رقم الخبر: 200560 تاريخ النشر: آب 16, 2017 الوقت: 16:05 الاقسام: ثقافة وفن  
أدب الأطفال وثقافتهم.. إشكالية المصطلحات والمفاهيم
أسس نفسية وتربوية ولغوية تتناسب مع كلّ مرحلة

أدب الأطفال وثقافتهم.. إشكالية المصطلحات والمفاهيم

مازال عالم الطّفولة يشغل حيزا مهمّا في الرّاهن الثّقافي، تتقاطعه أنساب وانتماءات إلى أصول تربوية، ونفسية، واجتماعية ولغوية وأدبية،

 وقد ظلّت الطّفولة لسنوات طوال تستولد الأسئلة باستمرار حول علامة دونيتها وقهرها، وكان على الإنسانية أن تجد أجوبة لأسئلتها ''الّتي انتظرت آلاف السنين حتّى أتى الفيلسوف والمربّي الطّبيعي (جان جاك روسو)  في عصر التنوير ليحرّض من خلال صيحته الشهيرة (اعرفوا الطّفولة) على ممارسة نظرة مغايرة تتعامل مع الطّفل كطفل لا كراشد صغير حيث اهتمّ بدراسة الطّفل كإنسان حرّ، وأخرجه من المجال السّلبي الّذي وَسَمه به البالغ.

ومع حلول  القرن العشرين الّذي يسمّيه البعض بعصر الطّفل، شكّلت الطّفولة محور الكثير من الدراسات التي تناولتها كظاهرة نفسية واجتماعية الأمر الّذي أدّى إلى ظهور كتابات موجّهة للأطفال، توسم تارة بثقافة الأطفال وطورا بأدب الأطفال، وكأنّ المصطلحين يقفان على نفس المعنى، فقد لوحظ أنّ هناك من الباحثين والدّارسين الذين يؤلّفون في قضايا أدب الطّفل «لا يميّزون بين مدلول أدب الأطفال، ومدلول ثقافة الأطفال لذلك نجدهم يقعون في بعص الأخطاء الجسيمة حين لا يدركون حقيقة المقصود في أدب الأطفال، وحقيقة المقصود في ثقافة الأطفال، فيخلطون في أمر المقصودين» دون إعطاء كلّ منهما حقّه في دلالته وفهمه، وتشخيصه؛ لكي لا يلتبس الأمر،

فصار أدب الطّفل سلّة ترمى فيها كرات العلوم الإنسانية والوسائط الإعلامية، ممّا أدّى  إلى اختلاط المفاهيم وتداخلها وبالتّالي غياب الرّؤى والأهداف لدى من يكتب للأطفال، ولسنا هنا ننفي عدم استفادة أدب الطّفولة من منجزات العلوم الأخرى ولكن هي دعوة لأَنْ يدرك كل متخصّص في مجالٍ مَوْقِعَه من أدب الطّفولة لأنّ هذا الأخير بأجناسه وأنواعه وأشكال تعبيره في حاجة إلى إسهامات الأدب والنّقد وعلم النّفس وعلوم التربية وغيرها، شرط أن يشبع للطّفولة تذوّقها، مراعيا مراحلها المتتالية.

* ادب الأطفال

إنّ مصطلح (أدب الأطفال) مصطلح إسفنجي يمتصّ عدة تعريفات، وأكثر من تسمية، فهو على مستوى الشكّل يلتصق اسم نوعه باسم متلقّيه، فحين نتكلّم عن أدب الكبار أو البالغين فإنّنا نكتفي بلفظة (الأدب) دون إضافة اسم المتلقّي (الكبار) وهو على مستوى التسمية يتنوّع بتنوّع المؤلّفات والدراسات فمن (أدب الطّفل) إلى (أدب الأطفال) ومن (أدب الطّفولة) إلى (الأدب الطّفلي)  وغيرها من التّسميات، وبالتّالي يثير مصطلح (أدب الأطفال) ومن خلاله (شعر الأطفال) كما سيأتي لاحقا، عدّة تساؤلات حول طبيعة مفهومه وتحديد مصادره ووسائطه، وهل يُقصد به الأدب الّذي ينتجه الطّفل بنفسه، أم ما يكتبه الكبار للطّفل؟ وهل ما يكتب عن الطّفل يعدّ أدبا للطّفل؟ وهو على مستوى التّخصص كفنّ أدبي «مصطلح حديث النّشأة، وحديث الانتشار، لأنّه بدأ تقريبا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، لينتشر أكثر مع صدور إعلان حقوق الطّفل عن الجمعية العامّة للأمم المتّحدة... فعندما أضيفت كلمة (الأطفال) للأدب، أضيفت معها مواصفات جديدة، مثل: مراعاة مراحل أعمار هؤلاء الأطفال، وميولهم، واحتياجاتهم، وقواميسهم اللّغوية؛ لكي يجدوا فيه المتعة العقلية والعاطفية».

فإذا كانت النّظرة إلى أدب الأطفال على أنّه كل ما يُكتب للأطفال شعرا كان أم نثرا، فإنّنا سنجد ذلك مبثوثا في الكتب ووسائل الإعلام السّمعية والبصرية، وبالتّالي تتوسّع مجالات أدب الأطفال لتشمل الكتب المدرسية بما حوته  من كتابات للطّفل، وأخرى عن الطّفل،  وجملة من المعارف الإنسانية ويظهر أنّ ذلك «يحمّل أدب الأطفال أكثر مما يحتمل كمفهوم، ومجال اهتمام ومواضيع ومعارف إنسانية شاملة تفوق مصطلح أدب الأطفال، وتضعه  في مستوى ثقافة المجتمع».

أمّا إذا كانت النّظرة إليه على أنّه مطلق الكتابة للأطفال، شرط  أن تستهويها أنفسهم ويشغفون بها فإنّ أدب الأطفال يصبح «كلّ ما يقدّم للأطفال من نصوص أدبية، كُتبت خصّيصا لهم، وفق أسس نفسية وتربوية ولغوية تتناسب مع مميزات كلّ مرحلة من مراحل الطّفولة،  وتعالج الموضوعات التي تهمّ الأطفال، والمواقف والمشكلات التي تلبّي حاجاتهم للمعرفة والاطّلاع والاكتشاف، عبر الفنون الأدبية المتمثلة في القصّة والحكاية والنّشيد والتمثيلية والتي تُقدّم بأساليب مبسّطة، تتّفق مع مستوى تطوّر الأطفال ونموّهم المعرفي وقدرتهـم على الفهم والاستيعاب»  أي أنّ أدب الأطفال بفنونه المتنوّعة هو الذي يَلقَى الإقبال من قبل الصّغار، لانسجامه مع طبيعتهم، ولِما فيه من أدوات تثير خيالهم، وأساليب تجلب لهم المتعة، وتحملهم إلى آفاق مدهشة، تغذّي أرواحهم وتسمو بمشاعرهم، وترقى بسلوكهم.

فضلا عما سبق يذهب آخرون إلى أنّ ما يكتبه الكبار من أدب للأطفال ليس أدبَ أطفال، وأنّ أدب الأطفال هو ما يكتبه الأطفال أنفسهم، ولعلّ هذا الموقف أُخذ من دعوات التربية الحديثة في الغرب بعد أزمات المجتمع الرّأسمالي، والحرب العالمية الثانية... تلك الدّعوات التي ركّزت على الطّفل ودعت إلى تحرّره من كلّ القيود المرافقـة لتربيته خوفا من الأزمات النّفسية وعلى نفس النهج يرى البعض أنّ أدب الأطفال «هو الأدب الموجّه  للأطفال سواء من الكبار أو من الأطفال أنفسهم، ويشمل كافة الصّور الأدبية من قصّة وشعر وحكاية وكتب معلومات وكتب عملية وأخلاقية ومسرحية وموسوعات للطّفولة» فإذا كان المقصود بعبارة (أو من الأطفال أنفسهم) نشاط الأطفال الأدبي والفنّـي الذي يعتمد على إظهار الموهبة المبكّرة، والذي يكون عادة على شكل محاولات بدائية للأطفال، إلاّ مَـن أسعفتهم الموهبة أن يكتبوا جيدا في ظل جهلهم بحدود كل فنّ أدبيّ على غرار علم العروض، فكم سيكون عددهم في عالمنا العربي؟ وإذا كان المقصود هو نشاطهم في كل الصّور الأدبية فذلك ضرب من الخيال يجانب الحقيقة في كل شيء.

وقد استدلّ أصحاب اتّجاه أنّ أدب الأطفال هو ما يكتبه الأطفال أنفسهم بأسماء وشواهد متنوّعة، على مستوى الأدب العربي والأجنبي، قديما وحديثا.

 

 

بقلم: يوسف عمر  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/0227 sec