رقم الخبر: 203729 تاريخ النشر: تشرين الأول 01, 2017 الوقت: 11:45 الاقسام: مقالات و آراء  
بين إيران وأميركا... الممكن والمستحيل!

بين إيران وأميركا... الممكن والمستحيل!

البديل السياسي لا يمكن الأخذ به لوحده في عهد صناعة الموت التي تمارسها أميركا من دون النظر بجدية إلى البديل العسكري، هذا هو منطق العصر ومنطق التاريخ أيضاً، إن السؤال المطروح الآن على إيران هو ما مدى قوة إيران في مواجهة السؤال الأميركي الذي يفترض الحل العسكري، وإن كان سؤالاً لا يزال بعد في مرحلة الافتراض...

 أن أميركا تعيش حالياً أزمات ـ وهي من صنعها ـ أزمة الإرهاب وأزمة كوريا الشمالية. ثم ظاهرة انتشار محور المقاومة، خاصة وأن السلاح متوافر لدى المقاومة والأهداف الأميركية لديها واضحة وعلى فوهات هذا السلاح.

من المفارقات الكاريكاتورية أن الولايات المتحدة الأميركية ومنذ عهد الرئيس رونالد ريغان، وهي تمارس سياسة البهتان ضدّ إيران في مقابل سياسة الصدمات السياسية الإيرانية، بدءاً من اقتحام الطلبة للسفارة الأميركية إلى ما يُعرف بـ «إيران غيت» إلى ما يُعرف الآن بالمشروع النووي الإيراني، والملفت للإنتباه ما جاء على لسان الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بالقول في وصف السياسة الأميركية إن تعليقات كيربي تشبه أوامر لتوجيه الكلاب أكثر مما تشبه التعليق الدبلوماسي.

إذن، الغباء الأميركي يفقس الافتراضات الخاطئة بافتراض، ويُمهّد الطريق بواسطتها لما يُعرف بـ «الإرهاب» أو بالحرب لصالح مصالحها على حساب الآخرين، إن في الداخل أو في الخارج، وتدفع بإسرائيل كأداة شرّ لإحتواء هذا الغباء، يُضاف إليها عملاؤها في الخليج (الفارسي)... المشكلة الأميركية إذن، هي هذا الطحين السياسي والإيديولوجي السيّئ التي تحاول تسويقه عبر الحروب بالوكالة «الحروب القذرة»، لكن زمن التنوير بالغباء ليس هو الدائم لأن الدائم لا يُبنى على الخطأ كما يقول الكاتب الفرنسي أندري مالرو، وبالتالي فهل تخرج إيران من فوهة هذا البهتان الأميركي كقوة إقليمية بعد أن كشفت للعالم مظاهره السيّئة وضوابطه وأخلاقه الإجرامية، وتمسّكت بموقفها ولو أدّى بها إلى إشعال حرب إقليمية. حرب بالتأكيد، ستكون الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل وقوداً لها انطلاقاً من مبدأ ردّ الفعل الإيراني ضد القواعد الأميركية في الشرق الأوسط وانتهاء لمصالحها الاقتصادية في المنطقة.

إيران لا تلعب بالنار ولكنها تدفع أطرافاً أخرى إلى الاحتراق بها إن حاولت أميركا إشعال فتيلها، ولا أظن ـ وليس كل الظن إثم ـ أن أميركا قادرة على الدخول في لعبة الموت من جديد بعد أن جرّبتها في العراق، وأفغانستان، وهي تعرف أن أساطيلها في البحر المتوسّط أهداف مُبرمجة لصواريخ إيران فضلاً عن مصالحها الأخرى، وقد انهارت الآن إسرائيل على يد حزب الله والتي هي مُقدمة لكل الحروب التي قادتها أميركا في الشرق الأوسط، وأن حزب الله ما زال جاهزاً لتحريك مخزونه الإيديولوجي والعسكري في أية مواجهة جديدة، وهذا أمر محسوم مُسبقاً، ومن الغباء عدم الاعتبار بحوادث التاريخ ،أميركا إذن، بين منطلق القوة ومنطق الهيمنة فهل يعني هذا أنها تحاول فرض الاحترام لنفسها بالتجاوز المُطلق بالمنظور الأميركي للقوة العسكرية كأداة قهْر وهيمنة.

غير أن هذا المنطق فشل بداية في العراقّ، وإيران تواجه الغرب اليوم بمنطق الوصيّة التاريخية لذاتها وهي متربّعة على أبواب مفتوحة على العالم كله فضلاً عن التطوّر التكنولوجي الحاصل لديها والذي لم تكن قد وصلت إليه من قبل، إن المنطق الذي فرضته الظروف على المنطقة لأسباب تاريخية وأهمها الموجات الاستعمارية المُتتالية لها قد ولّى، فمرحلة الضعف الإيديولوجي والعسكري التي سادت المنطقة لعقود لسبب الهيمنة الأميركية إن بواسطة مجلس الأمن أو بواسطة قاعدتها العسكرية إسرائيل، لم يعد الآن ضمن الأسس التي تحكم الصراع في المنطقة بعد أن فتح حزب الله شهيّة الرفض لمنطق الاحتواء من جهة، وإيمانه بمنطق الانتصار المسبَق والمؤكّد في أية حرب تديرها إسرائيل بالوكالة عن أميركا. إن التحدّي الإيراني - وهو مشروع- ينطلق من هذا الفتح المبين فضلاُ عن الخلخلة الحاصلة في السياسة الأميركية والتي أصابت إسرائيل وحلفاءها في أوروبا.

بديهي اليوم أنه لا أحد بإمكانه وقف إيران عما رسمته من أهداف لها وعن السياسة التي تنتهجها، إذ أن منطق الحرب الخاطفة بعد تجربة حزب الله لم يعد مصدراً لفكّ خيوط التشابك بل مصدر الانتصار المقرّر مسبقاً له، إن إخراج الصراع من الدائرة التي يدور فيها الآن خارج المنطق السياسي يبدو أمراً مستحيلاً وأن أية محاولة أميركية لتطويع الآخرين من خلال قوة مجلس الأمن هي بالتأكيد محاولة واهمة خاصة إذا كان المنطق السياسي ضدّها.

أما وقد اجتمع  لإيران الآن منطق القوة مقروناً بالمنطق السياسي فإنه من غير المحتمَل إخراجها من أية تسوية إقليمية، والأمر هنا لا يحتاج إلى القول بأن لدى الولايات المتحدة وإسرائيل ما يُعرف بالحرب غير المشروطة وغير المحدودة، فإيران أيضاً تمتلك هذا الخيار بين السلام الممكن، أو الصبر السياسي المتواصل، أو المواجهة، هذه معادلة تبدو الآن إحدى المسلّمات في أية حرب جديدة قد تديرها أميركا أو إسرائيل ضد إيران أو سوريا.

واضح إذن، أن هناك معادلة جديدة في الشرق الأوسط قيد التشكيل إن لم تكن قد شكّلت فعلاً، طالما أن الوضع بدأ يأخذ طابعاً إقليمياً وليس إيرانياً أميركياً.. لذلك، يبدو أن الولايات المتحدة تلعب الآن بمصيرها بيدها، فقد تورّطت في العراق وانهارت لهذا التورّط كل أحلامها، لقد ضيّعت كل سنوات الهدوء في لحظة افتراض خاطئ بمحاولتها امتصاص كل رمال الشرق وجغرافيّته من أجل النفط وللنفط فقط، فإذا بها تغرق في الوحل إلى حد الإنقراض المطلّق لسياستها في المنطقة، هناك إذن مشكلة حادّة تواجه أميركا الآن، فإيران بتاريخها الطويل وصراعها المرير ضدّ الإدارة الأميركية منذ عهد الرئيس جيمي كارتر حفرت كل مواقع التاريخ من أجل ألا تسقط مرة أخرى في القبضة التاريخية التي سقط فيها الشاه من قبل.

لقد أوصلت ماضيها بمستقبلها وفق رؤى إسلامية ذات أبعاد سياسية وعسكرية، وأخذت من منطق الأحداث وسياقاتها التاريخية ما يمكن اعتباره بداية للدخول في اللعبة الدولية كطرف فاعل لا كطرف منظّر لحالات التآكل والتواكل، كما هو حاصل في مصر والسعودية.

إن البديل السياسي لا يمكن الأخذ به لوحده في عهد صناعة الموت التي تمارسها أميركا من دون النظر بجدية إلى البديل العسكري، هذا هو منطق العصر ومنطق التاريخ أيضاً، إن السؤال المطروح الآن على إيران هو ما مدى قوة إيران في مواجهة السؤال الأميركي الذي يفترض الحل العسكري، وإن كان سؤالاً لا يزال بعد في مرحلة الافتراض... أن أميركا تعيش حالياً أزمات ـ وهي من صنعها ـ أزمة الإرهاب وأزمة كوريا  الشمالية. ثم ظاهرة انتشار محور المقاومة، خاصة وأن السلاح متوافر لدى المقاومة والأهداف الأميركية لديها واضحة وعلى فوهات هذا السلاح.

إن محور الموالاة لأميركا والغرب سقط سياسياً منذ أن نظر إلى الحرب عند اشتعالها والتي قادها حزب الله على أنها حرب «مغامرين»!! ولم تعد أمامه أية إمكانية لإمتصاص المشروع الأميركي ولا احتوائه، هذا يُحسب لإيران بعد أن كان من قبل يُحسب لأميركا. بل يبدو أن آراءهم هذه هي أشبه بالمثل القائل «وفي بيت النملة العرجاء، كلّ نقطة ماء تصبح طوفاناً».

إن منطق الحرب خارج ما يروّج له إعلامياً ليس واضحاً لدى الإدارة الأميركية بعد وما تلوّح به من خلال مندوبها في مجلس الأمن ما هو في واقع الحال إلا محاولة منها لامتصاص الهزيمة المزدوجة التي ألحقها بها حزب الله بعد انتصاره على إسرائيل، وانتصار إيران بعيداً عن المنظور الأميركي في بناء ترسانتها العسكرية وامتلاكها للتكنولوجيا النووية، بل إن أميركا فشلت حتى إعلامياً في إدارة الصراع، وقد نجح جواد ظريف في إدارة الحوار وضعفت إمامه أميركا ومن الصعب جداً أمام هذا الفشل المتواصل فرض رؤية لا تقبل بها إيران.

هذه حقيقة واضحة ولا يمكن افتراضها خطأ بل إنها نتيجة مواقف واعية ومدروسة. إن السؤال الذي يطرحه الغرب على نفسه الآن هو هل بإمكان إيران خلخلة القِيَم العسكرية في المنطقة، و ـ بالتالي ـ إخراجها من دائرة الوصاية  والأحلام التي تم غرسها في عقول الكثير من حكّام المنطقة؟

السؤال الأوروبي له جواب واحد هو البحث عن السلام في إطار ما يُعرف بالوفاق في مواجهة التحديات التي يطرحها الإرهاب وتتبناه روسيا بالأساس وجزء هام من الدول الأوروبية، أما سؤال أميركا فإن له عدة أجوبة لكنها مُقنعة ومرفوضة إيرانياً وهي الذهاب بعيداً في منطق الاحتواء المزدوج، لأن أميركا تخشى من أوروبا بأن تستقر في المنطقة كشريك في المصالح فيها بدلاً من عدو بمساحيق عصر الاستشراق الاستعماري.

 

بقلم: محمّد لواتي - رئيس تحرير يومية المستقبل المغاربي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الميادين
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 5/9684 sec