رقم الخبر: 214163 تاريخ النشر: شباط 20, 2018 الوقت: 13:49 الاقسام: ثقافة وفن  
أهمية السفر وضرورة الإرشاد
تطلعٌ للأفق البعيد

أهمية السفر وضرورة الإرشاد

منذ القديم تطلع الإنسان إلى الأفق البعيد، وتاقت نفسه إلى أن يبلغه لأسباب شتى، لمعرفة ما خلفه؛ طمعاً بكسب جديد، أو تخوفاً من خطر يخبئه، ومنها الحاجة إلى غرض يتوافر هناك،

 ومنها الفضول والرغبة في المزيد من المعرفة، فكانت هذه الأسباب دافعة لأن يترك كهفه أو كوخه، ويتنقل على رجليه أو على الدابة التي دجَّنها ليبلغ ما بلغته عيناه في الأفق، وما لم تبلغه وراءه، فكانت الرحلة وبدء السفر.

ومع مرور الزمن، وتضاعف المعرفة، ومن ثم تضاعف الرغبة في المزيد من المعرفة، والمزيد من المكاسب، فضلاً عن الحاجة إلى مرعى جديد لمواشيه، أو جدول ماء عوضاً عن الجدول الذي جفَّ حيث يقيم؛ جعل الرحلة والسفر جزءاً من حياة الإنسان، ولوناً من ألوان نشاطه.

 وقد تنامى هذا النشاط عندما صارت التجارة ضرورة للجميع، ومهنة لطائفة منهم، ومازال ينمو ويشتد مع تطور وسائل الرحلة، وظهور المستجدات في المواصلات من الدابة إلى العربة، ومن الخشبة الطافية، إلى القارب والسفينة، ثم طفرة وسائل السفر في البر والبحر والجو من السيارات والحافلات والقطارات السريعة، إلى السفن والبواخر الضخمة إلى الطائرات السريعة والأسرع، فانضاف إلى دوافع السفر القديمة: دافع جديد هو المتعة والترويح.

فالسفر الذي كان مشقة كبيرة ومخاطر كثيرة: تحول إلى متعة مرفهة في السيارات الفارهة، والقطارات المريحة، والسفن التي تضم غرف النوم الوثيرة، والمطاعم والمسابح والملاهي؛ حتى ليجد المسافر نفسه فيها في قرية الاستجمام والمرح.

وأما الطائرات: فتتنافس الشركات التي تصنعها في تزويدها بوسائل الراحة، وتتنافس الشركات التي تديرها في كرم الضيافة وبرامج التسلية، وساقت مستجدات العصر من متطلبات العلم والعمل والتطلع للمزيد من الترويح والرفاهية إلى الأفراد والمجتمعات للسفر، حتى لا تخلو منها حياة إنسان في مدينة أو قرية.

وقد أصبح من برامج حياة شريحة متزايدة من الناس السفرُ للسياحة والترويح، قريباً أو بعيداً كل بحسب إمكاناته، ولو اجتهد في توفير شيء من دخله لذلك. وثمة محور آخر يضاف، كان له أثر في الرحلة والسفر هو المحور الإيماني، فالأديان السماوية كافة وجَّهت المؤمنين بها إلى الحج حيثما كان مقامهم، وجاءت الشريعة الإسلامية الخاتمة، فجعلته ركناً من أركانها الأساسية لمن استطاع إليه سبيلاً. ومع انتشار الإسلام في أصقاع الأرض صارت رحلة الحج لازمة لكل مقتدر عليها، ما دام حريصاً على تطبيق شرع الله في حياته، وعلى مر العصور توافد المسلمون من كل صوب إلى بيت الله الحرام، منذ أن كانت وسائل سفرهم الناقةَ والفرسَ والعيرَ؛ وإلى أن صارت الطائرات السريعة.

ونبت على هامش هذه الشعيرة: لون من ألوان الأدب الإسلامي هو أدب الرحلة، ونما وتطور بقدر لم تعرفه أمة أخرى بهذا الارتقاء والوفرة، واغتنت مكتبتنا الإسلامية العربية وغير العربية بكتب الرحلات وخاصة الرحلات إلى بيت الله الحرام، وما يرافقها عادة من شد الرحال إلى المسجد النبوي بالمدينة المنورة، وكتبت أسفار كثيرة بعضها يقتصر على وصف الرحلة بمشاقها ومغانمها، وبعضها يتمدد ويتضخم ليحوي معارف الكاتب الفنية عندما يكون عالماً مشاركاً موسوعياً له شأن في علوم كثيرة، فتراه يحرص إلى جانب وصف المعالم وأحداث الرحلة على لقاء العلماء، ومناقشة القضايا العلمية، واستقصاء ما بلغته البلدة من معارف، وما حوته من جهابذة ومثقفين، بل إن بعضهم لا يتردد في أن يقف موقف المرشد المعلم لمن يبلغه كتابه يحدثه عن أهمية السفر، وضرورة الرحلة إلى بيت الله الحرام، وما يحتاجه المسافر من حوائج، وما ينبغي أن يتصف به من خلق وسلوكيات.

وما تكاد تقرأ كتاباً من كتب العلماء الذين خاضوا هذه التجربة، إلا وتجد فيها أقداراً متفاوتة من هذا العلم، وذلك التوجيه والإرشاد؛ من ابن جبير، وابن بطوطة، إلى محمد حسين هيكل، ومصطفى محمود. ومن هذه الكتابات ما قدمه العالم والأديب والرحالة محمد بن الطيب بن عيسى المغربي، من أبناء القرن الثاني عشر الهجري في كتابه الرحلة الحجازية الكبرى، فقد قدم له بأربع مقدمات:

- إحداها إرشادات للمسافر قبل سفره، فيما ينبغي أن يفعله قبل أن يشرع في رحلته، ويبدؤها بتوجيه المسافر إلى استشارة ذوي الرأي أولاً، والاستفادة من تجاربهم وخبراتهم؛ كي لا تكون رحلته في عجالة يتخبط فيها، ولا يحسن التصرف، يقول:

(ينبغي لمن أراد السفر ورامه، أن يستشير حازماً في رأيه، عاقلاً في تدبيره، باذلاً نصحه لمن استنصحه من قريبه وبعيده، موثوقاً بعلمه ودينه وصلاحه، مجزوماً برفع محنته، وخفض جناحه، ونصب فلاحه. ولما اشتملت عليه المشورة من الخيرات المشهورة، والبركات المنثورة، وقد أمر الله سبحانه رسوله(ص)ـ أن يشاور أصحابه، مع أن جميع العقول بالنسبة لعقله - عليه السلام - نقطة من سحابة قال تعالى: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ"آل عمران 159، وقال الحسن البصري: «ما تشاوَرَ قومٌ إلا هُدُوا لأرشَدِ أمرِهِمْ» (رواه ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد، وصححه ابن حجر).

ويستطرد المؤلف في بيان فضائل المشورة وفوائدها، ثم ينتقل إلى الوصية الثانية للمسافر: بأن يزكي نفسه قبل أن يبدأ السفر، ويؤدي ما بذمته من حقوق العباد ويرد المظلومات، وأن يتعلم مناسك الحج؛ ليكون على بصيرة بما يفعله، وأن يوفر النفقة اللازمة لمن يعولهم في غيابه، ثم يركز نصحه على حسن اختيار الرفيق في السفر، فالرفقة ضرورة ماسة يقول:

ومنها اختيار الرفيق الماجد، لتنزل من منزلة العقد الساجد، ليرافقه في مرافقته، ويوافقه في موافقته، ويساعفه على ما يقصده من الأمور الدينية والدنيوية، ويذكره إذا نسي، ويعينه إذا ذكر، ويحلم إذا غضب، ويُقبل إذا أدبر، جامعاً من خصال الكمال والتمام.

ويمضي المؤلف في سرد توصياته للمسافر حتى في أدق أموره، في سلوكه مع الآخرين، وفي طعامه وشرابه، وفي ثيابه وحسن مظهره، وفي حسن الاستفادة من كل ما يمر به علماً أو اعتباراً أو تذكراً.

 

بقلم: د. عبد الباسط بدر  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 8/1627 sec