رقم الخبر: 197750 تاريخ النشر: تموز 11, 2017 الوقت: 15:16 الاقسام: مقالات و آراء  
اتفاق وقف النار في الجنوب الغربي السوري: في الجوهر والدلالة

اتفاق وقف النار في الجنوب الغربي السوري: في الجوهر والدلالة

فجأة وعلى هامش قمة الـ 20 في هامبورغ ألمانيا، التقى الرئيسان الروسي بوتين والأميركي ترامب للبحث في الأزمة السورية في لقاء كان مقررا له ان يكون لـ 30 د، وامتد الى 150د، اجتماع لم ينفض قبل ان يتفق الطرفان على وقف إطلاق النار في منطقة الجنوب الغربي السوري، مع اتجاه لديهما ليكون الاتفاق فاتحة تعاون بينهما لحل الأزمة السورية برمتها وفقا للقرار 2254 مع التأكيد على وحدة الدولة السورية وسيادتها وقرارها المستقل.

وقبل ان نناقش تنفيذ الاتفاق او محاولات الالتفاف عليه، وهو امر لا بد من التحسب له في الحالة السورية التي اعتادت على المناورات الاحتيالية الأميركية التي حاول فيها الأميركي الانقلاب على اتفاق او الإلتفاف على قرار او تحريف وثيقة ومفهوم، قبل ان نناقش الإحتمالات تلك نرى التوقف عند جوهر الاتفاق وأهميته لأن ذلك يسهل تقدير احتمال تنفيذه من عدمه.

فمن حيث الجوهر  ورغم ان المعلن من الاتفاق لا زال مقتضبا، وأن هناك محاولات بدأتها اميركا للتظاهر بأنها حققت في الاتفاق او كسبت منه الشيء الكثير، محاولات يقابلها رفض واستخفاف روسي بتلك المواقف التي ترىفيها روسيا تدخلا او انتهاكا لحقوق سورية سيادية لا يمكن لأجنبي ان يمسها، كونها ملك حصري للشعب السوري الذي له وحده ان يضع دستوره و يقرر شكل دولته وحكومتها ويختار رئيسا لها وبالتالي كان منطقيا ان يرد الرئيس بوتين على تيلرسون وزير الخارجية الأميركي متسائلا عما اذا  كان هذا الوزير سوريا او اوكل اليه الشعب السوري حق التحدث عنه، طبعا كان بوتين يهزأ من قول تيلرسون من «ان الرئيس الأسد لن يكون له في المدى الطويل دور في سورية».

لقد وقع الاتفاق الروسي الأميركي على منطقة محددة في الجنوب الغربي السوري ملاصقة للحدود مع الأردن ولخط فصل القوات في الجولان تمتد من السويداء شرقا الى القنيطرة غربا مرورا بدرعا في الوسط، منطقة أوسع من منطقة خفض التوتر الرابعة التي تحدث عنها تفاهم استنه بحيث اضيف اليها كل من السويداء والقنيطرة. وتقرر ان يتم في هذه المنطقة وقفا لإطلاق النار من قبل جميع القوى المتواجدة فيها بضمان أميركي- روسي -اردني، وبالتالي تكون اميركا والأردن ملزمتين بفرض الإتفاق على المجموعات المسلحة والإرهابية التي تعمل في هذه المنطقة، ما يعني وضع حد لمسلسل الإعتداءات التي انطلقت في الجنوب منذ بدء العدوان على سورية  و بشكل متكرر حاولت فيه الجماعات المسلحة وبدعم إسرائيلي مباشر الوصول الى دمشق او اقله انشاء المنطقة الأمنية التي تبتغيها إسرائيل كما واقتطاع المنطقة الجنوبية لتكون مجالا حيويا للأردن «مياه وزراعة» ولم تكن وثيقة حوران الا نموذجا من نماذج المشاريع الإنفصالية العدوانية تلك، «وثيقة اجهضت ما ان انطلقت».

لقد شكلت منطقة الجنوب الغربي السوري على الدوام بوابة خطر رئيسية على سورية طيلة العدوان في السنوات السبع الماضية، ومن اجل ذلك حظيت هذه المنطقة باهتمام بالغ من قبل سورية ومعها محور المقاومة واليوم عندما يتم وقف اطلاق النار فيها وعلى هذا المستوى من الرعاية، انما يسد باب قلق هام، ما يمكن معسكر الدفاع عن سورية من التوجه الى منطقة يقدر لها ان تكون المنطقة التي يعلن منها النصر النهائي على الإرهاب ورعاته في معسكر العدوان على سورية، انها منطقة الجنوب الشرقي ومنطقة وسط الحدود الشرقية حول معبر البوكمال وامتداد الى دير الزور والسخنة .

ان وقف إطلاق النار في منطقة الجنوب الغربي السورية سيتيح فرصة تزخيم العمل العسكري الجذري على جبهات أخرى مع ضمان وضع تلك المنطقةبذاتها، وهنا نفهم كيف ان سورية كانت تعمل في جزء من المنطقة تلك باستراتيجية «القبض والبسط» من اجل استعادة درعا الى كنف الدولة مع حقن الدماء ما أمكن وذلك من خلال الضغط العسكري الذي يعقبه وقف لإطلاق النار ومساعي للمصالحة ثم عودة الى الميدان في حركة متناوبة بين ضغط وبسط توفر لسورية فرص تحقيق الإنجاز بأقل قدر من الخسائر والتضحيات.

ومع هذه الإيجابية الهامة لإتفاق وقف النار في منطقة حدودية حساسة، فإننا نرى ان في الاتفاق الأميركي الروسي القائم على حيز جغرافي محدد في سورية دلالات هامة أخرى لابد من التوقف عندها نذكر منها:

انتقال اميركا في الشأن السوري وفي العلاقة مع روسيا من مرحلة التصعيد والتهديد والتلويح بالعمل العسكري، الى مرحلة القبول بالواقع الذي انتجته انتصارات الجيش العربي السوري وحلفاؤه في الميدان، والقبول بالرؤية الروسية للحل وهي رؤية متوافقة مع الرؤية السورية لحل الأزمة. ما يعني انخراط أميركيا والتهيؤ للإشتراك في مسيرة البحث عن حل سلمي للأزمة السورية حل يحترم إرادة الشعب السوري دون ان يملي عليه شيء من الخارج.

فتح الاتفاق بابا لأميركا جعلها تشعر بالشراكة بالحل وهو ما يحفظ لها ماء الوجه بعد الفشل، ويجعلها تمتنع عن عرقلة المساعي في أستانة او جنيف الآيلة للبحث عن الحل وهنا نذكر بالقاعدة بأن النصر المستقر هو الهزيمة التي تنزلها بالعدو ويكون قادرا على احتمالها وتقبلها.

تحييد كيانين سياسيين على الحدود الجنوبية السورية، هما إسرائيل والأردن، حيث انه ومع دخول وقف إطلاق في المنطقة حيز التنفيذ وبالمعايير والمفهوم المنوه عنه، لن يكون هناك فعالية للمساعدات التي تقدمها هاتين الدولتين للجماعات الإرهابية والمسلحة.

فتح الباب امام المصلحات في المنطقة خاصة تلك التي لم يدخلها الجيش العربي السوري بعد في درعا ومحيطها لإستعادتها الى كنف الدولة مع ابعاد الخطر كليا عن مناطق لم ينل الإرهاب منها وبقيت محتضنة من قبل الشرعية الوطنية كمدينة السويداء مثلا.

لكن ومع هذه الإيجابيات يبقى هناك مخاوف وهواجس التي لابد من مواجهتها عندما يكون الأميركي طرفا في عقد او اتفاق، ويأتي في طليعتها مسالة وجود جبهة النصرة الإرهابية التي تنتشر في تلك المنطقة مع سؤال يدور حول وضعها وكيف سيكون التعاطي معها وهل ان الاتفاق سيمنحها حصانة؟ ومنها أيضا سؤال عن دور قوات أميركية  او وحدات عسكرية أخرى من معسكر العدوان في تلك المنطقة، ومنها السؤال أيضا عن رسم خطوط تمثل خطوط تماس او فصل تفصل المنطقة عن الوسط السوري مايفتح شهية البعض للقول بأن في الأمر تمهيد لإقامة المنطقة الأمنية التي تريدها إسرائيل خارج السيطرة والسيادة السورية.

أسئلة مشروعة تطرح وتثير الهواجس المبررة، لكننا نرد عليها بالعودة الى المبدأ الأساس الذي اعتمدته سورية ومحور المقاومة وبدعم من الحليف الروسي، مبدأ يقوم على قاعدة وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة على كل أراضيها وهذا ما أكد عليه في الإتفاق الذي أعلن جزء منه الوزير الأردني مؤكدا بوضوح كلي على مبادئ وحدة سورية وسيادتها واستقلالها وعدم الإعتراف وعدم القبول بنشوء أي واقع ميداني يغاير ذلك، وبالتالي كل تفصيل تنفيذي يتعارض من تلك المبادئ لن يكون مقبولا ولن تعمل الحكومة السورية به مهما  كان حجمه وأيا يكون القائل او العامل.

ومع هذا نرى ان الضمان الأهم يتمثل في قوة الجيش العربي السوري ومحور المقاومة والضمانة الروسية حتما، وبالتالي فإن أي جنوح وانحراف في تطبيق هذا الاتفاق سيعني بكل بساطة عودة القتال الى المنطقة بعد ان يكون قد تم تطهير الحدود الشرقية مع العراق وعندها سيكون القتال هذه المرة أكثر فعالية مع عودة القوة مسلحة بإنجازات جديدة ومدد أكبر.

ان القاعدة الذهبية في الحروب تقول لا تسأل عما سيعطي لك، بل انظر في قدرتك وقل كمانا قار على الأخذ والإنتزاع، وسورية ومحورها هم من القوة اليوم ما يجعلهم مطمئنين الى النتائج مهما  كانت الإتفاقات الدولية وهذا ما عبر عنه الرئيس بوتين في رده على تيلرسون بقوله له: «الشعب السوري هو من يقرر لنفسه».

 

بقلم: العميد د. أمين محمد حطيط  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: وكالة انباء التقريب
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 3/7521 sec