رقم الخبر: 199925 تاريخ النشر: آب 08, 2017 الوقت: 16:58 الاقسام: ثقافة وفن  
الكتابة وفق المواءمات.. فكرة رمزية دون تصريح
الرقيب الداخلي لن يعرقل المبدع الموهوب

الكتابة وفق المواءمات.. فكرة رمزية دون تصريح

تتباين آراء وتوجهات المبدعين إزاء الكتابة؛ هل ينبغي أن تمارس دورها في التحليق بعيداً عن أي تكبيل وتضييق يريد لها أن تظل محصورة في إطار السوية الاجتماعية أم أن الكاتب عليه أن يكتب وفق عدد من المواءمات تضمن له التعبير عن فكرته برمزية ما دون تصريح واضح ودون تنازل عن فكرته المقصودة؟

استطلعنا آراء عدد من الكتاب والكاتبات العرب حول تأثير حضور الرقابة الخارجية على اللاوعي لدى الكاتب، ودورها في فرض أنواع من الرقابة الذاتية عليه تجعله غير حر تماماً في ما يكتب وغير قادر على تجاوز «الخطوط الحمراء» في كتاباته، والنتيجة التي قد تترتب على تلك الرقابة الذاتية من إنتاج أعمال متشابهة سواء في الموضوع أو في التناول.

تكبيل القلم

الكاتبة السورية وجيهة عبدالرحمن تقول «لا أذكر ذات يوم لدى الكتابة أنَّني فكرت أنَّ هناك حدوداً يجب أن أقف أمامها أو آخذها بعين الاعتبار لئلا أتجاوزها، لا أملك المقص أو أيَّة أداة أخرى للعمل على تشذيب النَّص قبل تقديمه للقارئ في صيغة رواية أو نص شعري أو مقالة، فأنا لا أضيّق الخناق على الموضوع الذي أتناوله مرضاة للمجتمع أو الأنظمة فيما إذا كان الموضوع الذي سأتطرق إليه لا يتناسب ومقاسهم الفكري والأيديولوجي».

ترى عبدالرحمن أن الكتابة ليست مجرد كلمات أو تراكيب، إنَّما هي الذَّات التي وظَّفت إمكاناتها من أجل نشر الحقيقة أو وصف صورة أو سرد تاريخي لمرحلة مبهمة أُخفيت فيها الحقائق، والموضوع هنا أبعد ما يكون عن الرغبة في الشهرة من خلال المسَّ بالتابوهات أو الحكومات أو تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها مجتمع يخضع بكليته أو جزء منه لموروث لم يجلب سوى الخذلان.

وتلفت عبدالرحمن إلى أنها تكتب بحرية تامة لأنها ليست لديها رغبة في تكبيل القلم الذي هو أداتها في مواجهة الاستبداد الاجتماعي والسياسي والديني، كما أنها لحظة الكتابة تتناسى تماما أنها امرأة ولديها عائلة و«أن تجاوز الخطوط الحمراء وفق منظور هذا المجتمع أو ذاك قد يسيء إلى شخصي أو قد يجلب بعض المشاكل، فالامتثال لتلك المحرمات والمحددات يؤطر الإبداع تماماً ويجعل الكاتب شريك الجاني في تأطير الفكر».

الكاتب اللبناني فوزي ذبيان يتبنى الرأي ذاته، فالرقيب الداخلي بالنسبة إليه ينبغي أن يحث الكاتب على تجاوز الخطوط الحمراء التي تواضع عليها المجتمع، ويحث الكلمات للمضي إلى أقصى قدراتها القولية وهي تحثه للمضي إلى أقصى فضاء من الحرية يمكن أن يصل إليه، فالكلمة تختزن بتاريخها اللامنضبط كل إمكانات القول والمجابهة. بالتالي، إن العلاقة بين هذا الرقيب والكلمة إنما هي علاقة جدلية، فيجب، كما قال مالارميه، ترك المبادرة للكلمات.

أما الكاتبة الأردنية ريما حمود فتبين أن الخطوط الحمراء عندها هي ذاتها لدى أي امرأة، تحاول أن تلمس كل خط برهافة، فلا تكون وقحة فجة، ولا ضعيفة مترددة أمام هذه الخطوط، ولا تتظاهر في كتابتها أنها غير موجودة، ولا تجعل الهدف من كتابتها أن تقفز عليها أو تستعرض قدرتها وجرأتها في قول كل ما يمكن أن يقال، مضيفة «أظن أن لكل موضوع زاوية يستطيع كل مبدع أن يكشفها بالطريقة الأنسب لشخصيته، وأعتقد أن ذكاء الكاتب يظهر في كيفية التعرض للثالوث المحرم بأسلوب لا ينفّر القارئ».

الكلمة قيد

وتتفق معها الكاتبة الإماراتية لولوة المنصوري التي ترى أنه لا أحد يكتب بحرية تامة متخففاً من الرقابة الذاتية، موضحة أنه ليس هناك حرية مطلقة، على الأقل على مستوى الكلمة والفكرة كما قال ابن عربي «الكلمة قيد والحرف قيد». إذا كانت للمبدع القدرة على التحايل على الرقابة الخارجية، فكيف يمكن له أن يتجاوز رقابته الذاتية؟ هل يمكن للمبدع أن يتحايل على رقابته الخاصة؟

وفي المقابل فإن الحرية هي شرط الكتابة، فالإبداع هو قفز على السائد والمألوف، إلا أن الصوت الداخلي فينا حين نكتب ينبعث من مكان ما في الذات القلقة، ويعزز قناعتنا بأن لا بد من رقابة روحية على النص كأقل مستوى من مستويات الرقابة، إذا لم ينسجم النص الحر التنويري مع الفظاظة والركاكة والابتذال الفكري وتسطيح الخطاب والأدلجة، لا بد من حرية مقننة يفرضها ضميرنا الأدبي على المحتوى والمنتج.

وتتابع المنصوري «متى ما تمكن الكاتب من امتلاك أدواته واكتساب الخبرة والتراكم في تحرير نصه، تمكن بالحيلة والمواربة من استبدال أداة بأخرى دون الاستغناء عن جوهر الفكرة، والجميع يعلم المقصود بالأدوات المستخدمة في مكر الكتابة، ولكن المهم هو كيفية التعامل معها إما عن طريق الرموز أو الخيال والحلم وأيضا الاستعانة بالتاريخ والأساطير والخرافات إن أمكن، كما فعلت شهرزاد في حكايات ألف ليلة وليلة، فالرمز والتمويه واللغز تمنحنا حرية أكبر في إيصال فكرة يراها الرقيب من ضمن قائمة المحرمات. فالكاتب الناجح هو من يتجاوز قلق الرقيب، وينطلق في ميدان الكتابة بالمكر والدهاء والحيل الأدبية.

وتنوه إلى أن الرقابة واقع مفروض على البشر منذ أن خلقوا، فإن تحرر الإنسان من الخارج لن يسلم من كآبة قلق الرقابة الذاتية، الرقابة والخوف جزء لا يتجزأ منا، وقلق الكتابة صحة، علينا أن نتصالح مع الرقابة، ولا أعني هنا الرضوخ، فالتصالح يستدعي الحيلة الإبداعية مهما كان الثمن. ولعل أكثر النصوص الإنسانية الخالدة هي تلك التي كتبها مبدعون واقعون تحت طائلة القهر والكبت، تصالحوا مع واقعهم وحرروا نصوصهم بطريقتهم الخاصة.

لست مع النص الفج السهل المباشر، وأحرر فكرتي ومغزاها بالإشارة، جل نصوصي ونتاجاتي الأدبية سرتُ فيها على نهج ابتكرته لحريتي الخاصة دون أن أجرح كبرياء الأدب، وأثق بذكاء القارئ العربي ومحاولاته المتطورة في إعادة قراءة النص وتجديده من خلال تفكيكه وخلق دلالات حوله. في رأيي، إن أكبر خطر وأكبر رقيب على الإبداع الحر في الثقافة العربية المعاصرة هو القارئ العربي الذي أنتجته قرون من تراكمات الثقافة المتعصبة المؤدلجة أو النصوص الكلاسيكية التنميطية المكررة.

من جانبه، يرى الروائي المصري ناصر عراق أن لكل مجتمع تقاليده وأعرافه السائدة التي تفرض نفسها على أي كاتب. ولأن الكتابة الجادة هي فعل تحطيم بشكل ما للمنظومة الفكرية المتخلفة السائدة من أجل تأسيس مجتمع أكثر عدلا وحرية وجمالا، على الكاتب أن يتحايل لتمرير أفكاره بذكاء حتى لا يصطدم بالقوالب الجامدة في مجتمعه، ويمكن القول إن الرقيب الداخلي لن يعرقل المبدع الموهوب عن طرح أكثر القضايا حساسية وقلقا بحصافة وفن.

 

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ موقع نقطة ضوء
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/5763 sec