

كم هي جميلة هذه المضامين ودقيقة - أشد الدقة - في تصويباتها وتوجيهاتها، وشامخة في علياء التقرب الإلهي وتهذيب النفوس من كل شوائب الحقد وأدران الضغينة ووساوس الشيطان ومكائده وخدعه. فقيامنا بنصح الآخرين كردٍ لجميل، والبِرّ الى مَنْ أحسن إلينا، والبَذْل على مَنْ أنفق علينا، وَصِلَة مَنْ وصلنا، والذِّكر الحسن الى مَنْ قدَّم لنا معروفاً، كلها تشكل سلوكاً حسناً ومطلوباً ومُرَحَّباً به أشد الترحيب، إلاّ أنها لا تُشَكِّل تألقاً وتميزاً، بل إننا نستطيع اعتبارها من بديهيات التوجه الفطري البشري، وأي إنسان عاقل - مهما كان توجهه الديني - عليه القيام بها كدافع فطري أخلاقي، ورد فعل طبيعي وتلقائي على إحسانٍ وُجِّهَ إليه.                         

بَيْدَ أنَّ إمامنا (سلام الله عليه) يُرَقّي المطالب ويرفع المستوى السلوكي، ويُقَدِّم لنا ذخيرةً أخروية لا تخلو من حصادٍ دنيوي، والعامل المشترك العام فيما طرحه الإمام هو مقابلة الإساءة بالإحسان، وهذا النوع من الفخر التعاملي ليس من الهَيِّن الوصول إليه، فهي ميزات يختص بها الإنسان المؤمن المَسْلَكِيّ، الذي شقَّ طريقه باتجاه ربِّه، وأعلن حرباً شعواء على نفسه الأمارة. فهنا تكمن البطولة وتظهر الشجاعة المُعامَلَتِيَّة، بأن تخالف تيارَك النفسي، وتقمع توجهاته الدنيوية واتباعه مبدأ «كما تُعامَل عامِل»، هذا المبدأ الدنيوي المرفوض والمنبوذ في قاموس المؤمن. فالعبد المؤمن والموالي المتقي، عليه أن يتميَّز في سلوكه ويتألق في عروجه، ويخالف هذا الهوى الإبليسي لِتَبرُزَ شجاعته ويفوح عنفوانه ويُقَدِّم نماذج خلاّبة في حسن السلوك ويُعطي دروساً نادرة التدريس. فيقوم بتقديم الإحسان الى مَنْ أساءَ إليه لِيُثبِتَ أنه ذو قلبٍ نوّار بمصباح البصيرة الإلهية،  وأنه عبدٌ لله تعالى متميزٌ في عبوديته، ومتألقٌ في وَلائه للنبي المصطفى(ص) وآله الأطهار (عليهم السلام)، وأنه - فعلاً - إنسانٌ إلهيٌّ، يعامل عبادَ الله كما يعاملهم الله نفسُه، فنحن مع ما نرتكب من معاص وما نقع به من زلاتٍ، نجد أن الله تعالى لا يقطع إحسانه عنا، ولا يحرمنا من خيراته ولا يسلبنا بركات عطاءاته.

فَلْنُهَيِّئ أنفسنا أيها العزيز، وَلْنَتَحَيَّن الفرص ونغتنمها، ونُحَوِّل مواضع إساءة الآخرين لنا الى جوائز أخروية ومقامات سامية ومراتب عَليائية بجوار مليك مقتدر وغفور رحيم، من خلال رَدِّ الإساءات (بمختلف أشكالها) بإحسانات (بشتى أنواعها)، ولِكي نُكتَب في ديوان الشجعان ونُدرَج على لائحة المتألقين ونُحتسَب في زمرة المتميِّزين، ونُسَجَّل في دوّامة المتفوقين في التقرب الى الله تعالى، والإقتداء بالعترة الطاهرة (عليهم السلام).

وَلْنرتقي بهذه القلوب الى مستوى قابلية استقبال الفيض الإلهي واستشراف الهبات الربانية، ونحن على مشارف المأدبة الرحمانية السنوية، وَلْنَجْهَد لنكون موالين عملياً للعترة الطاهرة (عليهم السلام)، مُلتزمين بتوصياتهم الأخلاقية وإرشاداتهم المسلكية، والتي تُشَكِّل زادَنا لسفرٍ طويل ينتظرنا ومَمَرٍّ مَديد يستقبلنا. ولضمان النجاة والعبور السليم والهبوط الآمن، علينا باتخاذ سفينة الحسين(ع) مَركباً، ووَلاء العباس(ع) قدوةً، وومضات السجاد(ع) مسلكاً. وَلْنحاول أن نكون على لائحة ذوي الأفئدة البيضاء والقلوب السليمة، لِنلقى اللهَ في شهره بقلبٍ سليم، كمقدمة لِلِّقاء الأكبر واليوم الموعود، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم.

ﻭﻗﻞ ﺍﻋﻤﻠﻮﺍ ﻓﺴﻴﺮﻯ ﺍﻟﻠﻪُ ﻋَﻤﻠَﻜُﻢ ﻭﺭﺳﻮﻟُﻪُ ﻭﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻮﻥ

 

 

 

بقلم: أبو تراب كرار العاملي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/2201 sec