رقم الخبر: 200853 تاريخ النشر: آب 20, 2017 الوقت: 16:40 الاقسام: مقالات و آراء  
الحرائق السعودية المتنقّلة.. ومغزى الإستدارة نحو العراق

الحرائق السعودية المتنقّلة.. ومغزى الإستدارة نحو العراق

بإعلانهم الحرب على اليمن، انتقل السعوديون من الحرب بالوكالة إلى الحرب المباشرة. أصبح اليمن، بذلك، ميدان الحريق الأول الذي أشعله الملك سلمان بن عبد العزيز منذ وصوله إلى الحُكم..

غير أن أكثر من سنتين من الحرب المُتعدّدة الأشكال لم يستطعْ فيها التحالف السعودي تحقيق أيّ هدف من أهدافه سوى هدْم البيوت وقتْل المدنيين ونشْر الكوليرا وإجهاض أمل اليمنيين في حياة أفضل وإثارة الفِتَن والضغائِن وتنشيط صفقات بيع سلاح والمشاريع الوهمية.

عندما أصبح زبغنيو بريجنسكي مديراً للأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، تم التخلّي عن فكرة الصِراعات الإيديولوجية لصالح فكرة النِزاعات الدينية والطائفية والقومية. منذ ذلك الحين بدأت تظهر التنظيمات الدينية التي تتحرّك بمُنطلقات طائفية. وكانت البداية بما عُرِف بـ"المجاهدين الأفغان". أطلق بيرجينسكي ومعه هنري كسينجر فكرة أن العدو الجديد للغرب بعد الشيوعية والاتحاد السوفياتي هو الإسلام. ولا بدّ، من أجل هزيمته، من التخطيط للحروب الداخلية ونشْر الشائعات والصِراعات المذهبية والطائفية بين المسلمين. كان الملك السعودي، عندما كان الاتحاد السوفياتي قائماً، أكبر المُموّلين للمنظّمات السلفية ضدّ "السوفيات المُلحدين" كما كانوا يقولون عنهم. استمر السعوديون يدعمون تلك الحركات المُقاتِلة في أفغانستان ثم توسّع ذلك الدعم ليشمل النظام العراقي السابق في حربه الطويلة مع إيران، قبل أن يصل إلى الجماعات المسلّحة في سوريا.

وبإعلانهم الحرب على اليمن، انتقل السعوديون من الحرب بالوكالة إلى الحرب المباشرة. أصبح اليمن، بذلك، ميدان الحريق الأول الذي أشعله الملك سلمان بن عبد العزيز منذ وصوله إلى الحُكم. غير أن أكثر من سنتين من الحرب المُتعدّدة الأشكال لم يستطعْ فيها التحالف السعودي تحقيق أيّ هدف من أهدافه سوى هدْم البيوت وقتْل المدنيين ونشْر الكوليرا وإجهاض أمل اليمنيين في حياة أفضل وإثارة الفِتَن والضغائِن وتنشيط صفقات بيع سلاح والمشاريع الوهمية.

واجه السعوديون حرب استنزاف كما خطّط لهم الأميركي تمهيداً لإدخالهم في حلف علني مع "إسرائيل" ليكون مواجِهاً لمحور المقاومة. ونجح اليمنيون في إلحاق أضرار كبيرة اقتصادية وسياسية بالمُعتدين الذين تحوّلوا إلى أعداء بعد أن كانوا حلفاء بعد انفجار الصراع ضدّ قطر وانسحابها من التحالف. والآن يضطر وليّ العهد السعودي للبحث عن وسيلة لوقف الحرب، فكانت تلك الوسيلة توسيط العراق للتفاهُم مع إيران وأنصار الله الحوثيين لحفظ ماء الوجه.

تُكلّف الحرب في اليمن، بحسب دراسة جديدة لجامعة هارفرد، ما يُقارب 200 مليون دولار في اليوم على السعودية جعلتها تقف على حافة أزمة مالية وتعاني تراجعاً حادّاً في السيولة. ارتفعت ديونها في الستة أشهر الأخيرة إلى 91 مليار دولار وبلغ العَجْز التجاري 52 مليار دولار والعَجْز في الميزانية 26 مليار دولار بنهاية الربع الأول من العام الجاري.. ورغم أنها أكبر دولة مُصدّرة للنفط في العالم ولديها أكبر اقتصاد عربي، تتراجع بشدّة إيرادات المملكة المالية، بسبب تراجع أسعار النفط الخام عما كانت عليه عام 2014، وارتفاع تكاليف الحرب التي تقودها ضدّ اليمنيين في الشمال.

الصفعة التي تلقّاها السعوديون في اليمن دفعتهم إلى الهروب إلى الأمام عبر الاستجابة للطلب الأميركي بافتعال حريق آخر، ساحته قطر؛ الدولة التي شكّلت منذ عقود شوكة في الخاصِرة السعودية. لكن محاولة إشعال حريق قطري لا تزال في بدايتها. ولا وجود، حتى الآن، إلا لدخان مُتصاعِد لم يفتر منذ ظهوره. ومع ذلك، فإن تحوّل الدخان إلى نار ليس شيئاً مُستبعَداً.

لكن الحريق الفعلي تم إشعاله في العوامية شرق البلاد. ادّعى النظام أن مسلحين يمارسون الإرهاب ويُرعبون الناس وإنها تصدّت لهم، ولم يحدّثنا عن التهميش والقتل الذي يتعرّضون له منذ سنوات. استمرّ القتال هناك ليتم تهجير الناس من بيوتهم وقتْل الكثيرين. وعندما انجلى غُبار المعارك تبيّن أن المدينة الصغيرة باتت مُدمّرة..

لم تجفّ دماء اليمنيين ولا أهل العوامية، حتى فوجئ الكثيرون بزيارة زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر، إلى السعودية قبل أن يصل إلى الإمارات على متْن طائرة خاصة أرسلها وليّ عهد أبو ظبي محمّد بن زايد.

جرى حديث عن توسيط الصدر لدى إيران لوقف الحرب في اليمن وإصلاح العلاقات مع الجارة الشرقية الكبيرة، لكنه حديث لا يُقنع لأسباب كثيرة، وبسبب الطلب السعودي الموجّه لرئيس الوزراء حيدر العبادي في هذا الشأن من دون غيره. يتذكّر الجميع شعارات التيار الصدري ضدّ إيران في تظاهراتهم ضدّ الفساد، كما أن الصدر نفسه وصَفَ العناصر المهيمِنة التي تدعمها إيران ضمن وحدات الحشد الشعبي بـ "الميليشيات الوقِحة".

لا شكّ في عداء التيار الصدري للوجود الأميركي في العراق. فرغم محاولات الأميركيين منذ عام 2014، وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية من مصادر مقرّها في العراق، رفَض مقتدى الصدر التواصل معهم والانخراط في مشاريعهم. كما أصدر التيار الصدري تهديدات مُتفرّقة ضدّ القوات الأميركية. وفي 21 /08/2016، أعلن علاء عبّود، المُتحدّث باسم "سرايا السلام"، التابعة للصدر، أنه ليست هناك حاجة لأية مشاركة أميركية في معركة الموصل وأن قوات الصدر "مُتعطّشة للدم الأميركي".

غير أنه، في المقابل، لم يعد خافياً موقف التيار الصدري الرافِض للوجود الإيراني في العراق مهما كانت أشكاله أو مُبرّراته. كانت هذه النقطة هي التي شقّت في الماضي التيار الصدري لتنفصل عنه جماعات عديدة هي الآن جزء من الحشد الشعبي، مثل عصائب أهل الحق.. وهي أيضاً النقطة التي التقطها السعوديون والإماراتيون لتوجيه الدعوة إليه.

الأقرب وجود سلّة أهداف تنتصب وراء دعوة الصدر إلى الرياض وأبو ظبي، أهمها محاولة سحبه إلى الحضن الأميركي من خلال وكلائها في المنطقة بعد أن فشلت المحاولات المباشرة. والثاني توسيع الفجوة بين التيارات الشيعية حيث سمعنا وقرأنا عن جدل واسع حول تلك الزيارات في الوسط العراقي شعبياً وسياسياً. والثالث خلْق حالة من الكره ضدّ الإيرانيين تمهيداً لتحجيم نفوذهم في العراق ليكون عراقاً خالِصاً للأميركيين، فالسعوديون والإماراتيون لا يتصرّفون بعيداً عن توجيهات الأميركي أو تلميحاته.

يشعر المتابِع بوجود مُخطّط دُبِّر للعراق لم تنته فصوله، لكنه ليس وحده في ذلك. فهذا البلد لا يُراد له أن يرتاح، وهو لا يكاد يخرج من فتنة حتى يشعلوا له فتنة جديدة. تلك الراحة تُمثّل خطراً على مصالح الأميركيين وحتى الإسرائيليين ولا يجب أن تُعطى للعراق في تقديرهم، فثروات البلد هائلة وموقعه الجيوستراتيجي استثنائي. هناك محاولة لتمزيق الشيعة أكثر مما هو حاصل. وليس هناك أفضل من تأليب تيار ضدّ آخر، وإغراء بعضهم لدفعه للسير في الاتجاه الخاطئ مما يمكن أن يشكّل استفزازاً لأبناء طائفته الآخرين، لتتحرّك الفتنة الشيعية الداخلية هذه المرّة، تماماً كما تم تحريكها قبل ذلك بين السنّيين من خلال حِصار الدول الأربع ضدّ قطر وما خلّفه ذلك من اصطفافات جديدة لم تكن مُتوقّعة.

لن تتوقّف المملكة السعودية عن إشعال المنطقة، بالوكالة، قبل أن تجد نفسها مُجبَرة على الانكفاء نحو الداخل لإطفاء حرائقها، ومواجهة تصدّعاتها التي بدأت سياسياً داخل القصر وعسكرياً في المنطقة الشرقية، وربما للتعامُل مع ردّات فعل لم تكن تتوقّعها بسبب اعتداءاتها في الجنوب والشرق وحتى في الشمال..

 

 

 

بقلم: قاسم شعيب - كاتب وباحث تونسي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الميادين
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1277 sec