رقم الخبر: 217406 تاريخ النشر: نيسان 20, 2018 الوقت: 14:37 الاقسام: مقالات و آراء  
سوريا ما بعد العدوان الثلاثي!

سوريا ما بعد العدوان الثلاثي!

هي في عرفنا -دون سواها من بلاد العرب- كعبة العروبة .. إنها سوريا التي في رواية عروبية أخرى «قلب العروبة النابض» كما أسماها قبل نصف قرن مضى .. جمال عبدالناصر وهي في رواية ثالثة «عزّ الشرق الذي أوله دمشق» كما قال قبل مائة عام مضت أمير الشعراء أحمد شوقي في رائعته «سلام من صبا بردي أرق .. ودمع لا يكفكف يا دمشق»..

ولأنها كعبة العروبة وقلبها وعزّها .. ليس فحسب في الشعر والعاطفة بل في الاستراتيجيا وصراعات القوى ومصائرها.... لذلك أدموها طيلة ثماني سنوات عِجاف، ولم يكن عدوانهم الأخير «الدامي والفاشل في آن»، «فجر 14/4/2018» هو الأول لقد سبقته مئات الاعتداءات المباشرة أو بالوكالة عبر الجماعات المسلّحة المموّلة خليجياً «حتى الآن 137 مليار دولار!» أو الكيان الصهيوني، كان لهذه الاعتداءات أهدافها التكتيكية المرحلية التي تغيّرت بين عدوان وآخر ..لكن ظل الهدف الاستراتيجي الثابت والدائم هو أن تحوّل سوريا إلى ركام، وأن تُعزَل عن دورها التاريخي «وهل الدول ذات الحضارة.. إلا دور ورسالة»، ودورها كان هو حماية فريضة العروبة عبر دعم صلاتها وصيامها وحجها الصحيح والدائم الذي هو في رأينا؛ المقاومة..

وهل يستطيع مَن يؤمن بهكذا صلاة وصيام وحج أن يقيم فرضه من غير «كعبة» تحنو عليه وتأويه وترشد بوصلته إلى القبلة الصحيحة في زمن انحراف البوصلات والقِبلات -بكسر اللام-؟ لهذا السبب الاستراتيجي الممتد تم الاعتداء على سوريا والتآمر الدولي لثماني سنوات مضت، ولنفس السبب سيتم الاعتداء عليها لاحقاً .. لكن في المرات القادمة كما في مرة العدوان الثلاثي الأخير، سيكون الرد مختلفاً فتوازُن القوى وصلابة التجربة الدامية التي صهرت الإرادة وصلّبتها واكسبتها مع المحنة عزيمة أشد في الصبر والمنازلة وإدماء العدو، عوامل جديدة تذكّرنا بالقول المأثور للمُجاهد الليبي الكبير /عمر المختار، وهو يقاتل المحتل الإيطالي في شجاعة رغم الخَلَل في موازين القوى وقتها: الضربات التي لاتقتلني تقوّي ظهري! وهو عينه ما تعيشه سوريا «كعبة العروبة» هذه الأيام.

على أية حال دعونا نرصد بعض ملامح مرحلة ما بعد العدوان الثلاثي .أولا :الآن وبعد أن انجلت الصورة ووضحت مواقف القوى بعد العدوان بات معلوماً حتى لدى مَن قام بالعدوان ومن حالفه وموّله من عرب دول الخليج (الفارسي)، إن الضربة قد فشلت، ولم تحقّق أياً من أهدافها المُعلَنة من قِبَل الرئيس الأميركي، وكان أشد المُنتقدين لفشلها، «الجماعات المسلّحة – بعض الدول النفطية – تركيا- والكيان الصهيوني»، والأخير هو الأهم في رصد ردود أفعاله وتوقّعاته المستقبلية، أما الجماعات المسلّحة وأهل النفط وتركيا.. فلا قيمة حقيقة لهم، فهم مُجرّد خَدَم وأدوات- بالمناسبة هم الآن خاصة بعد العدوان الأخير يعلمون ذلك جيداً- ومَن يُحرّكهم هو مَن يتحالف استراتيجياً مع إسرائيل «أميركا والغرب» ولا يشغله سوى أمنها، لذلك فالموقف الإسرائيلي هو الأهم هنا، وفي هذا السياق نرصد أهم ردود فعله وتوقّعاته، في البداية يؤكّد مُحلّل الشؤون العربيّة في صحيفة «هآرتس» نقلا عن قيادات أمنية نافِذة إنّ خشية إسرائيل بعد فشل الضربة الأميركية الأخيرة، تكمن في أنْ يقوم الرئيس الروسيّ بعمليّةٍ انتقاميّةٍ، ويُحدّ من حريّة الطيران الإسرائيليّ في الأجواء السوريّة، لافتاً إلى أنّ ترامب اختار عدم تهديد الرئيس الأسد، والآن انتقلت الكرة إلى ملعب بوتين لكي يُقرّر في ما إذا كانت وجهته للتصعيد أم لا.

أمّا مُحلّل الشؤون الأميركيّة في «هآرتس»، حيمي شاليف، فقال جازماً إنّ ترامب يخاف من المحقّقين في واشنطن في قضاياه، أكثر بكثير من خشيته من الرئيس السوريّ. ولفتت الصحيفة إلى أنّ الضربة الغربيّة لسوريّا أصبحت انتصاراً للأسد ليس في سوريا فحسب بل في العالم العربي أيضاً «طبعاً نسي الصحافي الإسرائيلي أن يقول باستثناء «أشقائه» في بعض دول الخليج (الفارسي) وتركيا!» في موازاة هذا التحليل ثمة تحليل آخر لمُحلّل الشؤون الأمنيّة في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، الناطِق غيرُ الرسميّ بلسان المستوى العسكريّ في تل أبيب، والذي قال: «عُدنا إلى المربّع الأوّل، وبقيت إسرائيل لوحدها في الساحة لمواجهة العدّو الإيرانيّ بشكلٍ خاصٍّ ومحور الشرّ بشكلٍ عامٍّ، هذه المواجهة الآخذة بالتصعيد الخطير».

فيشمان أشار إلى نقطتين هامّتين بحسب رأيه، واللتان تقُضان مضاجع أركان إسرائيل، الأولى، الخشية العارمة من هجوم إيراني سوري بقيادة حزب الله انتقاماً لشهداء إيران في مطار «تيفور» والثانية الخشية من تزويد روسيا لسوريا بمنظومة صواريخ «إس 300».

وحسب القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي فإن مسؤولي «وزارة الدفاع الإسرائيلية» يخشون من أن «يدفع الهجوم الثلاثي روسيا للإسراع ببيع منظومة دفاعية متطوّرة لنظام بشّار الأسد في سوريا؛ من هذه الصواريخ الأمر الذي سيجعل من الصعب على الجيش الإسرائيلي العمل في المنطقة».

وأشارت القناة إلى أن المسؤولين الأمنيين والعسكريين الإسرائيليين يرون أن موسكو ستتجاهل مطالب تل أبيب، وتُعجل بتزويد «نظام الأسد» بمنظومة «إس 300» الدفاعية الصاروخية، معتبرين أن ذلك سيترك «إسرائيل لوحدها في مواجهة إيران».

وتُعدّ منظومة «إس 300» أكثر تطوّراً مقارنة بكل الأنظمة الصاروخية المضادّة للطائرات الموجودة لدى «النظام»، حسب ما أوردته اليوم صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية .

وبإمكان المنظومة ليس فقط إسقاط طائرات بل أيضاً صواريخ باليستية على مدى يزيد عن 150 كم، وفق المصدر ذاته. ثانياً: هذا الموقف الإسرائيلي وتوقّعاته ... كما قلنا هو الأهم.. بالمقابل وخاصة بعد القمّة العربية (15/4/2018 ) في الظهران في السعودية ، وفشلها في تحقيق مواقف عربية أكثر وعياً بالمخاطر الحقيقية وليس المخاطر «المفترضة ... مثل وهْم الخطر الإيراني» الذي يهدّد الأمن القومي العربي، فإن البحث عن دور عربي موحّد ومتقدّم في الازمة السورية ومستقبل حلها سياسياً، لم يعد ممكن فهو كمن يبحث عن إبرة في كومة قشّ، القرار الان في هذه الأزمة.. أو بمعنى أدق المؤامرة هو لأطراف غير عربية بالأساس..

بعضها ينتمي بالضرورة والمصلحة والفرز التاريخي والدم المضحى به على أعتاب دمشق.. إلى محور المقاومة.. والآخر الذي بات واضحاً خاصة بعد العدوان الثلاثي الأخير، ينتمي إلى محور العدوان والاحتلال والإرهاب وفي مقدّمة هذا المحور تأتي إسرائيل وتركيا وأميركا، إلا أننا لا نبالغ في القول ووفق مُعطيات استراتيجية حاسمة أفرزتها ثماني سنوات من المقاومة والصبر والتضحيات.. إن «الدولة السورية» بكل ما في معنى كلمة «دولة» من دلالات... تتّصل بالشعب وبالجيش العربي السوري وبالنظام الوطني الحاكم وبمؤسسات الدولة التي صمدت في وجه العواصف العاتية.. هذه «الدولة».. هي قطب الرحى وأساس التحوّلات القادمة، ليس فحسب على مستوى الجغرافيا السورية... بل وفي الاقليم والعالم.. ومن هنا تأكيدنا على كونها «كعبة العروبة» التي من حولها... يحق للمؤمنين بها المدافعين عنها.. أن يضبطوا بوصلتهم العروبية الحقّة عليها.. ولا يخشوا انحرافاً!! والله أعلم.

 

بقلم: رفعت سيد أحمد - كاتب ومفكر قومي من مصر  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الميادين
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 2/3945 sec