رقم الخبر: 205435 تاريخ النشر: تشرين الأول 23, 2017 الوقت: 14:08 الاقسام: ثقافة وفن  
مشهد الصراع بين الخير والشر
أين نحن مِنْ «هوى النفس»؟!

مشهد الصراع بين الخير والشر

شهدنا في هذه الحياة، كما نشهد حالياً ورُبَّما سنشهد في المستقبل، نحن والأجيال القادمة، الصراعات القائمة والتصادمات الفتّاكة في مختلف المسارح الدُّنيَوِيَّة، صراعٌ بين الخير والشر، ورُبَّما صراعٌ بين الشر والشر أيضاً، تحت مُسَمَّياتٍ مختلفة وعناوين مُتَشَعِّبة.

 إلا أنَّ الصراع الأول - بين الخير والشر - يختلف عن نظيره الثاني (بين الشر والشر)، فمن الواضح أنَّ طرفَيْ النزاع في النَّوع الأول يمتلكان هدفَيْن مُتضادَّيْن، أحدهما صالح والآخر طالح. أما على المقلب الآخر، فعندما يصطدم الشرير بمثيله، فَإِمّا يكون الخلاف على أَمرَيْن طالِحَيْن، فَكُلٌّ يستميت لأجل طالحه، وإِمّا في البَيْن أمرٌ صالح، غير أن النوايا الدفينة خلفه خبيثة والأهداف المُبَطَّنة غير صافية تذهبُ بالحال الى ما لا يُحْمَدُ عُقباه.

لِنَنْقُل هذه المَشهَدِيَّة التَّصادُمِيَّة الى حلبةٍ أخرى لا تخلو بدورها من مواجهات عنيفة ومشاحنات من العيار الثقيل، ألا وهي حلبة الصراع بين الإنسان ونفسه الأمّارة بالسوء، حيث يأخذ التقاتل في هكذا جبهات مساراً شَرِساً قد يُغَيِّر من مجرى حياة كل واحدٍ مِنّا، والذي سيحدد - بالتالي - المصير الأُخروي في تلك الدار، حيث أنَّ وضعية الإنسان في الدار الآخرة ستكون نِتاج ما آلت إليه المعارك التي احتدمت بينه وبين نفسه الأمارة في هذه الدنيا الفانية.

فقد جاء في الخبر: «روي عن الإمام الصادق(ع) قال: لا تَدَع النفس وهواها، فإن هواها في رداها، وترك النفس وما تهوى أذاها، وكف النفس عما تهوى دواها..» (جواهر البحار).

عند التأمل بكلام الإمام (سلام الله تعالى عليه) والتفكر بهذه المعاني الرائعة، نستطيع أن نضع معياراً في إطار حروبنا مع أنفسنا ليحدد لنا مَن المنتصر في نهاية المطاف. فكما في الحروب العسكرية نجد أن الجهة المُنتصِرة هي التي تتمكن من القضاء على الطرف الآخر  وإبادته بشكل نهائي أو جزئي، أو الاستيلاء على مناطق تواجده ومساحات نفوذه وبسط سيطرتها بشكل كامل لتصبح هي صاحبة القرار والآمرة الناهية، كذلك في حروبنا الباطنية علينا إدراك ما هو معيار الانتصار قبل الشروع في المعارك لتهيئة الظروف المناسبة ومعرفة السُّبُل التي يجب سلوكها لضمان الانتصار النهائي والذي يُشكِّل وضعيتنا الأبدية في دار الخلود.

من الواضح، أنَّ المعيار المُستشَفّ من كلام الإمام (ع) هو (موقعنا مِنْ «هوى النفس")، فعلى الإنسان المؤمن أن يحدد ما هو موقعه من هذا المعيار، هل سيتخذ الوضعية التي توصله الى «الرّدى» و«السقوط الى الهاوية» وتنتهي به الى «الأذى»؟ أم سيسلك السبيل الذي يربطه «بالدواء» وبالتالي «تجنب الأسقام» أو «الشفاء منها» على أبعد التقادير؟

إِذاً أيها الأحبة، علينا أن نتَّخِذَ موقفاً حازماً مِنْ «هوى النفس»، وهي «المحارم التي تشتهيها وتهواها» كما في «مجمع البيان في تفسير القرآن»، ونرفض كل أشكال المحرمات التي قد تحاول هذه النفس إغراءنا بها وتَجييرنا نحوها بشَتّى السُّبُل الإغوائية، ومن المهم أن يستذكر كُلٌّ مِنّا عامِلَيْن مُهِمَّيْن في هذا السياق:

أوّلُهما، عندما تُسَوِّل لنا أنفسنا فعل شيء مِمّا لا يُرضي الله عز وجل (والعياذ بالله)، علينا أن نضع في أذهاننا مَنْ هي الجهة التي تُريد لنا - أنفسُنا - التمرّد على أوامرها (لا سمح الله). فمن الواضح أن الجواب الباطني - البديهيّ - يقول هو «الله» عز وجل، جبار السماوات والأرض، هو الرَّبُّ الذي أنعم علينا كل هذه النعم التي لا تُعَدّ ولا تُحصى، وهو العطوف علينا والرحيم بنا أكثر من آبائنا وأمهاتنا، فهل يُعقَل أن نجازيه ونَرُدّ جميلَه بمحرمات رديئة ومعاص قبيحة؟ أم يجدر بنا أن نَرُدّ الإحسان بالإحسان كما هو العُرف العُقَلائي والمسلك الطبيعي؟ بالطبع، سيكون الرد المنطقي والجواب البديهيّ هما التوجه لرد الإحسان بمثيله، وذلك بالامتثال لأوامر الله (جَلَّ  شأنُه) والحرص على تنفيذ جميع تكاليفه المفروضة علينا والانتهاء عن جميع ما حرَّم علينا وهو ما يتعلق بعدم الرضوخ لهوى النفس وشهواتها المحرمة.

ثانيهما، إنَّ أَيَّ فعلٍ مُحَرَّمٍ شَهَواتِيٍّ - ينجرّ إليه الإنسان - سيستغرق وقتاً محدوداً مهما طال هذا الوقت وفق المعايير الدنيوية. وبتعبير آخر، إنَّ اللذة التي قد تنتج عن هكذا أفعال محرمة، لن تستمر بل ستنتهي في وقتٍ يسير، لأنَّ حياتَنا برمَّتِها ودهرَنا بمٌجمَلِه يبقيان قصيرَيْن بالمنظار الأُخرَويّ، بل إنَّه لا مجال للمقارنة بينهما وبين الحياة الأبدية من ناحية الفترة الزمنية، فالأخيرة «أبديَّةٌ» وهما - أي حياتنا ودهرنا - بالكاد يُذكران قياساً بأبديَّة الآخرة، فإنَّهما بحكم «غير الموجودَيْن» في هذا السياق، فهل يا تُرى - مثلاً - ممكن مقارنة «ثمانين سنةً» باللانهاية؟ فَإِذا كان العمرُ بأكمله لا مجال لقياسه بالآخرة من حيث طولَيْهما الزماني، فكيف بِلُحَيظات تمُرُّ علينا وسرعان ما تنقضي، هل يُعقَل أن نُمَرِّغَها بمعصية ساقِطة لِنحصد مقابلها ذِلَّةً أُخروية لا يعلم كم ستطول إلا الله (تبارك وتعالى)؟

ورد في «تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل»: وهوى النفس هو الطابور الخامس في قلب الإنسان، نعم... فالشيطان الخارجي لا يتمكن من النفوذ إلى داخل الإنسان ما لم يوافقه الشيطان الداخلي في منحاه، ويفتح له أبواب الدخول، كما تشير إلى ذلك الآية (42) من سورة الحجر: (إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ مَنْ اتبعك من الغاوين.

كما نُقِل في الخبر عن الإمام الباقر(ع)، أنّه قال: «الجنّة محفوفة بالمكاره والصبر، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنّة، وجهنّم محفوفة باللذات والشهوات، فمن أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النّار» (المصدر السابق).

فَحذاري أيها الإخوة أن نرضخ لأنفسنا ولذّاتها الفانية، «(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه...) - الآية (٢٣) من سورة الجاثية»، «أي ألا تعجب ممن يعبد هواه بإطاعته واتباعه وهو يعلم أن له إلها غيره يجب أن يعبده ويطيعه لكنه يجعل معبوده ومطاعه هو هواه»، كما ذُكِرَ في «الميزان في تفسير القرآن».

نعم، فالعجب كل العجب لِمَنْ يترك إِلَهَهُ ويتخلّى عن رَبِّه وما أَعَدَّ له من ثوابٍ أَبَدِيّ لِيَنْجَرّ وراء شهواتٍ مُحَرَّمَةٍ تافهةٍ تُخْسِرُه خيرَ الدنيا والآخرة وتهوي به من مقام العبودية لله تعالى الى وضعيةٍ حقيرةٍ سافلةٍ.. وترمي به الى مكانٍ سحيق.

وَلْنستحضر ما جاء في دعاء كميل: «إِلهي وَمَوْلاي اَجْرَيْتَ عَلَي حُكْماً اتَّبَعْتُ فيهِ هَوى نَفْسي وَلَمْ اَحْتَرِسْ فيهِ مِنْ تَزْيينِ عَدُوّي.. »، فَلْنَلْتَفِت أنَّهُ لا حُكْم يعلو فوق حُكْم «الله» تعالى، فهو الآمر الناهي، وسلطان الكون وربُّ كلّ شيء، وَلْنَنْتَبِه أنَّ «الشاهدَ هو الحَكَم».. وكفى بالله شهيدا.

 وأنصح نفسي وإخوتي المؤمنين وأخواتي المؤمنات باستحضار قول الله عز وجل: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون).

 

 

 

 

بقلم: أبو تراب كرار العاملي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 3/0703 sec