رقم الخبر: 217042 تاريخ النشر: نيسان 15, 2018 الوقت: 16:14 الاقسام: ثقافة وفن  
بَلْ هي الراحةُ بِعَيْنِها

بَلْ هي الراحةُ بِعَيْنِها

كانوا مجتمعين في مجلس من المؤمنين، وما ان انفضَّ القوم وشرعوا يتراحلون الواحد تلو الآخر، حتى مرَّ بعض الوقت قبل أن يبدأ البعض بتقديم ما تيسَّر له من خدمات متعارفة في هكذا محافل اجتماعية،

وإذ بأحدهم يقول له «خفِّف عنك الحِمل ولا تُثقِل على نفسك ولا تُرهِقها»، وإذ بالرد يأتيه «المهم الراحة في تلك الدار يا صديقي»، ونحن نستطرد ونقول «بَلْ هي الراحةُ بِعَيْنِها».

عموماً، أيّ مجهودٍ يقوم به الإنسان في هذه الحياة الدنيا، يمكن النظر إليه بطريقة «مُجَرَّدة» أو «غير مُجَرَّدة». فالأولى هي ذات طابع مادي انعزالي لا أفق لها. بينما للثانية ارتباطها المرموق وهدفها السّامي.

وقد يتبادر الى أذهان البعض أن أي نشاط يُمارَس قد تنتج عنه حالات من التعب والإرهاق، وربما الملل، وفي هكذا حالات نكون قد ابتُلينا بأن نكون ضيوفاً لدى الطريقة الأولى بالنظر الى الأمور، فبئس الضيافة والمُضيف، وهدى الله الضيوف وأنار بصائرهم وقذف بعقولهم الى الطريقة الأخرى والأسلوب الأرقى لمقاربة الأمور، حيث نجد أن للعمل هدف وغاية يأخذان بأيدينا الى مَصَبٍّ واحد، ويَرْبطاننا بِمُسَبِّب الأسباب وصاحب الكلمة العليا والملك الجبار الذي لا نظير له ولا مثيل، ولا خلف لقوله ولا تبديل، وهو الله (عز وجل).

فالأسلوب الأول - المجرد - يُتعِب ولا يُثمر، وإن أثمر فحصاده آنيّ سرعان ما يذهب أدراج الرياح وكأنَّ شيئاً لم يكن. أما المنحى الآخر، فهو يربط وجودنا بمنبع الفيض الأعظم، حيث للعمل الدنيوي صورته الأخروية، وللوضعية الزائلة هيئتها الأبدية، فضلاً عن الراحة الباطنية التي يُنتجها لنا في هذه الدار، والعزيمة الإلهية التي يبثها في نفوسنا للتغلب على أي تلكُّؤات جسدية قد تطرأ في البَيْن.

 فهذا الأسلوب - الغير مُجرَّد - يُحَوِّلنا الى كيانات هادفة تمشي على بصيرة من أمرها، وتسعى للارتقاء شيئاً فشيئاً نحو الأفضل، ويجعل أوقاتنا ثمينة والحياة ذا معنى أصيل لا بد من استغلالها قبل فوات الأوان. ومن باب الطرفة والاستفادة في آن: «طلب منه أن يوصله الى مقصده الفلاني، فبعد أن كان له ما أراد، التفتَ إليه قائلاً: شكراً جزيلاً. فجاءه الرد: الشكر لله تعالى ولك فقد عمّرنا السَّقف جرّاء هذه التوصيلة». والمقصود هنا أنه عمَّر سقف منزله في الجنة نتيجة هذه الخدمة الإنسانية.

فمن المهم أن يعيش الإنسان هذه الحالة الإنعكاسية بين العالمَيْن، بين دار الى زوال وأخرى باقية الى الأبد، والتنبه أن الثانية - أي دار الخلود - هي بمثابة مرآة للأولى، وأن الأولى - أي دار الفناء - هي مزرعة الآخرة. ومِنْ عجائب المشاهدات ما قد نلاحظه في انتهاج البعض طريقة غير مدروسة بتعاملهم مع التشييد العمراني الباذخ لمنازلهم الشخصية، فتراهم يرتفعون بطريقة غير مُتَّزنة في بناء منازلهم الدنيوية وَيْكَأَنَّهم مستمرون في هذه الحياة الى أجل مفتوح لا نهاية له. ليس المطلوب أن ينصبوا خِيَماً ويسكنوا فيها بدل المنازل، وإنما الاعتدال والتعامل بواقعية والاكتفاء بالمقدار الذي يسد حاجات الإنسان الضرورية المتعارَفة وعدم التغافل عن أهمية التفرغ للانشغال والاهتمام - بدرجاته القصوى - بإعمار تلك الدار التي تُشَكّل مآلنا الأبدي وملاذنا الذي نخطه بأعمالنا ونرسمه بمسلكياتنا، فهل نتنبَّه كيف نخطط وبأي أداة ننحت مَأوانا المستقبلي قبل فوات الأوان؟

جاء في مضمون الخبر «... قال رسول الله(ص) لما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ولبنة من فضة وربما أمسكوا فقلت لهم ما لكم ربما بنيتم وربما أمسكتم فقالوا حتى تجيئنا النفقة فقلت لهم وما نفقتكم فقالوا قول المؤمن في الدنيا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإذا قال بنينا وإذا أمسك أمسكنا». (بحار الأنوار).

وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون

 

 

بقلم: أبو تراب كرار العاملي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 5/0178 sec