رقم الخبر: 200117 تاريخ النشر: آب 11, 2017 الوقت: 16:35 الاقسام: ثقافة وفن  
الاهتمام بالمستقبل.. مسؤوليّة تضامنية مشتركة
الدّين محفِّز كبير على التفكير بالغد

الاهتمام بالمستقبل.. مسؤوليّة تضامنية مشتركة

إنّ ديننا الإسلامي القيّم يُطالبنا في أن نلبِّي احتياجاتنا واحتياجات أمّتنا في حقول المعرفة وأنشطة الحياة كلّها.

ولن يتحقق ذلك بين عشية وضُحاها، فعلى الرغم من الجهود التي بذلها النبيّ (ص) لبناء أُمته خلال ثلاثة وعشرين عاماً، إلّا أنّ مستقبل الأُمّة بقيَ بحاجة إلى مَن يرعاه ويهتم بشؤونه ويحافظ على استقامته، ويصل به إلى أهدافه المرجوّة.

 إنّ الإسلام يعتبر ذلك واجباً عينياً يتعيّن على كلّ فرد في الأمّة العمل على تلبيته وتحقيقه من أجل التنمية التي تملأ الفراغ وتسدّ الحاجات الأساسية، حتّى لا تضطر الأمّة إلى أن تبذل من عزّتها وكرامتها في التبعية للآخرين.

فإذا قام أبناؤها بما يلبي تلك الحاجات سقط الواجب عنهم، وإلّا فهم مقصّرون، الأمر الذي يقتضي سعياً دؤوباً من أبناء الأمّة لا سيّما شبابها الغيارى، ليس فقط في بناء حاضر مزدهر بل بإقامة قواعد وأركان وأعمدة لمستقبل أكثر ازدهاراً: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» «الملْك/ 2».

إنّ الأمم الحيّة هي التي لا تنام على أمجاد ماضيها القديم، ولا تقتنع بانجازات حاضرها الراهن، وإنّما تخطِّط لأن يكون مستقبلها أكثر رقيّاً وازدهاراً والأمم بأبنائها وتحديداً الشباب منهم.

 إنّنا إذا أردنا أن نتلمّس اهتمامات الإسلام بالمستقبل فيمكن التقاط العناوين المستقبلية التالية:

1- إعتبار كلّ يوم جديد: في المأثور من أدعيتنا: «وهذا يومٌ حادثٌ جديدٌ، وهو علينا شاهدٌ عتيدٌ، إن أحسنّا ودّعنا بحمد، وإن أسأنا فارقنا بذمّ».

إنّك بتدشينك يوماً جديداً إنّما تفتح في كتاب وجودك صفحة جديدة، يمكن أن تصحِّح فيها أخطاء الصفحات الماضية، ويمكن أن تضيف فيها إلى رصيد ما مضى رصيداً جديداً.. وبالتالي فاليوم الجديد.. فرصة جديدة.. أمل جديد.. وأفق جديد.

2- التفكير بالمصير «الحياة الأخرى»: في الحديث: «إعمل لدُنياكَ كأنّكَ تعيشُ أبداً، وأعمل لآخرتكَ كأنّك تموتُ غداً».

هنا موازنة واعتدال: تفكير بـ «الحاضر» دنياك التي تعيشها فعلاً، وتفكير بـ «الغد» حياتك الخالدة الأبدية، ومن الخطأ تغليب أحدهما على الآخر. فالدنيا ليست للمراوحة والجمود والانتظار.. هي «مزرعة الآخرة»، وهذا المعنى يستبطن الاهتمام بالمستقبل، فما دُمتَ تزرع يعني أنّك تنتظر الحصاد في الموسم، والحصاد مستقبل.. والمواسم مستقبل..

3-مواصلة الأجيال وتتابعها: لو كان الإسلام مهتّماً بالحاضر وحده لما دعانا إلى الاهتمام بأولادنا وببناء الحياة من أجل أن ينتفع بها غيرنا، كما انتفعنا بما بناهُ مَن كان قبلنا، ولا دعانا إلى نقل التجارب والاهتمام «بالوصيّة».

إنّ الوصايا دليل اهتمام بالمستقبل.. تأمّل في هذه الوصيّة المستقبلية: «َوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»، «البقرة/ 132».

أي أن يكون كلّ جيل لاحق حاملاً للإسلام كما حمله أسلافه الصالحون.

4-التدارك والاستدراك والإصلاح وتعويض ما فات: إنّ مفهوم «القضاء» في العبادات فيه نظرة مستقبلية، لأنّه تدارك لما فاتَ في الماضي، وكلّ «استغفار» و«توبة» و«ندم» و«كفّارة»، هو استدراك لما انقضى، وكلّ مراجعة للنّفس ومحاسبة لها وتراجع عن أخطائها السالفة، هو حركة باتجاه المستقبل.

5-الإدِّخار والإقتصاد: مُخطئ مَن يتصوّر أنّ الدّين لا يُشجِّع على الإدِّخار والاقتصاد تحسّباً لطوارئ المستقبل، فكما ينبغي أن لا تتعلّق بالدّنيا فتتصوّر أنّ الغد من عمرك، كذلك ينبغي أن تدخله في حسابك «لتتوازن حياتك وتعتدل».

6-ثقافة الدّعاء تُعلِّمنا العناية بالمستقبل: في الدعاء القرآني: «وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدا، إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا»، «الكهف/ 23-24 ».

لا يعني هذا صرفاً عن الاهتمام بالمستقبل، بل نهياً عن الركون إلى طول الأمل ونسيان الموت والغفلة عن ذكر الله الذي بيده «اليوم والغد والأمس».

7-التحذير من التراجعات المستقبلية: كان النبيّ (ص) قد لفتّ نظر المسلمين أنّهم سيتراجعون في المستقبل، وحّرهم من الانقلاب على الأعقاب، وكلّ حديث فيه (سيأتي زمان على أمّتي)، هو قراءة مستقبلية (نبوءة).. وهو تحذير من النكوص والإنكفاء والتراجع، ممّا يعني أنّ الإسلام يريد (تطوير) المستقبل والارتقاء به.

أرأيتَ العملية التصاعدية التي يُطالب بها الإسلام؟!

8- العمل لما بعد الموت: إنّ الحث على القيام بأعمال خيريّة، فيها برّ وفيها صلاح وفيها نفع، هو واحد من اهتمامات الإسلام بالمستقبل أيضاً، فعندما تقرأ الحديث: «يموتُ الرّجل وينقطع إلّا من ثلاثة: علمٌ يُنتفَعُ به، أو صدقةٌ جاريةٌ، أو ولدٌ صالحٌ يدعو له»، فإنّك تعرف قيمة الاهتمام الإسلامي بالمستقبل.

من ذلك كلّه نستنتج أنّ دواعي الإسلام للإهتمام بالمستقبل هي:

تعويض خسائر الماضي والحاضر، تحقيق ما لم نوفّق لإنجازه في الماضي والحاضر، المواصلة والاستمرار واستكمال المشوار.. زخم الأمل، الإنماء والتطوير والإستنزادة والتوسعة، المستقبل سيكون – عمّا قريب – حاضراً، فهو من مسؤوليّاتنا أيضاً، فمَنْ لم يعتبر المستقبل من حاضره فهو ممّن لا يريد أن يغادر ماضيه، الوصول إلى الأهداف الكبرى وتحقيق الدرجات العُليا في الحظوة عند الله والقُرب منه واكتساب المقام المحمود عنده.

 الاهتمام بالمستقبل إذاً هو مسؤوليّة تضامنية مشتركة، فهو من جهة مسؤولية الفرد نفسه، وهو من جهة مسؤوليّة الأسرة باعتبارها الحاضنة لأفرادها، وهو مسؤولية المدرسة باعتبارها المؤهلة للجيل الجديد، وكذلك هو مسؤوليّة المجتمع باعتباره كلّاً متكاملاً متكافلاً، كما هو مسؤوليّة الدولة باعتبارها الراعي الكبير والمسؤول الأوّل عن شؤون الرعية والآخذ بيدها نحو الآفاق العالية.

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 9/5362 sec