رقم الخبر: 198704 تاريخ النشر: تموز 24, 2017 الوقت: 15:32 الاقسام: مقالات و آراء  
الشرق الأوسط والإستقرار المتعثر

الشرق الأوسط والإستقرار المتعثر

لا خلاف على أن منطقة الشرق الأوسط تعاني أزمة عدم استقرار مزمنة، وكلما بدا أنها استقرت في شكل يسمح بتصور ملامح نظام يؤسس لنمط تفاعل مستقر بين دولها، يقع انفجار غير متوقع، لتعود العملية إلى المربع الأول.

والانفجار هذه المرة جاء من الداخل، وما نشهده حالياً هو حالة من الانفلات الإقليمي خالية من الضوابط والتوازنات، حيث باتت كل دولة من دول المنطقة، أو ما تبقى منها، تتصرف بمفردها في محاولة للحفاظ على وجودها من دون وجود لأي ضابط إيقاع إقليمي. والأخطر من ذلك التفلت غير المسبوق في العلاقات الدولية لا سيما الأداء السياسي والعسكري الروسي من جهة واللامبالاة الأميركية، ولا حاجة إلى الحديث عن شبه انعدام للدور الأوروبي.

أما الدول العربية فهي اليوم في حالة تفكك وفقدان للتضامن والاولويات. الرئيس التركي دعم «داعش» في تحديها نظام سايكس - بيكو، والأكراد يسعون الى تغيير خريطة الشرق الأوسط ويرغبون في دولة خاصة بهم، ويتوقعون بروزها جزاء لمساهمتهم في هزيمة «داعش».. لذلك تولي تركيا الأولوية للحؤول دون استقلال أكراد العراق أكثر مما توليها لهزيمة «داعش» أو إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، وتسعى أنقرة الى قمع الميليشيات الكردية السورية المتحدرة من «الكردستاني»، فهي تخشى أن تحوز الميليشيات هذه مشروعية دولية بعد كسبها احترام العالم في ميدان المعارك. ولكن حظوظ دولة كردية في الحياة ضعيفة - في وقت تقع بين 4 دول إيران والعراق وتركيا وسوريا - تعاديها وتعارض بروزها.

ولا ننسى هنا، روسيا وهي لاعب بارز في الشرق الأوسط، على رغم أن الكرملين غير معني بالمواجهات الحامية  بين القوى المتصارعة، إلا أن أهدافه اليوم تتقاطع مع أهداف الأطراف الفاعلة.. ولكن حين تستقر الأحوال، سيبرز التنافس للسيطرة السياسية على سوريا وجوارها.

كتب هنري لورنس، المحلل والمؤرخ الفرنسي في مجلة  "LE POINT" تحت عنوان «نزاع استراتيجي في الشرق الأوسط على الهيمنة والريادة»: «نشوب نزاع استراتيجي في الشرق الأوسط لا يقتصر على نزاع بين السنة والشيعة فحسب، ويبدو أن طهران تسعى إلى بلوغ البحر المتوسط، وإلى إنشاء «حزام أمني» يحمي إيران، عن طريق نقل مسارح النزاع إلى خارجها».

الولايات المتحدة التي تراجعت عن الإضطلاع بدور شرطي المنطقة، خلفت فراغاً، ومع اضطراب الدور الأميركي أو غموضه في المنطقة، تبسط إيران نفوذها ضمن محور المقاومة والممانعة وتبرز بقوة في الساحة الديبلوماسية الدولية. ولذا، على قطر التي تنتهج سياسة مهادنة إزاء إيران حسم أمرها وتبديد موقفها الملتبس: فإما أن تنحاز إلى المعسكر السعودي وإما إلى محور ايران.

ولا ننسى هنا، أن الاتحاد الأوروبي شريك تجاري وازن في المنطقة، والكل يلجأ إلى أوروبا حين تتوتر علاقاته بالولايات المتحدة.. واستثمرت قطر في القارة القديمة أكثر من 400 بليون يورو.. وتعرض إيران على أوروبا عقوداً اقتصادية مجزية، لكن أوروبا لا ترغب في أكثر من هذا الدور التجاري في الشرق الأوسط، فالغرب لا يريد الانزلاق إلى أتون المنطقة هذه.

أما بالنسبة لـ «إسرائيل»، فقد أعد ترامب خطة للسلام في الشرق الأوسط وإسرائيل مرتاحة الى تبدل الأولويات العربية، فعندما قرر الرئيس الأميركي أن يدخل الشرق الأوسط من باب السعودية، كان يعلن في سياق تصفية إرث اوباما السياسي أنه يسعى الى استعادة الحلفاء التقليديين لأميركا ويضع مسألة احتواء المشروع الإيراني المتعاظم في المنطقة على رأس أولوياته.

وعندما قرر ترامب أن يغادر المنطقة من باب «إسرائيل»، كان يعلن أنه في صدد إعادة الإعتبار والمكانة لمسألة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي التي أهملت كثيرا في السنوات الأخيرة ووضعت على «رف الانتظار»، وأنه في صدد الإعداد لخطة تحريك مفاوضات السلام ورد الاعتبار لمشروع «حل الدولتين»، ولكن وفق منهجية جديدة وخطة حل مبتكرة تأخذ في الاعتبار المتغيرات الجذرية الحاصلة في المشهد الإقليمي.

في تقدير أوساط دبلوماسية، فإن واشنطن ستتولى الحد من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط مقابل أن تتولى السعودية تشجيع السلام العربي- الإسرائيلي، وتعديل مفهوم «الأرض مقابل السلام»، والتغاضي عن التطبيع العربي الجاري مع إسرائيل لأن جوهر الصراع انتقل من مصير الشعب الفلسطيني إلى مصير الدول العربية وأنظمتها وإلى الصراع مع إيران ومكافحة الإرهاب.. وفي هذا الإطار يعمل ترامب على تحضير لقاء مسيحي - إسلامي - يهودي يغطي الإنعطاف العربي نحو صلح واقعي قبل سلام رسمي.

يبدي المقربون من نتنياهو ارتياحا الى التطورات، فقد بات الموضوع الفلسطيني هامشيا أيضا بسبب التطرف الإسلامي وأصبحت إيران مع حلفائها مشكلة العالم العربي بدلا من القضية الفلسطينية. ويقول هؤلاء إنه في الغرف المغلقة لا أحد من العرب يهتم بهذا الموضوع، فالدول العربية منشغلة بنفسها وببقائها لأن إيران تخيفها.

وليس صدفة إنشاء الائتلاف السعودي الذي يضم عددا من الدول، وبسبب هذا الخطر سيفتحون علاقات مع «إسرائيل» في عهد ترامب الذي ستتوصل معه إسرائيل الى تفاهمات وعلى الطريق سيكون هناك حل للموضوع الفلسطيني.

بالإجمال، إسرائيل راضية تماما عن مسار التطورات الدولية التي تخدمها وتصب في مصلحتها، وبدأت استثمارها والبناء عليها.. ولا يتعلق الأمر فقط بالرئيس الامريكي، وإنما أيضا بالتطورات السياسية الدراماتيكية في أوروبا، بدءا من الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، مرورا بوصول رئيس فرنسي مؤيد لها، وصولا الى تبدل السياسات والاولويات لأوروبا الغارقة في مشاكل الأمن والإرهاب والهجرة، والمنصرفة عن مشاكل وأزمات المنطقة بما فيها أزمة الشرق الأوسط وملف «الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي»، ومجمل هذا الوضع أدى الى ضعف الجبهة المناوئة لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي.

في النهاية نجد أن التحولات والتحديات التي تطال النظام الإقليمي قد تكون ناتجة عما يجري على مستوى العالم. ولعل المشكلة اليوم ليست أزمة النظام الإقليمي، إن وجد، بقدر ما هي أزمة نظام عالمي يتداعى، والتحدي الأكبر لمستقبل المنطقة والأجيال المقبلة هو موضوع إعادة البناء السياسي والاجتماعي والثقافي الى جانب الإعمار الاقتصادي والمالي، وعلى أي أسس ومبادئ وأفكار ونماذج؟

 

بقلم: سركيس ابو زيد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: العهد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1809 sec