رقم الخبر: 197899 تاريخ النشر: تموز 14, 2017 الوقت: 13:55 الاقسام: مقالات و آراء  
استحقاقات ما بعد الانتصار على داعش

استحقاقات ما بعد الانتصار على داعش

2017/7/10... يوم مفصلي، ومحطة مهمة، وانعطافة حاسمة، في تاريخ وحاضر ومستقبل العراق، بل في تاريخ وحاضر ومستقبل المنطقة والعالم، لانه شهد الاعلان عن طي صفحة تنظيم داعش الارهابي في مدينة الموصل، الذي اعتبرها قبل ثلاثة اعوام احد ابرز وأهم معاقله، حينما أعلن زعيم التنظيم ابو بكر البغدادي من على منبر جامع النوري، ما يسمى بـ »دولة الخلافة الاسلامية».

انكسار وهزيمة داعش في العراق، لا يمثل انتصارا للعراق والعراقيين فحسب، وإنما انتصارا لكل الانسانية على فلول الشر والهمجية والتخلف والطغيان.

ولعل ردود الفعل العربية والاسلامية والدولية المرحبة باعلان الانتصار على داعش، يعكس حجم وطبيعة الانجاز الكبير الذي حققه العراقيون في خضم ظروف صعبة، وتحديات خطيرة، وهواجس مرعبة.

في ذات الوقت فإن مظاهر الفرح والابتهاج التي عمت شتى مدن ومحافظات العراق، عبرت في واقع الامر عن حقيقة ان تنظيم داعش الارهابي مثّل العدو الاول لكل العراقيين، وتلك رسالة عميقة وبليغة لا بد ان تكون حاضرة بقوة في كل الاوقات، حتى لا يعود كابوس داعش مرة اخرى، تحت اي مسمى او عنوان.

ولا شك انه من الطبيعي جداً ان يعزز الانتصار الكبير على داعش مشاعر التفاؤل والحماس والاستبشار بالمستقبل، لكن ما ينبغي التنبه والالتفات اليه في ظل اجواء الفرح الغامر، هو التهيئة والاستعداد الحقيقيين لمرحلة ما بعد داعش، او بتعبير اخر، ان تنظيم داعش، وعلى امتداد ثلاثة اعوام خلف الكثير من المشاكل والازمات والتحديات الامنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذه المشاكل والازمات، تمثل استحقاقات مرحلة ما بعد داعش، وكل الاطراف والقوى السياسية والدينية والمجتمعية العراقية، واكثر من ذلك المحيط الاقليمي والمجتمع الدولي، معنية بها، ومسؤولة عن تطويقها واحتوائها ومن ثم التغلب عليها، وفق رؤى وخطط ومشاريع وتصورات عملية وواقعية.

واذا لم يصر الى  التعاطي مع استحقاقات مرحلة ما بعد داعش بحرص واهتمام ومسؤولية، فإن العراق وغير العراق، سوف يشهد ارتدادات خطيرة للارهاب، حينما تتوفر الارضيات والمناخات الملائمة لتفعيله وتوسيع وجوده.

وخلال ايام قلائل، انطلقت تصريحات من قبل شخصيات سياسية عراقية، تشيد فيها بالانتصار الكبير، بيد انها في ذات الوقت حذرت من مخاطر المرحلة القادمة، اذا لم تعالج الاخطاء والسلبيات القائمة.

وفي حال افترضنا ان المشاكل الامنية -صغيرة كانت ام كبيرة- غالبا ما كانت نتاج ازمات وعقد واشكاليات سياسية كبيرة، فإن اي حديث عن اصلاح المنظومات الامنية، وانهاء الارهاب، دون مراجعة حقيقة وعميقة للواقع السياسي، وتصحيح مساراته الخاطئة، وإعادة النظر في مخرجاته، لن يفضي الى نتيجة ايجابية ملموسة، وسيبقى الجميع يدورون في حلقة مفرغة، تحول دون حل ومعالجة اي خلل او نقص او ضعف، لا على الصعيد الامني فحسب، وانما على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والخدمية.

لا بد من اتخاذ خطوات جريئة وسريعة، وطرح مبادرات شجاعة، او تفعيل ما كان مطروحا في اوقات سابقة، من قبل مشروع التسوية الوطنية الذي طرحه التحالف الوطني العراقي، او المصالحة المجتمعية التي دعا اليها رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي وشخصيات ونخب سياسية عديدة، شرط ان تحمل بين طياتها رؤى عملية قابلة للتطبيق، ومقبولة، وتخلق تطمينات حقيقية لكل المكونات، ناهيك عن كسر القوالب السياسية التي تشكلت خلال الاربعة عشر عاما الماضية، ولم تنتج الا مظاهر وظواهر وسلوكيات وممارسات ومؤسسات خاطئة وعقيمة وبائسة وفاسدة.

ولا شك ان اجواء الانتصار، تمثل الفرصة الافضل للانطلاق الى الامام ومعالجة اخطاء وسلبيات الماضي.

وحينما تكون الحلول والمعالجات السياسية منتجة، وتبرز انعكاساتها الايجابية على الواقع الامني، فإنها تلقائيا ستمهد الطريق للشروع بإصلاحات اقتصادية شاملة، من بين ابرز عناوينها الحد من مظاهر الفساد الاداري والمالي المستشري في شتى مفاصل ومؤسسات الدولة، واعادة اعمار المدن والمناطق المحررة من عصابات داعش، او ما يدعو اليه البعض من "اعادة اعمار وبناء مدن الضحية والتضحية"، وتسريع عودة عشرات الالاف من النازحين الذين تركوا بيوتهم وفقدوا ممتلكاتهم هربا من بطش واجرام عصابات داعش، ووضع وتنفيذ الخطط والتصورات الملائمة لتعزيز وتكريس قيم التعايش السلمي في المدن والمناطق ذات التركيبة السكانية المختلطة، قوميا ودينيا ومذهبيا.

ومثل تلك الخطوات والمبادرات والخطط والمشاريع تحتاج الى اموال كبيرة، وجهود جبارة، وتعاون وتنسيق على كل الصعد والمستويات، نظرا لحجم الدمار الهائل الذي خلفته عصابات داعش الاجرامية.

ويشير الامين العام لمجلس الوزراء العراقي علي العلاق، الى ان كلفة اعادة اعمار مدينة الموصل بعد تحريرها من عصابات داعش الارهابية يصل الى ملياري دولار. علما ان رئيس الوزراء حيدر العبادي كان اعلن في الثاني والعشرين من شهر حزيران-يونيو الماضي، عن تجاوز كلفة دمار البنى التحتية بسبب الحرب على عصابات داعش الارهابية مائة مليار دولار.

وايا تكن الارقام التخمينية المطروحة، فإن الواقع القائم يؤشر الى ان ما خلفه داعش في الموصل والانبار وتكريت وديالى ومدن اخرى يحتاج بالفعل الى الكثير من الاموال، والى جانب ذلك يحتاج الى ارضيات ومناخات مناسبة للانطلاق بخطط اعادة العمران وتأهيل الانسان، وهنا فإن الدعم والاسناد الخارجي، يعد عاملا مهما وحيويا لا غنى عنه.

ويخطئ من يعتقد، سواء من جيران العراق ومحيطه الاقليمي، او المجتمع الدولي، انه غير معني باصلاح ما خربه وخلفه داعش، لأن التجربة اثبتت ان الجميع مستهدفون، ولو لم يكن العراقيون قد واجهوا ذلك التنظيم الارهابي بشجاعة وبسالة وقدموا الكثير من التضحيات، لكان قد اجتاح دولا ومجتمعات، قريبة من العراق وبعيدة عنه، وقتل ودمر وخرب ما يمكن ان تطاله ايديه من اناس ومؤسسات وعمران، وما العمليات الارهابية الممتدة من باكستان وافغانستان مرورا بسوريا ولبنان والاردن والسعودية ومصر وتونس، الى فرنسا وبلجيكا وبريطانيا، وصولا الى الولايات المتحدة الاميركية، ما هي الا مصاديق ودلائل دامغة على طبيعة نهج داعش الاجرامي، الذي لو اتيح له لحول كل مدينة من مدن العالم الى «موصل» اخرى، و«رقّة» ثانية!.

 

بقلم: عادل الجبوري  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: العهد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1303 sec