رقم الخبر: 206991 تاريخ النشر: تشرين الثاني 13, 2017 الوقت: 13:50 الاقسام: مقالات و آراء  
اي مملكة «سعودية» نريد؟!

اي مملكة «سعودية» نريد؟!

في الخامس والعشرين من شهر نيسان/ابريل من العام الفائت (2016) أعلن ولي العهد السعودي (وليُّ وليِّ العهد آنذاك) الامير محمد بن سلمان عما عُرف برؤية 2030. ارتكزت «الرؤية» على خطة اقتصادية «طموحة» تسعى لإخراج المملكة من الاقتصاد النفطي الى الاقتصاد المتنوع.

عام ونصف تقريبا مضت على إعلان «الرؤية»، حيث نُشرت العديد من الكتابات التي فندت مدى نجاحها، لكن هذه المقاربات، في معظمها، اقتصادية. فثمة قضايا لم تتعرض لها الكتابات، ترتبط بالتركيبة التي حكمت المملكة منذ قرن من الزمن، وأعني بها التركيبة «السياسي- دينية».

 ففي خضم التطورات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي تشهدها المملكة، تبدو ثمة تغييرات تحصل في الشق السياسي- ديني أيضا. صحيح أن التطورات ترتبط بتعبيد الطريق أمام ولي العهد محمد بن سلمان، كمدخل ضروري، للوصول الى رأس السلطة، الا أن هذه التغييرات حاجة ضرورية لإطالة أمد حكم الاسرة الحاكمة فيها. ومع ذلك، فإن هذه الاصلاحات الاقتصادية غير كافية في تحقيق أهداف «الرؤية» ما لم تقترن بإصلاحات جذرية في البنية السياسي- دينية.

تاريخياً، ارتكزت الدولة السعودية «الحديثة» في صيغة نشأتها على ثنائية آل الشيخ-آل سعود، والتي استطاعت أن تحقق استقراراً على المستوى الداخلي، لم تعكر صفوه الا بعض الحوادث في أواخر القرن الماضي، كحادثة الحرم المكي مع جهيمان العتيبي (عام 1979)، وحركة «الصحوة» بقيادة سلمان العودة وعائض القرني وسفر الحوالي وناصر العمر وسعد البريك (عام 1991).

صحيح أن الحراك، لم يشكل خطراً بنيوياً على تركيبة الحكم الثنائية، الا ان درجة «الأمان أخذت بالتراجع بعد التغيّرات التي لحقت بتنظيم القاعدة

لقد شكلت هجمات الحادي عشر من ايلول انعطافة كبرى، فُتح على أثرها الحديث عن المملكة ودورها في تصدير الفكر المتطرف، ولم تنفع الميزانيات الضخمة التي صرفت على محاولات تلميع صورة المملكة، كما أنها لم تستطع طمس تماهي الفكر القاعدي و«الداعشي» مع الفكر الوهابي.

لا شك أن ابن سلمان يدرك تماما ان الاصلاحات الاقتصادية أو الاجتماعية لن يكتب لها النجاح، وستبقى خاضعة لمطرقة رجال الدين وسندان الفكر الوهابي المتطرف. وبالتالي، فان نجاح الاصلاحات مرهون بإصلاحات دينية لا تقل الحاحاً.

وفيما تأخذ الاصلاحات الاقتصادية الصدى الاكبر، تبدو خطوات ابن سلمان في الجوانب الدينية متسارعة وأقل ضجيجاً، مترافقة مع قرارات «جريئة»، تستميل الطبقة الشابة من المجتمع السعودي.

فالاعتقالات التي طالت شخصيات دينية وازنة في المملكة، ظهرت وكأنها تأتي في سياق التمهيد لوصول الامير الى سدة الحكم، أو هكذا أُريد لها أن تظهر، فيما يبدو أن هذه الاعتقالات أكثر ارتباطا بالمشروع السياسي-ديني.

ومن هنا، لا يمكن اغفال الخطوات التي اتخذها ابن سلمان في تحجيم دور هيئة الامر بالمعروف، ثم تشكيل «مجمع سلمان للحديث» الذي سيوكل اليه مراجعة النصوص الدينية وتنقيتها مما يسمى «بالمتطرف» منها، واخيرا كلام ولي العهد عن «الاسلام الوسطي» ومحاربة الفكر المتطرف في المملكة، مع نشاط ملحوظ بالسعي لإنتاج طبقة جديدة من رجال الدين تسوق لفكرة الاصلاحات وتقترب من «رؤية» ابن سلمان.

كما لا يمكن اغفال ان التهديدات التي اطلقها تنظيم «داعش» تجاه المملكة، وبعض العمليات الامنية فيها، شكلت مظلة «شرعية» للحكم السعودي، سيعمد ولي العهد لاستغلالها من أجل تسويق فكرة «الاصلاح الديني».

لا شك ان التخلص من «الفكر الوهابي» هو حاجة سعودية داخلية، لا تقل أهمية عن الحاجة الخارجية، فهل هذا يعني أننا أمام مشروع يقضي بإقصاء الوهابية عن حياة المجتمع السعودي؟

يبدو أن هذا «الهدف»، على فرض صحته، طموح جدا، ودونه الكثير من العقبات، فضلا عن أنه يحتاج لعمل طويل وشاق، الا أن ذلك لا يمنع من وجود مشروع لإعادة انتاج «وهابية جديدة» بنسخة معدلة. لكن بالمقابل ثمة دلالات تشير الى أن شعار الاصلاح يراد منه نفض اليد من مسؤولية الفكر الوهابي عن التطرف والتكفير والارهاب الذي يجتاح العالم.

نعم إن الاصلاح الديني مطلوب، لكن الخطوة الاولى فيه هي الاعتراف بالمسؤولية وعدم رمي الاتهامات على الآخرين.

لا يمكن لاحد أن يعارض اصلاحات دينية في المملكة تُفضي الى إقصاء الفكر الوهابي المتطرف، وتبدو خطوة تحقيق كتب الحديث خطوة جريئة، ولكن ماذا عن كتب ابن تيمية وابن القيم؟ وماذا عن المناهج الدينية في المدارس المدنية؟ وماذا عن آلاف الكتب والمنشورات التي توزع في طول العالم الاسلامي وعرضه؟ ويضاف اليها عشرات القنوات التلفزيونية التي تبث الافكار المتطرفة؟!

لا شك ان «الاصلاح الديني» حاجة ملحّة، لكن لا ينبغي أن يكون على حساب غسل الايدي مما يجري بحق الشعب اليمني.

نعم نريد المملكة بلا وهابية، لكن من دون استبدالها بالصهيونية. ونريد المملكة قوية، لكن ليس على الشعوب العربية والاسلامية. ونريدها حاملة للواء الوسطية الدينية، لكن ألا تستلزم الوسطية الاعتراف بالآخر أولا؟

إننا نريد مملكة باقتصاد قوي تنموي لمحيطها، لا مدمر له. نريد مملكة توزع الثروات بعدالة على مواطنيها، لا على أمرائها والمنتفعين.

وعندما تتحقق هذه «الدولة»؛ عندها، لكل حادث حديث.

 

بقلم: محمد محمود مرتضى  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: العهد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/3805 sec