رقم الخبر: 197155 تاريخ النشر: تموز 04, 2017 الوقت: 15:22 الاقسام: مقالات و آراء  
عـقـدنا العزم أن تحـيا الجـزائـر
الذكرى الـ 55 لعيد الإستقلال والشباب في الجزائر

عـقـدنا العزم أن تحـيا الجـزائـر

تحيي الجزائر يوم الخامس من يوليو/تموز في كل سنة ذكرى «عيد الإستقلال والشباب» المصادف لـ 5 يوليو/تموز 1962، وهو اليوم الذي يؤرخ لنيل الجزائر استقلالها من براثن الإستعمار الفرنسي الغاشم بعد 132 سنة من الإحتلال والدمار الإنساني، مارس خلالها المستعمر مختلف أشكال الإضطهاد والقتل والتعذيب والتهجير واستغلال الثروات الطبيعية للبلاد على حساب تجهيل وتفقير الشعب الجزائري.

وتخللت طيلة فترة الإستعمار  عشرات الإنتفاضات والثورات الشعبية المتقطعة كدليل على رفض الجزائريين للإستعمار وتوريث ذلك للأجيال القادمة حيث قام رجالات المقاومة الشعبية على مدار فترة الإحتلال بالقيام بانتفاضات عبرت دوماً عن رفض المستعمر مطلقا إلى أن قامت الثورة الكبرى ثورة الأول من نوفمبر 1954 المظفرة، التي دفع الجزائريون ثمنها أرواحا ودماء زكية طاهرة تمثلت في مليون ونصف المليون شهيد، وإن كانت الحصيلة تفوق هذا الرقم بكثير لتقارب العشرة ملايين شهيدا طيلة فترة الإستعمار، ولكنها أرغمت فرنسا على الإعتراف بجبهة التحرير الوطني كالممثل الشرعي الوحيد للشعب الجزائري بعد أن تكبد الإستعمار إزاء هذه الفترة خسائر مادية وبشرية معتبرة، جعلته يوافق مرغما على الدخول معها في مفاوضات أفضت إلى استقلال الجزائر.

انطلقت المفاوضات بين الطرف الفرنسي وممثلي جبهة التحرير الوطني في سنة 1960، واستمرت سنتين كاملتين حاولت فرنسا خلالها إملاء شروطها على الجزائريين إلا أن محاولاتها كلها باءت بالفشل نظرا لتمسك الطرف الجزائري بمواقفه الثابتة اقتناعا منه بقضيته الإنسانية العادلة، وفي نهاية المطاف تُوّجت هذه المفاوضات بالتوقيع على إتفاقيات إيفيان التي نصت على إجراء استفتاء للشعب الجزائري على تقرير المصير، وحدّد تاريخ إجرائه يوم 1 يوليو/تموز 1962، واستجاب الشعب الجزائري بقوة لهذا الحدث التاريخي الهام، وكانت حصيلة النتائج مخيبة لآمال الإدارة الفرنسية ومعبرة عن إرادة الشعب الجزائري الحر حيث صوت لفائدة الإستقلال 99.72 %.

وبناء على نتائج هذا الإستفتاء بعث الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول إلى السيد عبد الرحمن فارس، رئيس الهيئة التنفيذية المؤقتة للجمهورية الجزائرية رسالة الإعتراف باستقلال الجزائر الذي تم الإعلان عنه في الخامس من يوليو/تموز 1962، «وتمّ اختيار هذا التاريخ تحديدا الـ 5 يوليو/تموز رداً لإعتبار تاريخ احتلال الجزائر في نفس هذا التاريخ من سنة 1830».

وغداة الإستقلال وجدت الدولة الجزائرية نفسها في مواجهة الكثير من المشاكل العويصة والتحديات المتعددة الناجمة عن آثار الحرب التحريرية وعن 132 سنة من الإحتلال، حيث ورثت السلطات الجزائرية بعد خروج فرنسا، بلدا منهارا على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بلد خالي تماما من المنشآت القاعدية والمرافق الاقتصادية ودمار شامل في البنية التحتية، على الرغم من أن ما بلغته فرنسا آنذاك من تقدم وتطور ومواصلة لثورتها الصناعية كان بفضل موارد الجزائر، وكان الثلاثي المخيف المتمثل في الفقر والأمية والبطالة ينتشر في أكثر من 85% من السكان، ناهيك عما خلفته الحرب من ضحايا ومعطوبين والمطرودين قسرا وغياب شبه تام للإطارات الإدارية والمهنية في مختلف القطاعات وغيرها. ففرنسا دخلت الجزائر بجيش تمثل الأمية وسطه 45٪، لتحتل بلدا کانت نسبة المتعلمين فيه من الطلبة 150 ألفاً آنذاك، ناهيك عن الطبقات الإجتماعية الأخرى المتعلمة، لكن هذا الرقم تحول غداة الإستقلال لصالح أبناء المستوطنين الفرنسيين على حساب أبناء الجزائريين.

على الرغم من هذه المشاكل والصعوبات المتعددة الأوجه، عملت السلطات الحاكمة كل ما في وسعها من أجل رفع التحدي وبناء دولة قوية قادرة علی الإستجابة‌ لتطلعات‌ المواطنین في العيش في أمن واستقرار، وذلك من خلال تطبيق سياسة شاملة في شتـى مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية، تقوم على أساس وضع العديد من مخططات وبرامج التنمية الهادفة الى استرجاع الثروات الطبيعية والباطنية من خلال تأميم النفط والمحروقات، والتحكم في الخيرات والمقدرات الاقتصادية للبلاد وإعادة توزيعها بين أفراد المجتمع، وكذا محاربة الفقر والتخلف والأمية والبطالة والرفع من مستوى معيشة غالبية المواطنين. وقد ساهمت هذه البرامج بشكل فعال في خلق بنية تحتية صلبة في جميع القطاعات وإنجاز عدد كبير من المشاريع والإنجازات في مختلف المجالات، ويستمر العمل على تطويرها وترقيتها إلى يومنا هذا.

في الميدان الإجتماعي

أولت السلطات الجزائرية أهمية بالغة لتحقيق العدالة الاجتماعية لصالح الشعب الجزائري، ولبلوغ هذه الغاية انتهجت الجزائر سياسة وضع مخططات للتنمية تقوم على أساس تحقيق الرفاهية الاجتماعية للمواطن وتكريس الديمقراطية وتعزيز الحوار الاجتماعي وإزالة الفوارق الكبيرة بين طبقات المجتمع وتحقيق العدالة والمساواة بين الناس بما يضمن لهم الحياة الكريمة البعيدة عن الظلم والاستغلال، وترقية المرأة وحماية حقوق العمال والفلاحين، وكذا حرية الصحافة والتعبير والإعلام، وفتح مجال السمعي البصري، ودعم المجتمع المدني الفاعل المعبر عن صوت الشعب، وكذا المشاركة السياسية التي تدل على وعي سياسي واجتماعي كبيرين وسط الجزائريين.

 وبفضل هذه المخططات تمكنت الجزائر وإلى حد بعيد من ترقية مستوى الحياة الاجتماعية للمواطن خاصة في مجالات السكن والصحة والتربية والتعليم.

- السكن: وضعت الدولة الجزائرية، منذ فجر الإستقلال، برامج خاصة من أجل توفير السكن الاجتماعي للمواطنين، واعتمدت على تنويع صيغ عروض السكن، كبيع السكنات عن طريق الإيجار ممولة من طرف الأجهزة الحكومية أو منح السكن الاجتماعي للأسر ذات الدخل الضعيف والذي تموله الدولة كليا من ميزانيتها. كما عملت الدولة الجزائرية على ترقية الريف وذلك بتقديم إعانات مالية للبناء والتشييد قصد النهوض الاقتصادي والاجتماعي بالريف وبالتالي التخفيف من النزوح الريفي. كما تعمل السلطات حاليا على تخفيض نسبة العجز في مجال السكن مع إنجاز مليون وحدة سكنية كل خمس سنوات، ويشهد هذا القطاع اليوم تفاعلا إيجابيا مع النمو الديمغرافي ومتطلباته، كما يتماشى مع ما يمكن تسميته بالموازنة بين التمدّن والعالم الريفي.

 -الصحة: ركزت الدولة الجزائرية على سياسة وطنية للصحة تهدف إلى تأمين الخدمات الصحية للمواطن والقضاء على الأمراض المنتشرة ومكافحة وفيات الأطفال وتعميم العلاج الوقائي كالتلقيح ونظافة المحيط وحماية الأمومة والطفولة، كما تم أيضا تطبيق الطب المجاني في  عام 1974 وذلك لضمان العلاج لكل المواطنين، وقد شهد قطاع الصحة قفزة متميزة من حيث الكم والنوع بفضل الإهتمام الذي أولته الدولة لهذا القطاع، حيث تمكنت الجزائر من تحقيق تطورات ملموسة من الناحية الصحية للمواطن، حيث ارتفع معدل العيش إلى 72 سنة عند الرجل، و77 عند المرأة، فيما كان أيام الإستقلال معدل العيش لدى الرجل 47 سنة والمرأة 49، كما تعمل الجزائر على دعم الكفاءات الجزائرية في المجال الصحي عبر توفير الظروف والوسائل اللازمة لذلك، لضمان خبرة جزائرية بمؤهلات عالمية.

- التربية والتعليم: في سنة 1962 كانت نسبة الأمية لدى الجزائريين تفوق 85%، وفئة المتعلمين تكاد تكون منعدمة مقارنة مع حاجيات المجتمع وتطلعاته، بالإضافة إلى وجود جامعة واحدة يدرس بها القليل من الشباب الجزائري، وبعد الإستقلال قامت الدولة الجزائرية بتأسيس نظام تربوي يساير متطلبات التنمية ويقوم على أساس تعميم التعليم للجميع إناثا وذكورا، ويكرس الطابع الإلزامي للتعليم ومجانيته. وقد تمكنت الجزائر من تحقيق نجاحات كبيرة في هذا المجال حيث استطاعت القضاء على أكثر من 80 % من التخلف في القراءة والكتابة مقارنة بأيام الإستقلال، كما شيّدت الجامعات والمدارس والمعاهد العليا في كل ولايات الوطن، حيث بلغ عدد مؤسسات التعليم العالي 63 مؤسسة موزعة على 43 ولاية من أصل 48 ولاية بالجزائر، كالتالي: 27 جامعة، 20 مركزا جامعيا، 12 مدرسة وطنية عليا، 5 مدارس عليا للأساتذة، مجهزة بأحدث الوسائل التقنية اللازمة لضمان الدراسة في مستوى جيد، إضافة لبرنامج تأطير متخصص يشرف عليه إطارات وشباب جزائريين، هذا علاوة على ما توفره مراكز التكوين المهني من تكوين تقني بطريقة أكاديمية حديثة وعملية في نفس الوقت، حيث يمثل الطلبة بالجزائر ما يقارب مليون ونصف مليون طالب جامعي، فكل طالب يمثل روح شهيد إبان الثورة المجيدة ليستشهد الأول حاملا بندقيته دفاعا عن الوطن، ليعيش الثاني حاملا قلمه تطويرا للبلد وصيانة للأمانة.

في الميدان الإقتصادي

 يمكن القول أن الجزائر تمكنت منذ استقلالها إلى الآن من تحقيق الكثير من الإنجازات المعتبرة بالرغم من بعض الصعوبات والعراقيل الخارجية والداخلية التي واجهت هذا الميدان في فترات متقطعة كالأزمات الاقتصادية العالمية وانخفاض أسعار النفط بالإضافة الى ماخلفه الإرهاب الذي ضرب الجزائر لأكثر من عشر سنوات وألحق أضرارا جسيمة بمقدرات البلاد.

فبالإضافة إلى النتائج الملموسة التي سجلت في ما يخصّ إنشاء المدن الجديدة وبناء المستشفيات والجامعات ووضع الهياكل القاعدية في مختلف المناطق من الوطن، فإن الجزائر استطاعت أيضا أن تحقق إنجازات ضخمة في مجالي النقل والموارد المائية تمثلت في:

- الطريق السيار شرق غرب: يبلغ طوله 1720 كلم مع الطرق الجانبية والمنشآت الفنية ويمتد من الحدود الشرقية إلى الحدود الغربية ويمرّ على أكبر المدن الجزائرية ويشمل على العديد من الجسور الكبيرة وعشرات الجسور لربط المحور الرئيسي للطريق بشبكة الطرق الحالية بالإضافة إلى 16 نفق بطول قدره حوالي 20 كلم.

الطريق السريع شمال جنوب أو الطريق العابر للصحراء ويمتد من الجزائر العاصمة إلى الحدود الجزائرية النيجيرية ويمتد على طول 2300 كلم.

- السكك الحديدية: يعود تاريخ إنشاء السكة الحديدية في الجزائر إلى عهد الإستعمار، حيث تمّ شقّ أول خط سكة حديدية عام 1859، وبعد الإستقلال، وبغرض فك العزلة على العديد من المناطق النائية وتخفيف الضغط على شبكة الطرقات، قامت الدولة الجزائرية، ممثلة في الشركة الوطنية للسكك الحديدية التي تم تأسيسها عام 1963، بتوسيع وتحديث شبكة خطوط المواصلات السككية بإضافة العديد من الخطوط الجديدة وكهربة بعض الخطوط في شمال البلاد. وتصبو الشركة إلى مضاعفة عدد المسافرين السنوي إلى حدود 80 مليون مسافر سنويا.

- السدود: تعتبر الجزائر من الدول المهددة بأزمة ندرة المياه الناجمة عن المعطيات المناخية غير المستقرة كالجفاف وتذبذب سقوط الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وكذا زحف الصحراء، ولمواجهة هذه الأزمة، قامت الدولة الجزائرية برسم إستراتيجية من أجل الاستغلال الأمثل لمياه الأمطار المتساقطة وذلك من خلال وضع برامج إنشاء السدود ونظام الربط والتحويلات.

وبفضل هذه السياسة، تمّ إلى غاية الآن إنشاء 70 سداً بلغت الكمية الإجمالية من المياه المخزنة بها خلال شهر فبراير 2017، حوالي 5 ملايين مترمكعب، هذا وسوف يتدعم هذا القطاع في غضون سنة 2019 بإنجاز 9 سدود جديدة على أن يرتفع هذا العدد سنة 2030، إلى 139 سداً بطاقة إجمالية تقدر بحوالي 12 مليار مترمكعب. وقد تم في إطار إنجاز السدود إحصاء 86 موقع يمكن إنجاز السدود فيها.

كما أنه من بين المشاريع التي تعمل الجزائر على تطويرها خارج إطار المحروقات، ما يتعلق بالمجال الصناعي «منشآت صناعية عديدة في الحديد والصلب والصناعات الثقيلة والإلكترونيات...»، بالإضافة إلى دعم قطاع الفلاحة وتشجيعها عبر دعم مالي كبير من أجل تحقيق الإكتفاء الذاتي والعمل على الخروج للأسواق العالمية، كما أن قطاع السياحة توليه برامج الحكومة دورا بارزا خاصة مع ما تمتلكه الجزائر من مؤهلات طبيعية خلابة.

ولربط ذلك بالتنمية عبر إشراك الشباب وهو ما تعمل الجزائر عليه فإن فتح مجال الاستثمارات عبر مشاريع دعم لصالح الشباب في إطار إنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة مما يمكن من خلق فرص عمل والنهوض بالاقتصاد الوطني.

كما تملك الجزائر رؤية إيجابية في المضي قدما فيما يخص تطوير الإستثمار في مجال الصناعة السينمائية التي تمثل نقلة نوعية ترى الجزائر أنها تملك حظوظا أكبر فيها لما تملكه من مؤهلات وكفاءات عالية.

ويشهد الإقتصاد الجزائري اليوم نموا ملموسا تمثل في تسجيل فائض متواصل في الميزانية، واستقرار معدل التضخم في حدود معقولة، واحتياطي من العملة الأجنبية يزيد عن 100 مليار دولار، ومسح كلي للمديونية الخارجية التي كانت تقدر بـ 36 مليار دولار في سنة 2000.

أما فيما يتعلق بالجانب الثقافي فإن دعم الركائز الأساسية للهوية الوطنية المتجذرة في الشعب الجزائري يشكّل أولوية حفاظا على مقومات المجتمع الجزائري الأصيل من لغة وتراث وعادات وتقاليد، كما لم تتوان الجزائر في تشييد ثالث أكبر مسجد في العالم اعتزازا بالهوية الإسلامية الأصيلة.

هذا وإن ما تمثله السياسة الخارجية الجزائرية منذ الإستقلال وإلى يومنا هذا من مبادئ ثابتة وداعية للحوار والتسامح ونبذ العنف والتطرف، مكّنها من أن تكون رائدة في الحرب ضد الإرهاب، وفي دعوتها إلى الوسطية والاعتدال.

 إن تاريخ «الخامس من يوليو/تموز» 1962، يسجل واحدة من أجمل الصفحات من تاريخ الجزائر في الكفاح من أجل نيل الإستقلال واسترجاع السيادة الوطنية المسلوبة بعد 132 سنة من مقاومة الإحتلال، ويأتي الاحتفال بهذه الذكرى عرفانا وتكريما لمـا قدمه الشهداء من تضحيات جسيمة في سبيل تحرير الوطن من براثن الإستعمار الفرنسي في العمل على الربط بين أبناء نوفمبر وأبناء الإستقلال وتذكير الشباب بتضحيات الأسلاف من أجل استخلاص العبر والإقتداء بخطاهم وتذكيرهم أن الثمن الذي قدمته الجزائر من أجل الحصول على استقلالها  كان باهضا جدا، الوفاء به دوما هو «وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر».

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/0634 sec