رقم الخبر: 202431 تاريخ النشر: أيلول 10, 2017 الوقت: 17:08 الاقسام: ثقافة وفن  
رباعيات الرومي.. جدلية تنتقل بين الذات والموضوع
ومحاولة للربط بين الفاني والباقي

رباعيات الرومي.. جدلية تنتقل بين الذات والموضوع

تمثل جدلية اللفظ والمعنى دائما سمة بارزة من سمات صيرورة الشعر لدى أي شاعر عظيم..

 ينظر الى العالم المحسوس امامه بكل امتداداته، لكي يخلق منه عبر الخيال معان تعبر عما يجيش في صدره من عواطف يستحيل التعبير عنها بدون تلك الادوات، فهي جدلية تنتقل بين الذات والموضوع والمحسوس والملموس والواقع والخيال لتشكل صيرورة تحاول الربط بين الفاني والباقي والمادي والروحي وتكون صورة حية للإنسان ببعده الكلي المركب والمتناقض بين الجسد والروح ومطالبهما التي تشد وتشكل حياته وما فيها من صراع لا ينتهي الا بنهاية حياته.

هذه الحياة ببعديها المادي والروحي خلقت الحاجة للتعبير عما يجيش في صدر كل منا عن نفسه بصدق هو بالتالي صدق انساني مشترك لأنه صوت ضميرها الحي في تجربة الحياة في علاقة اشار اليها الرومي بانها اشبه بعلاقة الوكر والطائر، فالوكر هو اللفظ والطائر المعنى كما يقول.

تقول أنيماري شميل في كتابها الشمس المنتصرة « لقد حاول الرومي كثيرا حل لغز الصلة بين اللفظ والمعنى، التجربة والتعبير لكنه يعود دائما الى الاحساس بان الالفاظ ليست سوى غبار على مرآة التجربة، غبار انبعث من مكنسة اللسان كما يقول الرومي، وأما المعنى الحقيقي فلا يمكن العثور عليه الا عندما يفقد المرء نفسه في حضرة المعشوق حيث لا يبقى غبار ولا صور.     

إن هيجل في تقييمه يرى أن الرومي يعطي تفسيرا لما هو طبيعي وروحي حيث يتم فصل الضحالة والتفاهة من الطبيعة المجردة ويتم استيعابها في التجربة والتأمل في العالم الروحي لیستمر بمقارنتها بنوع آخر من وحدة الوجود مدعومة بفلسفتي زيون الايلي واسبينوزا.

فالشاعر،كما يرى هيجل،  يسعى الى استشفاف الالهي في الاشياء المخلوقة كلها، وحين يستشفه فيها كلها، فان الشاعر يتخلى عن ذاته لكي يعقل في الوقت ذاته أي يدرك أن الله في داخله، بمعنى أن يرى الله في نفسه هو وهذا ما يعود عليه بجوانب باطنية صافية، وسعادة حرة حين يتخلى عن خصوصيته الذاتية الفردية ليستغرق في الله الازلي المطلق، وهذا الاستغراق وهذه الحياة التي ملؤها البهجة والغبطة هي التصوف ولذا نجد أن الحب الذي يفرزه شعر جلال الدين الرومي يعبر فيه عن الانسان الذي يستغرقه حب الله فيرى كل شيء مغمور بهذا الحب.

لكن هذه اللغة التي يعبر فيها جلال الدين عن نفسه لم تكن في طياتها تعبير مباشر عن فكرة الالوهية ومحبتها بشكلها الساذج، ذلك أن العلاقة بين وكر اللفظ وطائر المعنى هي بنية توتر وانزياح عن المعنى الجامد لـ(اللفظ) في معاجم اللغة والتي تحمل تفسيرا واحدا نحو دلالات جديدة ترتبط بالتجربة الصوفية وتجلياتها من جهة وارتباطها بلغة القوم الخاصة وفهمهم الخاص للدين من جهة أخرى ويعبر جلال الدين في كتاب المثنوي عن المعنى الأول بقوله إن «المعنى في الشعر ليس له اتجاه محدد، إنه كحجر المقلاع لا ضابط له».

إن ما يميز التجربة الصوفية في كل أوان أنها دائما تمثل تجربة فردية ليست محصورة ضمن إطار  يمكن أن يحدد ضمن ملامح مشتركة بين كل التجارب، لذلك تقف هذه التجربة دائما خارج أطر المعايير والتفسيرات المتعارف عليها في التجارب العلمية التي تبدأ من مقدمات محددة وتنتهي بنتائج محسوبة يمكن التنبؤ بها في المستقبل.

يقول د. نصر حامد أبو زيد في كتابه الفكر الصوفي «إن التجربة الصوفية في جوهرها محاولة لتجاوز حدود التجربة الدينية العادية، تلك التي تقنع بالعادي والمألوف من مظاهر التصديق والإيمان وتقتصر على مجرد الوفاء بالتكاليف الشرعية، إن الصوفي يطمح إلى تجاوز حدود «الإيمان» للدخول في تخوم الإحسان، لذا نرى الرومي اشد الناس انتقادا للناس العاديين وكثيرا ما يصف السلوك البشري الغبي بلغة غير مهذبة

 يقول في احدى رباعياته ....

الإنسان الذي خلقت روحه

مطمئنة بنعم ولا

تافهة أبدا وتعيقه

فكيف سيتوقف

أبا لأفعال والصفات

والذي تحرر من الخلق

هل يخلق نفسه؟

ومن هنا تبرز اهمية وخطورة هذه اللغة بمستوياتها الدلالية والمعرفية، ذلك أن أي اساءة فهم ازاء التفسير التقليدي من مظاهر الايمان الجامد بالعادي والمألوف قد تعرض صاحبها للقتل او السجن ويمكن في اطار هذا كيف تم تفسير شطحات الحلاج وتأوليها لينتهي تلك النهاية المأساوية المروعة.

الشاعر هنا يعمل على عدة مستويات دلالية في التعبير فهو من جهة يريد ايصال ما في داخله من لحظات النشوة والاتصال مع المحبوب في ذات الوقت الذي لا يريد فيه الكشف عن تعابير تحيد به عما لم يألفه الفهم التقليدي للدين والشريعة رغم ان المعرفة والايمان هنا قلبي ولا  يمكن التعبير عنه بالكلمات العادية.

هذه اللغة بالتأكيد تستبطن الرمز والصورة والاستعارة البيانية للكشف عن المحسوس بشكل ملموس أي بمعنى آخر عملية حفر في داخل اللغة نفسها واظهار دلالات جديدة تشكل وتحيط بالتجربة.

إن كتابه الشهير المثنوي يشتمل على بضع مئات من القصص وقد استطاع الباحثون امثال نيكلسون وفرزانفر أن يردوا تلك القصص الى اصولها القديمة ، فقد استطاع فرزانفر أن يرد 264 قصة من بين 275 وردت في المثنوي الى اصول سابقة على الرومي في كتابه، لكننا اذا نظرنا الى تلك الحكايات كما وردت في مصادرها الاصلية، ثم نظرنا اليها عند الرومي وجدنا أنها قد تحولت تحولا كاملا واصبحت حافلة بالمعاني الرائعة التي لم تخطر حتى على بال مؤلفي القصص الاصليين فيما قال نيكلسون إن «المثنوي يحوي من الاشعار قدر ما تحتويه الالياذة والاوديسة معا وضعف ما تحتوي عليه الكوميديا الالهية لدانتي».    

عمار كاظم محـمد

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/3596 sec