رقم الخبر: 215839 تاريخ النشر: آذار 14, 2018 الوقت: 15:52 الاقسام: ثقافة وفن  
بروين اعتصامي.. شاعرة مُلتزمة وهبت قلمها لحریة شعبها
في ذكرى يوم تخليدها

بروين اعتصامي.. شاعرة مُلتزمة وهبت قلمها لحریة شعبها

لعل العشرات من الشعراء یمرون بالحیاة الادبیة لأي مثقف دون ان یتركوا أثراً یُذكر؛ فألفُ دیوان یزول وواحد یبقی، وكان دیوان بروین اعتصامي من الخالدین.

شعر بروین تبعر عن سلاسة التعبیر وبساطة وعفویة المفاهیم التي تخترق قلب المُتلقي دون استئذان. وطالما كنت أحلم بترجمته الی إحدی لغات العالم الحیة، حتی تهیَّأت لي الظروف وبالتعاون مع الأديب الاستاذ حسين محفوظي موسوي فقمنا بتعریب الدیوان الی العربیة مع یقینی بأن الترجمة تعجز عن رعایة الأمانة ونقل الصورة الحیة للأبیات.

بروين: لافونتين العصر

ان العفویة في الاسلوب والسبك المُحكم في صیاغة العبارة والحَبكة الأدبية والاحساس المُرهف والروح الصادقة التي تخاطب آلام الناس وما یعتلج صدورهم جعلها أنصع صوت انثوي وأجرأ حنجرة نادت بالحق والحقیقة.

 انها شاعرة مُلتزمة ومُتدينة وهبت قلمها لحریة شعبها ونشدت الحیاة السعیدة له حیث خاضت موضوعات سیاسیة واجتماعیة متشعبة؛ وكانت رمزاً للمرأة المسلمة المثقفة الحرة الجریئة.

 لقد أحب الناس شعرها لطهارة قلبها ونبل مقاصدها واستقطب اسلوبها القصصي المؤثر والوعظي المعبّر شغف المُتلقین حتی لقبها بعضهم بـ «لافونتین العصر».

 لم یعد الشعر عند بروین متاع النبلاء وملهاة السلاطین؛ ولم تعد القصائد كأس ذهب في ید امیر بل أصبحت قطعة خبز في فم جائع یتوق للحریة والغد الافضل كما يقول نزار قباني.

 القصیدة عند بروین هندسة حروف وأصوات تُعمِّر بها في نفوس الناس عالماً يرفض الذل والخنوع ولا يخشى في الحق لومة لائم.

 كان شعرها ضربة قصمت ظهور الاثریاء وشعلة حارقة لجبروتهم وظلمهم وصرخة عاتیة في وجه الاستبداد.

جراح الفقراء محفورة في وجدانها تعتبر بروین شاعرة الفضیلة والتقوی والادب الانساني الرفیع؛ فالعالم من وجهة نظرها لیس مكاناً للغفلة والملذات، كانت جراح الفقراء محفورة في وجدانها، وفي صدرها حنان یُغطي الارض، وفي نفسها طموح یملأ السماء.

 الرمزیة والاستعارات التمثیلیة المستخدمة في قصائد بروین قلما نجد لها مثیلاً لدی بقیة الشعراء لا في الفارسیة بل وفي معظم اللغات العالمیة.

 بروين: رضعت الأدب مع الحليب

 صحیح ان الغزل الذي اشتهر به الشعر الفارسي نادر في قصائد بروین الا ان طغیان الروح العاطفیة ورهافة الحس الفطري تملأن هذا الفراغ بحیث ان القارئ لا یحتاج للبحث عن اسم الشاعر حینما یقرأ قصائد بروین فاسلوبها ولغتها الشعریة تدُل علیها.

 لقد نقلت شعرها الی الناس وعایشت همومهم ومحنهم ووجّهت قصائدها الی كل طبقات المجتمع وفئاتهم العمریة، ومكنتها سعة الأفق لتطرق كل المجالات الادبیة.

 ان من نِعم الله علی بروین انها رضعت الأدب مع الحلیب وترعرت في بیت أدبي عریق فكما ان شمس التبریزي هو الذي غیّر مجری حیاة مولانا جلال الدین الرومي، فان اعتصام الملك والد بروین كان الشمس التي أضاءت دروب بروین وساهمت في لمعان نجمها وبلورة التزامها الدیني ومناهضتها للقهر والاستعباد.

 لقد تكررت كلمة المحبة والوداد في دیوان بروین اكثر من اربعین مرة، ونقرأ الابیات التي تَطفح بالعشق الالهي ومحبة الأیتام والناس ومعالجة القضایا بما یدور حول المرأة كالخیط والإبرة ومناظرة الحمص واللوبیاء، قصائد مُفعمة بالحركة، مُناهضة للظلم، مُعادیة للمستكبرین ترصد آلام المجتمع وآماله، ملیئة بالحكمة والقصص الهادفة وبعیدة عن التكلف.

  المرأة في شعر بروين

 اشتهر الشعر الفارسي بالغزلیات والقصائد العرفانیة الا ان النصف الثاني من القرن العشرین شهد اضافة قوالب جدیدة تبرز الموسیقی في الوزن والقافیة وتتفنن في اسالیب التعبیر اللغویة والفنون الجمالیة الادبیة الأمر الذي فرض تغییرات ملموسة في البُنیة الأدبیة المعاصرة.

 وبما ان بروین تعتبر من رواد العصر الحدیث فقد أدخلت في شعرها مضامین جدیدة وصاغتها باسلوب سلس حیث تطرقت الی الشؤون التربویة والاخلاقیة حیث رأت في المرأة شریكاً لا یَستغني عنه الرجل، فلا یمكن خوض مُعترك الحیاة دون وقوف المرأة الی جانب الرجل، ومَثل المرأة والرجل كمثل السفینة والربان فاذا كانت السفینة مُحكمة وكان ربانها حكیماً حاذقاً فلا خشیة من الطوفان والإعصار.

امتاز شعر بروین بالبعد عن الغرور والایمان بان الارض تتسع للجمیع مهما تباینت رؤاهم واتجاهاتهم، لقد كانت أیقونة متعددة المواهب والثقافات نهلت من منابع الاسلام العذبة وتأثرت بالمدارس الفكریة الاوروبیة وكانت محارَبة من قبل جلاوزة النظام الملكي شأنها شأن كل صاحب قضیة ومما زاد في الحرب ضراوة انتسابها الی اسرة عریقة ونُشؤها في بیت ثقافي وفكري وكونها لیست من ذكور القبیلة.

 وربما لا یوجد في الشعر الفارسي من اهتم بمتطلبات الطفل الاجتماعیة والنفسیة مثل بروین اعتصامي حیث نری ذلك في قصائدها: دموع الیتیم، الفقیرة، سیئة الحظ، القلب الجریح، المعاناة الاولی، صاعقتنا ظلم الاغنیاء وغیرها.

 بروين في خارطة الشعر الأيراني المعاصر

 حظي الشعر بمكانة مرموقة في مضمار الثقافة الایرانیة، وكان للشعراء حُصة الاسد بین الوجوه الفنیة والابداعیة الایرانیة حیث نال ابوالقاسم فردوسي صاحب ملحمة الشاهنامة وعمر الخیام وجلال الدین الرومي وحافظ الشیرازي شهرة عالمیة.

 ویحمل الشعر الایراني علی ظهره تجربة الف عام حافلة بالانجازات والابداعات، یمكنها ان تُمهد للتواصل الحضاري والتعایش السلمي، وتكون همزة وصل للتآخي والمحبة بین الشعوب.

 وتعتبر بروین من شعراء العصر الحدیث في ایران حیث أضافت معان جدیدة للادب الحدیث وأدخلت في شعرها مضامین جدیدة وصاغتها باسلوب سلس ولغة سهلة بمفاهیم جذابة تعتمد علی الموروثات الاخلاقیة والثقافة الاسلامیة.

 ان نجاح بروین في خلق تمازج وتلاحم بین المفاهیم الاسطوریة الفارسیة وصیاغتها بالحان مستمدة من التراث الاسلامي جعلها تقف بشموخ في قمة الأدب النسوي المعاصر وتخطف بجدارة لقب « سیدة الشعر الایراني المعاصر».

 

 

بقلم: سمير أرشدي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 3/4045 sec