رقم الخبر: 206065 تاريخ النشر: تشرين الأول 31, 2017 الوقت: 15:07 الاقسام: مقالات و آراء  
الجزائر.. ثورة الأول من نوفمبر 1954 الخالدة

الجزائر.. ثورة الأول من نوفمبر 1954 الخالدة

يحيي الشعب الجزائري بكل فخر وإعتزاز في الفاتح من نوفمبر من كل سنة، ذكرى اندلاع الثورة التحريرية الجزائرية المباركة، أحد أبرز الذكريات الغالية والعزيزة، والتي تشكل جزءا أساسيا من الهوية الوطنية واستمراراً لتاريخ الجزائر النضالي العظيم، وتصادف هذه السنة الذكرى الثالثة والستين للثورة النوفمبرية الخالدة.

ففي مثل هذا اليوم من عام 1954، اندلعت شرارة الثورة الجزائرية الكبرى التي دعت إليها جبهة التحرير الوطني في البيان الذي أصدرته بهذه المناسبة المسمى بـ «بيان أول نوفمبر» المنبثق عن اجتماع ما يعرف بمجموعة الـ 22 الذين خططوا لاندلاع الثورة، والذي دعت بموجبه الشعب الجزائري لرفع السلاح من أجل إستعادة حريته وكرامته وإسترجاع سيادة الدولة الجزائرية التي سلبها المستعمر الفرنسي بعد إحتلال يعتبر الأبشع في تاريخ شعوب العالم، قام خلالها بانتهاج سياسة الإبادة الجماعية والدمار الشامل ضد الشعب الجزائري الأعزل، ومارس فيها بقوة السلاح سياسة القهر والتهجير والتقتيل والتعذيب ونهب الممتلكات والأراضي، كما  ركز بصفة خاصة على إزالة إسم الجزائر من الجغرافيا والتاريخ ومحو مقوماتها وطمس معتقدات وهوية شعبها وانتمائه الحضاري العربي الأمازيغي الإسلامي وذلك من خلال إزالة المؤسسات الدينية من مساجد ومدارس قرآنية والزوايا والتضييق عليها وفرنسة التعليم والقضاء على اللغة العربية والأمازيغية، وطمس هوية الشعب الجزائري الضاربة في عمق التاريخ.

وقد قاوم الشعب الجزائري هذا الاحتلال وهذه الممارسات الوحشية واللاإنسانية من خلال العديد من الثورات والانتفاضات الملحمية التي قامت بها المقاومة الجزائرية منذ اليوم الأول الذي وطأت فيه أقدام المحتل الفرنسي أرض الجزائر واستمرت طيلة فترة الاحتلال، والتي قادها كل من الأمير عبد القادر والمقراني والشيخ بوعمامة وفاطمة انسومر وسيدي الشيخ وغيرهم من المقاومين الأحرار.

فهذه الثورات والانتفاضات رغم قلة معداتها وعتادها إلا أنها كانت رمزا للمقاومة ودليلا على رفض الظلم، فلم تتوقف يوما واحدا عبر جميع ربوع الوطن كرسالة رفض واضحة للمستعمر واستمرارية في تحديد المقاومة والجهاد.

كما مارس الشعب الجزائري أيضا النضال السياسي في صراعه مع الاستعمار، وذلك من خلال إنشاء الاحزاب والجمعيات السياسية التي وإن اختلفت مناهجها وطرقها إلاّ أن أهدافها كانت الاستقلال ووحدة التراب الوطني.

فهذا النوع من النضال هو عنوان لتوجه الجزائر للحلول السلمية والقانونية في الدفاع عن حقوقه بالتوازي مع الكفاح المسلح، خاصة وأنها كانت موجهة ضد فرنسا بلد القوانين، لكن التجربة الجزائرية أثبتت عدم احترام الاحتلال للقوانين والتضييق على المناضلين واعتقالهم، كما لم يتوان في استخدام التصفية الجسدية كحل لإسكات صوت الحق الجزائري.

وبالرغم من الضعف الذي مرت به الثورات والانتفاضات المسلحة وكذا النضال السياسي، لإرتباطه بالإمكانيات والوسائل والمعدات، إلا أن عزيمة الجزائريين وقوة صبرهم وثباتهم على الهدف المشترك شكّلت استمرارية ومرجعية هامة لزعماء الثورة التحريرية وكافة الشعب الجزائري في استلهام الدروس اللازمة للعمل كون الحرية لا تعطى وإنما تنزع انتزاعا وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة، سواء أكانت عسكرية أم سياسية.

وهكذا إنطلق قادة الثورة في لم شمل المناضلين والمقاتلين وجمع السلاح والأدوية والتحضير الدقيق للثورة التي انطلقت يوم الاثنين الأول من نوفمبر 1954، وكانت ثورة شعبیة عامة وشاملة، تحت لواء الجيش الشعبي الوطني،‌‌ حیث مست كامل التراب الوطني وشارک فيها الشعب الجزائري بمختلف مكوناته وفئاته الاجتماعیة، وشهدت إنشاء مجلس وطني للثورة وتم تقسيم الجزائر إلى 06 مناطق عين على رأس كل منطقة قائدا إلى جانبه مساعدين عسكريين وسياسيين كما تمّ تنظيم الجيش إلى فصائل وأفواج مسلحة وتوزيع المهام والصلاحيات، بالإضافة إلى إيفاد ممثلين عن الثورة إلى البلدان الصديقة والشقيقة من أجل شراء السلاح والتعريف بالقضية الجزائرية والأهداف السامية للثورة على المستوى السياسي،  مما أدّى إلى تآزر كل أحرار العالم والوقوف إلى جانبها وكذا تعاطف أغلب شعوب الدول الشقيقة والصديقة معها ومن بينهم الشعب الإيراني الذي كان يتابع مجريات هذه الثورة بكل تفاصيلها.

وبالرغم من إختلال موازين القوة بين المجاهدين الجزائريين المسلحين بالخناجر وبنادق الصيد وبإيمانهم القوي بالله وبعدالة قضيتهم، والقوات الفرنسية بجيوشها النظامية المدججة بكل انواع وأحدث الأسلحة المتوفرة آنذاك والمدعمة بقوات الحلف الأطلسي، فإن الكفة مالت لصالح جيش التحرير الوطني ومن ورائه الشعب الجزائري ككل، الذي ضرب خلال هذه الثورة المجيدة التي دامت 7 سنوات ونصف، أروع الأمثلة في البطولات والتضحيات ودفع فيها الثمن غاليا تمثل في مليون ونصف مليون شهيد، وأرغم فرنسا على الاعتراف باستقلال الجزائر الذي تم الإعلان عنه يوم 5 جويلية 1962، بعد 132  سنة من الاحتلال اللاإنساني.

إن الثورة التي قام بها الشعب الجزائري ضد المستعمر الفرنسي، شكلت باعتراف الكثير من المؤرخين، محطة بارزة في تاريخ البشرية المعاصر حيث انعكست آثارها على كل الشعوب المضطهدة والمظلومة في العالم الثالث التي اتخذت من الثورة الجزائرية درسا ونموذجا اقتدت به في كفاحها من أجل التحرر والانعتاق من براثن الاستعمار والاضطهاد.

 إن يوم أول نوفمبر 1954، سيبقى رمزا خالدا للجزائر ومعنى مقدسا لا يزول من ذاكرة الأجيال الصاعدة وسيبقى شاهدا على بشاعة جرائم فرنسا الاستعمارية، وما إحتفال الشعب الجزائري كل سنة بهذه الذكرى إلا لإظهار العرفان والتكريم للشهداء الأبرار لمـا قدموه من تضحيات جسيمة في سبيل تحرير الوطن وكذلك بغرض إرساء الروابط بين مختلف الأجيال وتذكير الشباب بتضحيات الأسلاف من أجل استخلاص العبر والاقتداء بخطاهم ليكونوا جسرا لمسار العربي بن مهيدي، وزيغود يوسف، وأحمد زبانة، حسيبة بن بوعلي، جميلة بوحيرد، وجميلة بوباشة، مصطفى بن بولعيد، ديدوش مراد، وغيرهم من الأبطال العظماء، وتذكيرهم أن الثمن الذي قدمته الجزائر من أجل الحصول على إستقلالها كان باهضا جدا، صنعته 132 سنة من المقاومة وأكثر من 10 ملايين شهيد.

وتتميز الاحتفالات المخلدة لهذه الثورة، بتنظيم العديد من التظاهرات ذات الطابع الثقافي والتاريخي التي تمجد هذه الذكرى الغالية على الشعب الجزائري، فبالإضافة إلى إقامة مراسيم الترحم على أرواح الشهداء يتم أيضا تنظيم معارض للصور حول الثورة التحريرية وإطلاق أسماء بعض الشهداء على الشوارع والمؤسسات الحكومية وعرض أفلام وأشرطة وثائقية حول الثورة المسلحة وتكريم عائلات بعض الشهداء وتوزيع هدايا تشجيعية على المتفوقين في مختلف المسابقات الثقافية والعلمية التي تنظم بهذه المناسبة.

واليوم يحمل مشعل الشهداء ويقف على منبر ثورة التحرير المجيدة «رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» من أبناء نوفمبر الذين يشيدون جزائر العزة والكرامة والحرية.

 

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/7355 sec