رقم الخبر: 197820 تاريخ النشر: تموز 12, 2017 الوقت: 14:39 الاقسام: مقالات و آراء  
عشرون ألف شرطي لحماية قمة العشرين في هامبورغ!

عشرون ألف شرطي لحماية قمة العشرين في هامبورغ!

يحدث أحياناً، في بلدان الغرب، أن تخرج تظاهرات احتجاج أو استنكار أو للمطالبة بحق من الحقوق، وأن تنزلق نحو العنف، إما بفعل تحركات يقوم بها متطرفون من المتظاهرين أو بعض من يسمونهم بكاسري الإضرابات - وهؤلاء هم على الدوام من عملاء السلطات أو أرباب العمل - وإما بفعل استفزازات تقوم بها القوى الأمنية بدفع من السلطة الحاكمة و/أو أرباب العمل.

هذا ما يحدث أحياناً. أما في الغالب، فإن الأجواء التي تهيمن على التظاهرات في بلدان الغرب هي أجواء احتفالية يسودها الفرح والمرح والرقص والموسيقى وتطيير البالونات الملونة.

وتلك الأجواء الاحتفالية هي بالضبط ما تميزت به التظاهرة التي ضمت نحو 10 آلاف شخص، وانطلقت  في هامبورغ  الألمانية، قبل يوم واحد من بدء اجتماعات قمة العشرين التي انعقدت في تلك المدينة يومي الجمعة والسبت المنصرمين.

ومع هذا، لم تتردد قوى الأمن التي احتشدت بكثافة في الشارع الذي كان من المفترض أن تسلكه التظاهرة، قريباً من مقر اجتماع، على هامش القمة، بين المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، والرئيس الأميركي ذي السمعة السيئة في أوروبا، كما في أميركا وبلدان العالم الأخرى، دونالد ترامب، لم تترد في استخدام ذرائع واهية من أجل منع التظاهرة من المسير، وتشتيت المشاركين فيها بقوة خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والعصي.

وقد اعتبر العديد من المراقبين أن القمع الوحشي لهذه التظاهرة التي أطلق عليها المتظاهرون اسم «أهلاً بكم في الجحيم»، أريد لها أن تكون «حرباً استباقية» على التظاهرات التي كان من المقرر تنظيمها خلال فترة انعقاد القمة من قبل مئات الألوف من المواطنين الألمان وغير الألمان القادمين من مختلف البلدان الأوروبية، للاحتجاج على سياسات التقشف والرأسمالية المتوحشة التي تضرب بلدان الغرب.

لكن هذه الحرب الإستباقية التي خاضها أكثر من 25 ألفاً من رجال الأمن لم تنجح في ثني المتظاهرين عن الإستمرار في الإحتجاج الذي استمر ليومين إضافيين بعد اختتام أعمال القمة. وقد أسفرت أعمال العنف عن سقوط مئات الجرحى من المتظاهرين ورجال الشرطة، كما تم إحراق أعداد كبيرة من السيارات، ولحق التدمير بالكثير من واجهات المحال التجارية.

ومن جهتهم، لم ينجح المتظاهرون في إحداث أي قدر من التأثير على قرارات القمة التي عكست، بالدرجة الأولى، مصالح الولايات المتحدة، ليس فقط على حساب البلدان الفقيرة، بل أيضاً على حساب الحلفاء المقربين للولايات المتحدة في أوروبا وغيرها.

صحيح أن مسألة مكافحة الإرهاب كانت في طليعة المسائل المطروحة على جدول أعمال القمة. والصحيح أيضاً أن أحداً لم يكن ينتظر من القمة مواقف من هذه المسألة تتجاوز حدود الخطابية والنفاق المكشوف. تكفي الإشارة إلى تصريحات مندوب السعودية -ذات الباع الأطول في تمويل الإرهاب وتسليحه وشحنه إيديولوجياً- حيث ردد المندوب على مسامع المؤتمرين جميع العبارات المتعارفة في هذا المجال والتي اختصرها بـ «ضرورة محاربة ومنع جميع مصادر ووسائل وقنوات تمويل الإرهاب» (!!!).

وقد توقفت القمة عند قضيتين مركزيتين على صلة بالمشكلة المناخية والتجارة العالمية.

فبالنسبة للمشكلة المناخية لم يكن بمقدور القمة غير أن تحترم رغبة ترامب بالخروج من اتفاقية باريس 2015 حول المناخ، بهدف المحافظة على «نمط العيش الأميركي» عبر إطلاق يد واشنطن في رفع مستوى الكربون في الأجواء، وما يؤدي إليه ذلك من رفع مستوى الاحترار وتلوث البيئة. وكل ذلك خوفاً من انسحاب واشنطن من مجموعة العشرين!

وكان لا بد، من أجل تمرير هذا التنازل، من تقديم مكسب لعدد من البلدان الأخرى عبر السماح لها باستخدام المزيد من مصادر الطاقة «غير النظيفة»، ما يعني في النهاية نوعاً من التحالف القاتل بين أميركا وتلك البلدان ضد البيئة والطبيعة والحياة على هذا الكوكب.

لقد وردت في البيان الخامي إدانة واضحة لـ «الحمائية» التي كانت، مع شعار «أميركا أولاً»، أحد أبرز أركان الحملة الانتخابية لدونالد ترامب. لكنها نسفت تلك الإدانة عندما أقرت حق «الدفاع التجاري المشروع»، أي، بكلام آخر، حق الولايات المتحدة بممارسة الحمائية عبر فرض رسوم باهظة على الواردات الأوروبية والصينية.

والملفت أن الأوروبيين، وخصوصاً الفرنسيين والألمان، أي الذين تضعهم واشنطن في موقع الاستهداف مع الصين، والذين يشكلون الجهة الأكثر تضرراً من الضغوطات التي تمارسها عليهم واشنطن بهدف تشديد العقوبات على روسيا، قد ضموا صوتهم إلى الصوت الأميركي، خلافاً لما تقتضيه مصالحهم، عندما قرنوا إدانة الحمائية، وهي أميركية بالدرجة الأولى، بسياسة إغراق الأسواق التي توجه فيها أصابع الاتهام عادة إلى الصينيين.

وبكلمة، فإن قمة العشرين للعام 2017، حملت مؤشرات قيمة بقدر ما وضعت الولايات المتحدة في موقع العداء المكشوف لدول وشعوب العالم الأخرى.

أما مشاركة مئات الألوف من الأوروبيين في تظاهرات الاحتجاج على السياسات التي ترعاها مجموعة العشرين، فهي دليل على أن في العالم مجالات حقيقية لخوض معارك من غير النوع المزيف الذي تخوضه واشنطن ضد الإرهاب.

 

بقلم: عقيل الشيخ حسين  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: العهد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/2781 sec