رقم الخبر: 219743 تاريخ النشر: أيار 14, 2018 الوقت: 14:57 الاقسام: مقالات و آراء  
الرد الإيراني على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي

الرد الإيراني على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي

لم تنفك القيادات الإيرانية الروحية والسياسية والعسكرية والبرلمانية عن التهديد اليومي، إن لم نقل على مدار الساعة في فترة الأسابيع التي سبقت يوم التاسع من الشهر الجاري، اليوم الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي دولاند ترامب قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وجميعها كانت تهديدات باتخاذ وتبني مواقف مماثلة، ترد على تداعياته وبسرعة ومن نفس العيار.

لكن كان لافتا ما قاله الرئيس الإيراني حسن روحاني في اجتماع جماهيري في مدينة مشهد المقدسة قبل يومين من قرار ترامب، عندما المح إلى إمكانية عدم انسحاب بلاده من الاتفاق في حال انسحبت أمريكا، والتعويض عن ذلك بموقف وإجراءات وضمانات تتعهد بها باقي الإطراف التي وقعت الاتفاق، ومازالت تتمسك به خاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا بالإضافة للصين وروسيا، هذا الموقف يبدوا انه كان الراجح لدى القيادة الإيرانية من قمة الهرم  المرشد حتى البرلمان مرورا بالحكومة، حتى العسكر والحرس الثوري والمحافظين عموما أفسحوا المجال لتلك الفرصة قبل إعلان الموقف الإيراني بالانسحاب المقابل، وذلك لسببين: أولا: بدافع إظهار الوحدة والتماسك أمام هذا الحدث الكبير، ومن ثمة محاولة عزل وتحييد وتخفيف وطأة اثر وتداعيات القرار الأمريكي، لكن تبني هذا الموقف الإيراني جاء مشروطا من قبل القيادة الإيرانية، والشرط يتلخص في أن تتخذ الدول الأوروبية التي سارعت شركاتها بإجراء عقود ضخمة مع إيران في شتى المجالات للاستفادة من الاستثمارات بعيد الاتفاق، موقفا واضحا وعمليا يحفظ الاتفاق على المبدأ الذي قام عليه وهو المعادلة الإيرانية «رابح رابح»، وقد ظهرت هذه المطالب في كلمة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي الخامنئي وقائد الحرس الثوري اللواء محمد علي جعفري وخطيب الجمعة احمد خاتمي المحسوب على التيار المحافظ، مع الإشارة  لعدم ثقتهم بالدول الأوروبية الثلاث، حيث شككوا مسبقا بإمكانية ان تقوم  هذه الدول باتخاذ موقف جاد وحاسم في وجه الإدارة الأمريكية المنسحبة، ونعتوها بالدول المنافقة والتي ستسعى نحو مصالحها التي بالتأكيد ستكون في الفلك الأمريكي رغم الخلافات والتباين في وجهات النظر التي يظهرها الإعلام .

إن القيادة الإيرانية التي لم تتخذ قرار الرد بعد، فقد أفسحت المجال للدبلوماسية أن تتحرك، لأنها تعرف أن هذه القضية ليست من القضايا التي تستجوب الرد الانفعالي السريع، بل هي من الخطورة بمكان تقتضي التروي والتأني والعمل على تفعيل الجهد الدبلوماسي في تقزيم القرار الأمريكي، وعزله وإبطال مفعوله، فالجهد الدبلوماسي، فيه من القوة والثقة لدى القيادة الإيرانية في التصدي لنقضه، خاصة وأن الولايات المتحدة ليست كل العالم بالمفهوم السياسي الإيراني خاصة مع وجود الرئيس الأمريكي المتهور دونالد ترامب، فأول قرار اتخذه ترامب وهو الانسحاب من «اتفاقية باريس لمكافحة التغير المناخي»، وقراره الثاني بفرض رسوم جمركية إضافية على استيراد الصلب، وقراره الثالث بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب  إلى القدس،  بالإضافة للحرب الاقتصادية التي أشعلها ترامب مع الصين، هذه القرارات أثارت حفيظة الدول الأوروبية والحليفة للولايات المتحدة، وأوجدت جدلا واسعا في أوساطها، لذلك يمكن للدبلوماسية الإيرانية أن تستفيد من هذه الحالة، وهي فرصة لتجريد هذا القرار من أثره ومفعوله خلافا لخطط الإدارة الأمريكية التي تسعى للبناء عليه، وإجبار إيران للعودة لطاولة المفاوضات ومناقشة مسألة القدرة الصاروخية والوضع الإقليمي المتوتر في الشرق الأوسط، والذي تحقق فيه إيران تقدما في أكثر من ساحة، الأمر الذي يقلق الدوائر الأمريكية والغربية، فالقرار حسب هذه الخطط له ما بعده، وهو بداية سياسة أمريكية جديدة أكثر تشددا تجاه طهران، التي بدأت تحصد كثير من المكاسب في الشرق الأوسط على حساب المصالح الأمريكية في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

لكن الفعل الدبلوماسي الذي تقدم الحراك الإيراني لن يكون في المقدمة على الدوام في هذا الشأن إن لم ينجح، هناك سقف زمني حدد بعدة أسابيع، فإن لم يستطع تحقيق الهدف، فإن القيادة الإيرانية ستلجأ إلى اتخاذ مواقف أخرى، فهي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا القرار، ولن تسمح بالمماطلة الأوروبية وإفساح المجال للحفاظ على الاتفاق قائما إرضاء لمصالحها التي لازالت مصالحها عميقة وواسعة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فموقف إمساك بطيختين في يد واحدة لن يكون مقبولا من إيران، وإن خياراتها كثيرة ومتنوعة، خاصة وأن فنائها الآسيوي الواسع خلفها فيه الحليفتين الصين وروسيا، وعلاقتها بدول البركس ودول أمريكا اللاتينية سيساعدها على التقليل من إضرار وتداعيات القرار الأمريكي الاقتصادية خاصة، وأن ما جنته من وراء الاتفاق اقتصاديا مع الدول الأوروبية والشركات الأمريكية لم يكن بالشيء الكبير حسب خبراء ومراقبين والتيار المحافظ في إيران، الذي عارض قسم كبير منه هذا الاتفاق في حينه وشككوا في جدواه.

والخلاصة أن الرد الإيراني على الانسحاب الأمريكي من الاتفاق اعد له من الأوراق الكثيرة، ومن كافة الأنواع والمستويات، الدبلوماسية الورقة الأولى التي يسهل على اللاعب الذكي طرحها على الطاولة، أما الأوراق الإيرانية الأخرى فهي مرفوعة وجاهزة لتنزل على الطاولة في  الوقت الذي تراه القيادة الإيرانية مناسبا، وعلى كل المستويات وفي كل الجهات، فسياسة غزل السجاد رغم طول أناتها ودقتها وذكاء حرفييها، لم تفشل، بل بقيت تحافظ على نجاحها على مستوى  العقود الأربع التي تلت نجاح الثورة.

 

 

بقلم: عصري فياض - كاتب فلسطيني  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/0615 sec