رقم الخبر: 219171 تاريخ النشر: أيار 09, 2018 الوقت: 14:36 الاقسام: ثقافة وفن  
العرفان والقيادة والطبع الملائكي عند الإمام الخميني(قدس)
مسيرة تاريخية بوسع المؤرخين أن يتدارسوها ويتحدثوا عنها

العرفان والقيادة والطبع الملائكي عند الإمام الخميني(قدس)

يحتفظ الإمام الخميني الراحل(قدس) بمسيرة تاريخية بوسع المؤرخين أن يتدارسوها ويتحدثوا عنها: (عاش الإمام 19 عاماً في خمين، ثم اتجه للخوض في المسائل العلمية، ودرس الأدب والفقه والأصول شأنه شأن الآخرين، حتى بلغ سنّ السابعة والعشرين تقريباً و..) .

الآخرون أيضاً مرّوا بهذه المراحل، ولكن بالنسبة للتسعين عاماً من حياة إمام الأمة(قدس) ثمة عقدين من الزمن ينبغي التوقف عندهما، لأنهما يختصان بالإمام وحده، وأن الآخرين يفتقدون إلى نظيرهما.. السنوات العشر الأولى، سنوات أنس الإمام بعالم (الغيب) و(العرفان). والعشرة الثانية، سنوات أنس سماحته بعالم (الشهادة) و(القيادة) .

يبدأ العقد الأول منذ أواخر سن السابعة والعشرين وحتى أوائل سن الثامنة والثلاثين، أي منذ عام 1347 وحتى عام 1358 للهجرة. وهي السنوات التي صنّف فيها سماحة الإمام(قدس) كتبه العرفانية المعمقة. ففي سن السابعة والعشرين ألّف الكتاب الشريف (مصباح الهداية الى الخلافة والولاية). وبعد ذلك دوّن «التعليقات على الفصوص»، و«التعليقات على مصباح الأنس»، ومن ثم «سرّ الصلاة». فهذه كتب ليس بوسع أي شخص أمضى عشرة أو عشرين عاماً بالدراسة في الحوزة العلمية، أن يفهمها.فهي تختلف عن(الرسائل) و(المكاسب)و(الجواهر)و(المنظومة ). إن السنوات العشر ما بين سنّ السابعة والعشرين والسابعة والثلاثين، تمثل سنوات الغيب والمناخ الغيبي لشخصية الإمام الراحل (قدس سرّه).

أما العقد الثاني الذي هو عقد الشهادة ونشوء شهادة سماحته، فإنه يشمل الفترة ما بين أواخر عام 1357 شمسي وحتى أوائل عام 1368 شمسي، وهي السنوات العشر التي غيّرت وجه العالم وقلبته رأساً على عقب. إن مرحلة السجن والنفي شكلت دليل (المظلومية) وليس الاقتدار. إذ أن أناساً كثيرين دخلوا السجن، ولكن هل استطاعوا بعد إطلاق سراحهم، قيادة البلد وإدارة الحرب والمضي بالثورة إلى برّ الأمان ؟... ثمة مظلومين كثر، ولكن هل كانوا يمتلكون هذه القدرة حتى إذا ما جلسوا في سدة الحكم، يحكمون بمثلما كان يحكم الإمام علي(ع)؟ . إن ذلك لم يثبت بالنسبة للآخرين. ربما كان بوسع (المدرّس) أن يفعل ذلك، ولكن لم يثبت. وربما كان آخرون قادرين إلّا أنه لم يترجم عملياً. الذي عمل على انتقال الاكتشافات و«الأسفار الأربعة» من مرحلة العلم إلى مرحلة العمل، وقرن السمع بالبصر، إنما هو إمام الأمة (قدس).

 إن هذين العقدين البارزين والشاخصين، هما اللذان يميزان حياة الإمام الخميني(قدس) عن الآخرين. إما بقية السنوات التي قضاها في قم، أي السنوات الأربعين الوسطى، ورغم أنها اتسمت بالرياضة وتهذيب النفس وكان سماحته منشغلاً بالتدريس، ولكن الآخرين قد مرّوا بهده التجربة أيضاً، بيد أن اختلاف الإمام وتباينه عن الآخرين يكمن في هذين العقدين. فإذا كان الإمام قد سبر أغوار (الأصول) وتعمق في (الفقه)، ورغم اختلافه عن الآخرين في ذلك ، إلا أنه لم يكن الأوحد. وعليه يجب التعرف على الإمام الراحل(قدس) من خلال هذين العقدين. العقد الأول، سنوات (الغيب) العشر. والعقد الآخر، سنوات (الشهادة). وطوبى لمن جمع بين الغيب والشهادة من جهة، وبين العرفان والسياسة من جهة ثانية، وبين الفلسفة والسياسة من جهة ثالثة.

 لم يكن الإمام الراحل يؤمن بـ (ولاية الفقيه) فحسب، بل ولأنه حكيم ، كان يؤمن بـ(ولاية الحكيم). ولأنه عارف كان يؤمن بـ(ولاية العارف).. لقد طرح سماحته (ولاية) امتزجت فيها الفقاهة بالحكمة، وانصهرت الحكمة بالعرفان. و (طوبى له وحسن مآب .. سلام الله عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً ) .

إن هؤلاء الذين نهضوا من أجل رضا الله، ليس بوسع أحد أن يهزمهم. ولكن أولئك الذين انتفضوا من أجل أهداف دنيوية ومحاولة الاستحواذ على السلطة، سرعان ما يضطهدوا ويقمعوا أحياناً ويتخلوا عن ثورتهم وانتفاضتهم. لأن ثورتهم وانتفاضتهم تفتقد إلى الدوافع الإلهية ..

إن المناضل الذي يعمل من أجل توجهات مادية، فإن اندفاعه للنضال يقل ويضعف كلما تقدم في العمر، لأنه يحارب من أجل المنصب والمقام ومندفعاً بشهواته وغرائزه إلى غير ذلك. وإذا ما حانت مرحلة الشيخوخة يبدأ يفقد الحماس ولا يجد مبرراً لمواصلة النضال.

 بيد أن الإنسان الإلهي يناضل من أجل آخرته، ولهذا فهو يزداد إصراراً واندفاعاً للنضال (ضد الطاغوت) كلما تقدم به العمر. ولاشك ثمة فارق كبير بين الاثنين.

الإمام الراحل(قدس) كان قد ناهز التسعين عند الوفاة. وكان يردد حتى اللحظات الأخيرة من حياته المباركة ذات الكلام الذي قاله في بداية النهضة. في حين أن القادة الآخرين الذين في مثل هذا العمر يحالون إلى المعاش.. إن الفارق الرئيس بين الاثنين هو أن أولئك يقاتلون من أجل الماء والتراب، في حين أن الإمام يقاتل من أجل (الخير).. أولئك يناضلون من أجل الخبز والرخاء، فيما يقاتل الإمام من أجل تحكيم العقل ونيل الجنة. ولهذا كلما تقدم به العمر يزداد إصراراً واندفاعاً للقتال والجهاد. وهنا يكمن الفرق بين الجهاد الإسلامي والجهاد غير الإسلامي.

 

 

 

بقلم: آية الله جوادي آملي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 9/4162 sec