رقم الخبر: 200928 تاريخ النشر: آب 21, 2017 الوقت: 15:41 الاقسام: مقالات و آراء  
سوريا وايران وروسيا جبهة متماسكة في ميزان القوى الدولي

سوريا وايران وروسيا جبهة متماسكة في ميزان القوى الدولي

تتشعب العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا قياسا مع حجم الخلافات المتنامية مع واشنطن، في ما يعني استمرار ما تسميه العاصمة الأميركية الإحتلال الروسي لجزيرة القرم في أوكرانيا منذ 2015، ولأجزاء واسعة من جورجيا منذ 2008، بالإضافة الى استمرار دعمها لسوريا.

لكن، التفاهم بين واشنطن وموسكو حول الأزمة السورية مستمر رغم الخلافات بينهما حول قضايا أخرى توصلا الى اعتباره مرحلة قد تطول أو تقصر قياسا على حجم ما يسمونه التزام روسيا ما تعهدت به تجاه تطورات الأزمة السورية الراهنة، فثمة حرص ثنائي على مواصلة التفاهم ومراعاة المصالح، بعيداً عما يحصل بين واشنطن وموسكو من تدهور كبير للعلاقات، وحرص على خلق وقائع على الأرض، بعيداً عن مشاريع وخطط للاعبين آخرين في الأزمة.

وستشكل هذه الوقائع محركاً أساسياً لمفاوضات جنيف الشهر المقبل، فالقوات الأميركية وشركاؤها شرق بلاد الشام وشمالها يعملون على بناء «جيش وطني» ينطلق من مناطق الكرد للإنخراط في الحرب على «داعش» والمجموعات المتشددة الأخرى. يعني ذلك أن وقف برنامج البنتاغون لتدريب وتسليح عناصر معارضة استعيض عنه بمشروع آخر، فالقوى التي رفضت حصر المواجهة بالتنظيم الإرهابي دون النظام ستكون خارج صفوف الجيش الجديد.. ويعني ذلك أيضا أن الصراع على الحدود السورية - العراقية يظل مفتوحاً، وستحدد معركة دير الزور التي يعد لها الأميركيون، بعد الرقة، مآل هذا الصراع، وقد ينخرط فيه الكرد وعشائر الفرات نزولا إلى مثلث التنف عند الحدود مع الأردن حيث القاعدة الأميركية – الأوروبية، وقد تشكل هذه الواجهة الشرقية «منطقة آمنة» إضافية تساهم في ترسيخ الهدنة في الجبهة الجنوبية، ولا يستبعد تأهيل هذا الجيش لاحقا ليشكل مع الفرق النظامية التي يبنيها الروس المؤسسة العسكرية الجديدة.

السؤال هنا، لماذا أنهت واشنطن برنامج دعم المعارضين السوريين وماذا يعني ذلك؟!

إنهاء واشنطن برنامج دعم «الثوار السوريين»، وهو برنامج استفاد منه 20 ألف مقاتل، ومنهم مقاتلو مجموعات مثل «الفرقة 13» و«كتيبة حمزة» في الشمال الغربي والجنوب و«جيش أسود الشرقية» في الجنوب الغربي، هو إقرار براغماتي بواقع عسكري، حدود قدرة «الثوار» على القتال وإطاحة الحكم السوري، وقرار أميركي بالتخلي عن سوريا لروسيا، وأبرز نتائج هذا القرار خسارة واشنطن صدقيتها في أوساط أذرعها في الشرق الأوسط.

فإعلان دونالد ترامب وقف دعم قتال «الثوار» ضد الرئيس الأسد يعني أن واشنطن لا تسعى إلى تغيير النظام في سوريا، ورأى بعضهم أنه تنازل أميركي أمام روسيا.. ولكن هذا الحسبان في غير محله، فواشنطن اليوم تعتمد على روسيا في الحد من النفوذ الإيراني في سوريا، وهي ترجح كفة انتشار قوات روسية في جنوب سوريا على كفة انتشار حزب لله والحرس الثوري في مناطق حدودية مع «إسرائيل»، وترى واشنطن و«تل أبيب» أن انتشار القوات الروسية هو أهون الشرور، رغم أنه يقتضي تقديم تنازلات والنزول على مصالح روسيا.

وبهذا أصبح في وسع النظام السوري السيطرة على دير الزور في الشرق من دون أن يخشى هجمات في مناطق أخرى، ومع إجازة واشنطن استعادة دمشق لدير الزور، تسلم الحدود العراقية السورية إلى الإيرانيين وتطلق يدهم في إنشاء الممر البري الذي لطالما تاقوا إليه بين طهران والمتوسط.. في وقت لا ترغب  فيه «قوات سوريا الديمقراطية» قتال النظام ولا في الإمساك بأراض خارج المناطق الكردية، واليوم تدرك هذه القوات - وتركيا هي خصمها اللدود- أن دعم واشنطن ليس مستداماً وليس مضموناً.. ويتساءل كُثر من قادتها عما يلي سقوط الرقة وإطاحة «داعش»، والأغلب أن يتبدد الدعم الأميركي مع انتفاء الحاجة إلى «قوات سوريا الديمقراطية» وتحولها إلى مصدر خلاف فحسب مع تركيا، في وقت تحتاج واشنطن إلى تعاون أنقرة لضبط التوسع الإيراني في المنطقة، ومثل هذه الظروف قد يحمل «قوات سوريا الديمقراطية» على التقرب من روسيا وطلب حمايتها من تركيا.

والحق يقال، إن واشنطن ترجّح كفة الرئيس الأسد وحلفائه، والأشهر القادمة إلى نهاية العام الحالي مخصصة لإستعادة الجيش السوري شرق سوريا، في وقت إن 2018 هو على الأغلب عام تدمير مخلفات جيوب المسلحين في الغرب، وفي مناطق التهدئة ووقف التصعيد، ولا خيار أمام «قوات سوريا الديمقراطية» غير تسليم الرقة للرئيس الأسد مقابل إدارة ذاتية غير رسمية في كانتوناتها «أقاليمها».

مصدر دبلوماسي أوروبي يرى أن استعادة الرقة قد تكون منعطفاً أو تؤذن بنهاية دور الغرب، وإذا اقتصر دور أميركا وحلفائها على استعادة الرقة وترك أمر ادارة معقل «داعش» الى لاعبين يرجحون كفة نظام دمشق، بقيت المشكلة على حالها ولم تذلل.

ويؤكد المصدر أن استعادة الرقة لا توجه ضربة قاصمة الى «داعش»، رغم أنها مركز إعداد الهجمات، وتلك التي استهدفت فرنسا على وجه التحد، فالتنظيم سيواصل القتال والبحث عن ملاذات آمنة جديدة قد تكون أكثر عزلة، ونحن أمام بداية نهاية «داعش»، والتنظيم هذا سيتحول ويتلوّن من جديد ويظهر في حلّة أو صورة جديدة، وعدد من مقاتلي «داعش» توجه الى إدلب مع عائلاتهم.

ويبدو هنا، أن المنتصر الأكبر في الحرب السورية هو بوتين، فهو بعث القوة الروسية في الخارج مقابل كلفة مالية وبشرية بخسة نسبياً، وارتقت بلاده لاعباً بارزاً في الشرق الأوسط.. فالروس يجهدون لترسيخ خريطة «مناطق خفض التوتر» وتوسيعها، ولم يبق سوى شمال البلاد، أي إدلب وريفها.. ومع هذا التوسع يزيد انتشارهم في معظم نواحي البلاد وجبهاتها، على أن يبقى الشرق والشمال الشرقي بأيدي الأميركيين وحلفائهم من عرب وأكراد، وفي اتفاق الغوطة الشرقية للعاصمة ثم في ريف حمص الشمالي كانت مصر هي الشريك.

بالطبع يستجيب هذا التطور ميل القاهرة إلى أداء دور في أزمة بلاد الشام، ويعنيها أن تستعيد دورها في الإقليم من الباب الذي يوفر لها هذه العودة، فهي لم تقطع العلاقة، السياسية والأمنية، مع النظام في دمشق، وهي تعرف أنها لاعب يرغب فيه طرفا الصراع، فضلا عن اللاعبين الدوليين، الولايات المتحدة وروسيا التي أيدت تدخلها.

إضافة إلى ذلك، يأتي إشراك مصر في إطار الهدف الاستراتيجي الواسع لروسيا، فهي رمت من تدخلها في سوريا تثبيت أقدامها شرق المتوسط، ثم تحويل قاعدتيها في حميميم وطرطوس منطلقا إلى الشرق الأوسط كله.. لذلك جمعت في كلتا يديها أطرافا متناحرة أو متنافسة لا يمكن الجمع بينها، من إيران و«إسرائيل» وتركيا إلى دول الخليج (الفارسي) ومصر، وخرجت من فضاء المشرق إلى شمال أفريقيا، إلى ليبيا التي كانت يوما مستودعا للترسانة السوفياتية في القارة السمراء كلها، وأعادت تحريك دبلوماسيتها للإنخراط في أزمة اليمن لئلا تكون بعيدة عن أي تسوية سياسية في هذا البلد، يريد الكرملين بوضوح استعادة ما كان للاتحاد السوفياتي أيام الصراع بين «الجبارين».

أما أميركا فهي تُعول على بروز شقاق في الحلف الروسي - الإيراني في سوريا، ولكن قد يطول الأمر في انتظار وقوعه.. وعلى خلاف إيران، لا ترغب روسيا في تعكير علاقاتها بـ «إسرائيل»، ولكن ثمة مصلحة تجمع بين طهران وموسكو، فبوتين يرغب في الاقتصاص ممن كان يحدد أسعار النفط ويدعم مالياً مجموعات قيدت القوة الروسية في الشيشان، فيما تلتزم إيران الصبر بعد فوزها بهذه الجولة من فصول اللعبة الاستراتيجية الكبرى في الشرق الأوسط، فالمنتصرون هم أصحاب استراتيجية متماسكة طويلة الأمد وهم قادرون على استمالة تعاون وكلاء وحلفاء محليين.

باختصار، اميركا وحلفائها في حالة ارباك وتراجع، بينما جبهة سوريا وايران وروسيا وحلفائهم ما زالت متماسكة وفي حالة تقدم من اجل تحرير سوريا من الارهاب والمحافظة على وحدتها في صيغة عملية متطورة.

 

بقلم: سركيس ابو زيد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: العهد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/8043 sec